قصائد قتلت أصحابها ........
الشاعر هو طرفة بن العبد
أولا : نبذه عنه :
قُتِلَ وعمره 26 عاما
كان شاعرا المعيا كان يدخل على الملوك ويسجل أروع القصائد حتى إن بعضهم يجعل معلقته
بعد معلقة امريء القيس مباشرة وبعضهم الف فيها مصنفات بديعة
لأنها من اخطر وابلغ وامهر المعلقات على الاطلاق
وهو صاحب البيت المشهور ..
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة = على النفس من وقع الحسام المهندِ
فما هو سبب قتلة ؟؟
وسبب قتله هجاؤه لعمرو بن هند
واعتقد ان المتتبع للتاريخ يعرف من هو عمرو بن هند الذي كانت تخافه
الطير في الدهناء
فماذا قال في عمر بن هند ؟؟
تمنى انه بقرة يستفاد من ضرعها ,,,
فقال :
فليت لنا مكانـاً ملـك عمـر
رغـوث حـول قبتـنـا تـخـور
من الزامرات أسبل قادمها
وضـرتـهـا مـركـبــة تــــذور
يشاركنـا لنـا رخـلان فيهـا
وتعلوها الكباش فمـا تنـور
لعمرك إن قابوس بن هند
ليخلـط ملكـه حمـق كثيـر
طبعا اكرمه عمرو بن هند والبسة واعطاة رسالة هو وخاله المتلمس
والاثنين ماكانوا يقرون وحصلوا واحد قرأ رسالة المتلمس
فوجد فيها اذا جاءك حامل الرسالة فاقطع أربعه وراسه فهرب المتلمس ونصح طرفة
بأن يفتح رسالته ولكنه رفض ووذهب بها الى ملك البحرين الذي قتلة ...
2 - وضاح اليمن
كان هذا الشاعر ممن يتهورون في شعرهم وبالذات الغزلي فقد تغزل **وجة الوليد بن عبد الملك
فقال فيها لما سافرت
صدع البين والتفرق قلبي .. وتولت أم البنين بلبي
ثوت النفس في الحمول لديها .. وتولى بالجسم مني صحبي
ولقد قلت والمدامع تجري .. بدموع كأنها فيض غرب
جزعاً للفراق يوم تولت .. حسبي الله ذو المعارج حسبي
وقال لما مرضت
حتام نكتم حزننا حتاما .. وعلام نستبقي الدموع علاما
إن الذي بي قد تفاقم واعتلى .. ونما وزاد وأورث الاسقاما
قد أصبحت أم البنين مريضة .. نخشى ونشفق أن يكون حماما
يارب أمتعني بطول بقائها .. واجبر بها الارمال والايناما
واجبر بها الرجل الغريب بأرضها .. قد فارق الاخوال والاعماما
كم راغبين وراهبين وبؤٍ .. عصموا بقرب جنابها إعصاماً
بجناب ظاهرة الثنا محمودةٍ .. لا يستطاع كلامها إعظاما
فلما سمع الوليد ذلك عزم على قتله
فامر بان يؤخذ ويوضع في صندوق ويدفن حيا
وفى رواية اخرى //
حيث تقول الرواية انها هي خباءته في الصندوق
وعندما حضر الوليد لم يسألها سوي الصندوق واجابته وهي تتوجس شرا فأخذ الصندوق
ولم يفتحه بل امر بدفنه بما فيه
ومن يومها لم يظهر وضاح اليمن
3- الشاعر دوقلة المنبجي
هناك عدد من الشعراء الذين قادتهم قصائدهم إلى الموت, ولأن قتل كل شاعر يختلف عن شاعر آخر, وكذلك قصيدته, فإن الأوجع يبقى أكثر دليلاً, وربما الأكثر تأثرا, وخاصة إذا عرفنا أن شاعرنا قد كتب طوال حياته قصيدة واحدة ــ يتيمة ــ وهذه القصيدة كانت ثمنا لحياته, القصيدة القاتلة هنا هي اليتيمة, تلك القصيدة التي ذاع صيتها بهذا الاسم بعد أن سميت بأسماء أخرى كدعد , ولعل تسميتها باليتيمة لكونها وحيدة لا شبيه لها نظرا لقوة سبكها وروعة تشبيهاتها ومعانيها وسلاسة صياغاتها ووضح مقاصدها ، فالقصيدة اليتيمة تضم ستين بيتاً, وهي للشاعر دوقلة المنبجي, وفيها يقول :
هــل بالطلــول لــسائــل ٍ ردُّ
أم هـــل لهـــا بـتكلّم ٍ عهـدُ
دَرَس الجديدُ ، جديدُ معهدها
فــكأنمـــا هــي ريطــة جردُ
من طول ما تبكي الغيوم على
عَـــرَصــاتِهــا ويقهقــه الرعدُ
وتــلُـــثُّ ســـاريـــةٌ وغاديـــةٌ
ويــــكرُّ نحــــسٌ خلفه سعدُ
تـــلــقـــاءَ شــاميــةٍ يمانيــة
لــهــا بــمــورِ تُــرابـها سَردُ
فكست بــواطنها ظواهرهـــا
نــــوراً كـــأن زهـــاءه بـــــرد
فوقفت أسألها ، وليس بهـــا
إلا الــمهـــا ونـــقــانــق رُبد
فتبادرت درر الشؤون عــلــى
خـدّي كـــمـا يتـــنــاثر العقد
لهفي على(دعد)وما حفلت
بـالاً بــحــرِّ تلــهفـــي دعــدُ
بيضـاء قـــد لبس الأديم بها
ء الحسُن ، فهو لجِلدها جِلـــد
ويــزيـــنُ فـــوديها إذا حسرت
ضــافـــي الغدائر فاحمٌ جَعــد
فــالوجـه مثل الصبح مُبيضٌّ
والشعــر مــثــل الليل مسودُّ
ضــدّانِ لـمـا استجمعا حسُنا
والضــدُّ يــظهــر حُسنه الضــدُ
وكـــأنهـــا وسنَــى إذا نظرت
أو مـدنـف لــمَّــا يُفِـق بـــعـــد
بــفتــور عيــن ٍ مــا بهـا رمَدٌ
وبـــهـــا تُــداوى الأعين الرمدُ
وتــريـــك عِـــرنـيـناً يــزيّــنـه
شـمــمٌ ، وخــداً لــونــه الوردُ
وتــجيــل مسواك الأراك على
رتـل ٍ كــأن رضـــابــه الشهـد
والــصـــدر مــنهــا قــد يزينه
نــهــدٌ كــحــقِّ العاج إذ يبدو
والمعصمانِ ، فما يـرى لهمـا
مـــن نــعمــةٍ وبــضاضةٍ زنــد
ولـــهـــا بـنــان لـــو أردت له
عــقـــداً بــكفـــك أمكن العقد
وكـــأنمــا سُـــقيــت ترائبها
والنحـــرُ مـــاءَ الــورد إذ تبــدو
واسترسل في ذكر أوصافها إلى أن قال :
مــا عابها طــول ولا قِــصَـــر
فـــي خلقهــا ، فقوامها قصـد
إن لم يكن وصل لــديك لـنــا
يشفي الصبابة ، فليكن وعــد
قــد كــان أورق وصلكــم زمناً
فــذوى الـــوصــال وأورق الصد
لله أشــواقــي إذا نــزحــــت
دار بـــنـــا ، وطـــواكـــم البعــد
إن تـــتهمــي فـتهامة وطني
أو تــنجــدي ، يكن الهوى نجدُ
وزعمـــت أنـك تضمرين لـنـا
وداً ، فــهــلاّ يــنفــع الــــــودُّ !
وإذا المحب شكـا الصدود ولم
يـــعطـف عليـــه فقتلــه عمد
نختصُّها بالود ، وهي علــى
مــالا نــحــب ، فــهكذا الوجـــد
أو مـــا تــرى طمــريَّ بينهما
رجـــل ألــــحّ بـــهــزلـــه الجـد
ولـــقــد علمــتُ بأننـــي رجلٌ
فــي الصالحــاتِ أروحُ أو أغـدو
سلمٌ على الأدنى ومرحمـــةٌ
وعــلى الحـــوادث هــادن جَلدُ
مـتـجلبــب ثـوب العفاف وقــد
غــفــل الــرقيـب وأمــكـن الوِردُ
ومجانبٌ فــعـل القبيح ، وقـــد
وصــل الحبيب ، وساعد السعد
ليــكــن لــديــكِ لسائـل ٍ فــرجٌ
أو لــم يكـــن.. فليحسن الـردُّ
" الإجراءات التي أتخذها ليست إلا تدبيرا جذريا للإسراع في تفجير الحقيقة والوصول للعدالة".ولكن لدي شغف واحد: تنوير الذين تم حجبهم في الظلام، وباسم الإنسانية معاونة هؤلاء الذي عانوا الكثير ولهم حق التمتع بالسعادة.رسالتي رسالة احتجاج نارية وما هي الا مجرد صرخة روحي.دعوهم يتجرؤن ويجلبونني أمام محكمة قانونية، وليتم التحقيق معي في وضح النهار! " إميل زولا ،"إنى أتهم! "(1898)
الأحد، يوليو 19، 2009
شعر: أبكر آدم إسماعيل
صوت الوتر السادس
قمرٌ لبابٍ واحدٍ
ومهاجرٍ بالعشقِ، منقطعٍ لدربٍ قاصدٍ،
القلبُ زكته الخيولُ يوم الرحيل فكان ميلادُ المطر،
هكذا…
سحبٌ، دخان،
برقٌ، رذاذ،
وزفير ماعزتى وراء "التكل"
النار والأبنوس، مدفأتي..
وعصيدة الدخن العتيقة "والكَوَل"
بكاء أخي الصغير،
سروالي الممزق من مطاردة السحالي والورل.
وزجاجة السمن المخبأ في السياج، ولم يزل،
في صدر أمي أميناتٌ أن تسوى قطعة الجاتوه من دخن العصيدة والحليب
وأنا أحدد طاقة الإمكان في كتب الدراسة والحديث،
ومزاعم الحلوى،
وهو هوة الضرائب
والعشى الليلي، ونقص الفايتمين.
سألتُ أمي:
كم توازي قطعة الجاتوه من دخن العصيدة؟
لم تجبني .. ساعةً،
ففتحتُ عيني موقظاً في الجهر زندقة التوقع قائلاً:
"إني أرى شجراً يسير"
أراه في سطر المدى
وأرى المدينة في احتراق جحيمها
وبفوقها عربٌ تدق خيامها بين المطامير، العمارات، الشوارع..
ليس ثمة من سؤالٍ عن مواقيت الرحيل.
وأرى التفاصيل العويصة في اشتعال السوق،
في كيميا التحلل والذبول.
والنوق ترتع، ثم ترجع، ثم تبعر فوق أسفلت الشوارع،
والنعامة تستغيث،
وتدفن رأسها في شنطة البوليس،
وأراك هاربةً من الدكان يا أماه.
أرى...
أرى...
"يا ولد، أمسك لسانك .. يا مشوطن"
أو لا أرى..
وسكت ممتشقاً رؤاى،
أراقب الملكوت، دوران الكواكب
والنواميس العظيمة والوري..
عشرون قصَرِت الخطى
والشمس تطلع، ثم تغرب،
ثم تطلع، ثم تغرب،
ثم تطلع ، ثم تغرب،
ثم تطلع بعد عام..
ويفوت عامٌ آخرُ حتى المساء..
هناك يكبر في دمى نبض الفصول.
الخرطوم (1)
الدرس الأول: التاريخ
المهدى نخاسٌ شهير
"شوله"
عبداللطيف: لم يكن في مسرح الوطن الجميل،
بل كان منهمكاً يخطط لانقلاب عسكريٍ..
كي يعيد إلى أميّةَ أصلها القرشى والنسب النبيل.
عبدالفضيل:
كان نشالاً ولصا موغلا في الاحتراف
"نقطة، سطر جديد"
الخليل:
كان يسكن فيّلا،
ويبيع أغنية تزيف طعم البلاد،
ويقاسم السلطان قعدته الخليعة، واحتمالٌ أن يكون مجنداً في الأمن..
احتمال!!
ومهيرة:
بائعة المريسة،
أول سلطة للغيب تمتهن الغناء المستغيث دعارةً،
وتمارس التعريص في الليل البهيم،
ونكون أولاد الحرام!
طوبى لنا!
فالله في هذي المدينة ضابطٌ في الجيش،
وبطانة الشعراء من جنس الطحالب والكلاب
ولا تثق بالجامعة
واللافتات اللامعة
والوزن والشعر المقفي والصدور القانعة
أرفق بنفسك من غباء اليافعين
ومن تفاصيل التدحرج للوراء،
إن الوراء مقسمٌ بين القيامةِ والعدم،
بين الترقب والذهول..
والليلُ أوغل حين طال لكي يطول.
الدرس الثاني: السلطان
بأي أشكال العبارة انتهينا سيدي،
تجد انبهارك في الخضوع..
لك القيام
لك الجلوس
لك التهجد والصيام.
لك الفطور
لك الغداء.. لك العشاءُ وما تبقى من فتات
وكل ما فينا من التبجيل ..
ما يوازي خوفنا الأبدي منك.
تربَتْ يداك..
تربت يداك..
أنا صبيّ،
أعشق الكتب الأناقة والجلوس على الرصيف.
وتجاوز الوجع المعلب في الجرائدِ، كلهم مثلى:
يحبون التغاضي عن إجابات التساؤل في عيون الشارع المسكون بالحمى
ورائحة العرق.
تربت يداك بجهلهن، بجهلنا، بطفيلة هيفاء تنضح بالندى
بشقائق النعمان ترفل، أو تبدل حليها تبعاً لمرسوم النهار وتنجلي في الليل،
تربت يداك بزندها والمعصمِ.
فأرسم لنا
خطاً رقيقاً، أو صراطاً نحو أفقك!
كي نجيئك عابرين دماءنا
والبحر فليكن الصديد
والجرحُ أغنيةٌ تجددُ في فضاء الذاكرة،
طوبى "لسِّت الشاي"
طوبى لها والموت لي
فأموت منقسماً إلى شيئين:
حنجرتي الصياح، وللولادة في فصول الجنس آلية جديدة.
ليس لي أدنى احتفاء بالرحيل مع انتظارك، فلتكن.
في الأفق.. أو عندي..
ورائي..
ليس لي وجعٌ لأسألك المضامد والدواء،
ليس لي قلبٌ ليدخله الشجن
ليس لي إلا أنا،
وأنا المسافرُ في غدٍ من برزخٍ
وإن غداً حتماً لناظره قريب.
الخرطوم (2)
كان الصباح بهياً كوجه "سلمى"
في أول ساعةٍ تُصبُر فيها شمس أفريقيا..
وأنا..
حذائي مثقلٌ بالطين والوسخ، الشوارع والهروب..
لغتي حوار بالبنادق في زوايا العهر في زمن عجيب..
في تقاسيمي سرابٌ داخليٌ.. مُضغةٌ من انبهار رابضٍ خلف الجدار
وغارقٍ في شبر ماء..
وأكون طاحون الهواء،
ومهبطاً للحابلين، النابلين،
مركّباً من خصلتين تدلتا فوق الجبين،
مرارة الرقص المداري المحاصر بالتصحر،
واستراتيجيا الصراع.
وأدور في فلك الجهات الأربع.
أحتاجُني وطنا جديداً أو إلهاً عادلاً
بين الرصيف وبين هاتيك السماء-
أو سمِّها ذات البروج.
وأريد وجهاً أخراً
لحبيبةٍ تجتاز بي
نهر الضبابات المتاخم للخروج..
أكونها بالحب أول خارجٍ من حبل مشنقة العصور الغاربة.
لأدوزن الوجع المخبأ في غضون الأزمنة، لوناً لعشقٍ غامقٍ..
متشردٍ في ليل أوعية القرون..
أو لا أكون ..
وهكذا .. للشمس في عليائها سفر الدعاء
وضراعة الشجر الحزين إلى النبي..
أنا وطيفكَ في ديالكتيك عشقِ صامتٍ،
ودمى توزع في النهارات الصبية ثم ضاع..
ثم ضاعَ على ملايين الفراسخ من ترانيم الجياع.
وعلى العبارات المسماة انتقاءً بالحدائق، والهوى، والمهرجان..
بيني وبينكَ ريحُ أفق محتوى …
بيني وبينك ألفُ بحرٍ قاصدٍ .. صخبُ.. قصيدُ.. وألف امرأةٍ نشيد.
يا أيها الوطن المحاصر بالعبارات التوابل والوعيد.
من أين يبتدئ انتماؤك للجذور؟
أم ليس للجذر انتماءٌ للتشكل في امتداد الحيز في البصر الحسير؟
إذ كلما صعدت إلى عينيك أغنيةٌ لها معناك-
أسقطك انتماؤك للجذور؟
أم ليس للجذر انتماءٌ للتشكل في امتداد الحيز في البصر الحسير؟
إذ كلما صعدت إلى عينيك أغنيةٌ لها معناك-
أسقطك انتماء في وعاء البرجواز..
وكلما أوجزت ترتيب الحكايات القديمة في المسافة،
احتواك الريح، أو ألقى حذاءك في عميق الارتواز..
فإلى متى..
ستظل رابعة الأثافي موقعاً حتماً لمنطق سيركَ الأزلي؟
وإلى متى…
سيظل صبرك واحتمالك مستبداً بالهوى خلف الشبابيك العصية؟ فليكن..
بيني وبينك ما تبقى من مدادٍ في دمي،
وسموم زندقة العصافير التي ..
شربَتْكَ في زمن الغناء..
أرتاحُ فيك على الفصول القادمة،
وأفوتُ عندك كل يومٍ..
مثقلاً بالهم والحمى..
أراقب طلعة الشمس البهية،
أو أمارسك انسجاماً - حرفة التنجيم في طرف الشوارع - كي أوزع من
ألاقي - خلقك المشحون بالسحنات - في كل المنافي، كي أنام.
وأنامُ في صفٍ طويل..
متوسداً نعلى .. أكونك يا رماد الحب ملتحفاً ترابك حاضناً تلك السماء،
وفاتحاً بابي كبيراً للرياح القادمة.
متوسماً فيك الشفاعة الضراعة
والمواجيد العظيمة والقرِى..
وأشيل سرك راحلاً بين الغيوم،
يا أيها الوطن المحاصر بالهموم..
للشمس في عليائها سفرُ الدعاء،
وضراعة الشجر الحزين إلى النبي
أنا وطيفك في ديالكتيك عشقٍ صامتٍ
ولوجه سلمى والنهارات الصبية ما سيأتي من غناء
شكراً لكم يا سيدي..
وغداً نعود.
صوت الوتر السادس
قمرٌ لبابٍ واحدٍ
ومهاجرٍ بالعشقِ، منقطعٍ لدربٍ قاصدٍ،
القلبُ زكته الخيولُ يوم الرحيل فكان ميلادُ المطر،
هكذا…
سحبٌ، دخان،
برقٌ، رذاذ،
وزفير ماعزتى وراء "التكل"
النار والأبنوس، مدفأتي..
وعصيدة الدخن العتيقة "والكَوَل"
بكاء أخي الصغير،
سروالي الممزق من مطاردة السحالي والورل.
وزجاجة السمن المخبأ في السياج، ولم يزل،
في صدر أمي أميناتٌ أن تسوى قطعة الجاتوه من دخن العصيدة والحليب
وأنا أحدد طاقة الإمكان في كتب الدراسة والحديث،
ومزاعم الحلوى،
وهو هوة الضرائب
والعشى الليلي، ونقص الفايتمين.
سألتُ أمي:
كم توازي قطعة الجاتوه من دخن العصيدة؟
لم تجبني .. ساعةً،
ففتحتُ عيني موقظاً في الجهر زندقة التوقع قائلاً:
"إني أرى شجراً يسير"
أراه في سطر المدى
وأرى المدينة في احتراق جحيمها
وبفوقها عربٌ تدق خيامها بين المطامير، العمارات، الشوارع..
ليس ثمة من سؤالٍ عن مواقيت الرحيل.
وأرى التفاصيل العويصة في اشتعال السوق،
في كيميا التحلل والذبول.
والنوق ترتع، ثم ترجع، ثم تبعر فوق أسفلت الشوارع،
والنعامة تستغيث،
وتدفن رأسها في شنطة البوليس،
وأراك هاربةً من الدكان يا أماه.
أرى...
أرى...
"يا ولد، أمسك لسانك .. يا مشوطن"
أو لا أرى..
وسكت ممتشقاً رؤاى،
أراقب الملكوت، دوران الكواكب
والنواميس العظيمة والوري..
عشرون قصَرِت الخطى
والشمس تطلع، ثم تغرب،
ثم تطلع، ثم تغرب،
ثم تطلع ، ثم تغرب،
ثم تطلع بعد عام..
ويفوت عامٌ آخرُ حتى المساء..
هناك يكبر في دمى نبض الفصول.
الخرطوم (1)
الدرس الأول: التاريخ
المهدى نخاسٌ شهير
"شوله"
عبداللطيف: لم يكن في مسرح الوطن الجميل،
بل كان منهمكاً يخطط لانقلاب عسكريٍ..
كي يعيد إلى أميّةَ أصلها القرشى والنسب النبيل.
عبدالفضيل:
كان نشالاً ولصا موغلا في الاحتراف
"نقطة، سطر جديد"
الخليل:
كان يسكن فيّلا،
ويبيع أغنية تزيف طعم البلاد،
ويقاسم السلطان قعدته الخليعة، واحتمالٌ أن يكون مجنداً في الأمن..
احتمال!!
ومهيرة:
بائعة المريسة،
أول سلطة للغيب تمتهن الغناء المستغيث دعارةً،
وتمارس التعريص في الليل البهيم،
ونكون أولاد الحرام!
طوبى لنا!
فالله في هذي المدينة ضابطٌ في الجيش،
وبطانة الشعراء من جنس الطحالب والكلاب
ولا تثق بالجامعة
واللافتات اللامعة
والوزن والشعر المقفي والصدور القانعة
أرفق بنفسك من غباء اليافعين
ومن تفاصيل التدحرج للوراء،
إن الوراء مقسمٌ بين القيامةِ والعدم،
بين الترقب والذهول..
والليلُ أوغل حين طال لكي يطول.
الدرس الثاني: السلطان
بأي أشكال العبارة انتهينا سيدي،
تجد انبهارك في الخضوع..
لك القيام
لك الجلوس
لك التهجد والصيام.
لك الفطور
لك الغداء.. لك العشاءُ وما تبقى من فتات
وكل ما فينا من التبجيل ..
ما يوازي خوفنا الأبدي منك.
تربَتْ يداك..
تربت يداك..
أنا صبيّ،
أعشق الكتب الأناقة والجلوس على الرصيف.
وتجاوز الوجع المعلب في الجرائدِ، كلهم مثلى:
يحبون التغاضي عن إجابات التساؤل في عيون الشارع المسكون بالحمى
ورائحة العرق.
تربت يداك بجهلهن، بجهلنا، بطفيلة هيفاء تنضح بالندى
بشقائق النعمان ترفل، أو تبدل حليها تبعاً لمرسوم النهار وتنجلي في الليل،
تربت يداك بزندها والمعصمِ.
فأرسم لنا
خطاً رقيقاً، أو صراطاً نحو أفقك!
كي نجيئك عابرين دماءنا
والبحر فليكن الصديد
والجرحُ أغنيةٌ تجددُ في فضاء الذاكرة،
طوبى "لسِّت الشاي"
طوبى لها والموت لي
فأموت منقسماً إلى شيئين:
حنجرتي الصياح، وللولادة في فصول الجنس آلية جديدة.
ليس لي أدنى احتفاء بالرحيل مع انتظارك، فلتكن.
في الأفق.. أو عندي..
ورائي..
ليس لي وجعٌ لأسألك المضامد والدواء،
ليس لي قلبٌ ليدخله الشجن
ليس لي إلا أنا،
وأنا المسافرُ في غدٍ من برزخٍ
وإن غداً حتماً لناظره قريب.
الخرطوم (2)
كان الصباح بهياً كوجه "سلمى"
في أول ساعةٍ تُصبُر فيها شمس أفريقيا..
وأنا..
حذائي مثقلٌ بالطين والوسخ، الشوارع والهروب..
لغتي حوار بالبنادق في زوايا العهر في زمن عجيب..
في تقاسيمي سرابٌ داخليٌ.. مُضغةٌ من انبهار رابضٍ خلف الجدار
وغارقٍ في شبر ماء..
وأكون طاحون الهواء،
ومهبطاً للحابلين، النابلين،
مركّباً من خصلتين تدلتا فوق الجبين،
مرارة الرقص المداري المحاصر بالتصحر،
واستراتيجيا الصراع.
وأدور في فلك الجهات الأربع.
أحتاجُني وطنا جديداً أو إلهاً عادلاً
بين الرصيف وبين هاتيك السماء-
أو سمِّها ذات البروج.
وأريد وجهاً أخراً
لحبيبةٍ تجتاز بي
نهر الضبابات المتاخم للخروج..
أكونها بالحب أول خارجٍ من حبل مشنقة العصور الغاربة.
لأدوزن الوجع المخبأ في غضون الأزمنة، لوناً لعشقٍ غامقٍ..
متشردٍ في ليل أوعية القرون..
أو لا أكون ..
وهكذا .. للشمس في عليائها سفر الدعاء
وضراعة الشجر الحزين إلى النبي..
أنا وطيفكَ في ديالكتيك عشقِ صامتٍ،
ودمى توزع في النهارات الصبية ثم ضاع..
ثم ضاعَ على ملايين الفراسخ من ترانيم الجياع.
وعلى العبارات المسماة انتقاءً بالحدائق، والهوى، والمهرجان..
بيني وبينكَ ريحُ أفق محتوى …
بيني وبينك ألفُ بحرٍ قاصدٍ .. صخبُ.. قصيدُ.. وألف امرأةٍ نشيد.
يا أيها الوطن المحاصر بالعبارات التوابل والوعيد.
من أين يبتدئ انتماؤك للجذور؟
أم ليس للجذر انتماءٌ للتشكل في امتداد الحيز في البصر الحسير؟
إذ كلما صعدت إلى عينيك أغنيةٌ لها معناك-
أسقطك انتماؤك للجذور؟
أم ليس للجذر انتماءٌ للتشكل في امتداد الحيز في البصر الحسير؟
إذ كلما صعدت إلى عينيك أغنيةٌ لها معناك-
أسقطك انتماء في وعاء البرجواز..
وكلما أوجزت ترتيب الحكايات القديمة في المسافة،
احتواك الريح، أو ألقى حذاءك في عميق الارتواز..
فإلى متى..
ستظل رابعة الأثافي موقعاً حتماً لمنطق سيركَ الأزلي؟
وإلى متى…
سيظل صبرك واحتمالك مستبداً بالهوى خلف الشبابيك العصية؟ فليكن..
بيني وبينك ما تبقى من مدادٍ في دمي،
وسموم زندقة العصافير التي ..
شربَتْكَ في زمن الغناء..
أرتاحُ فيك على الفصول القادمة،
وأفوتُ عندك كل يومٍ..
مثقلاً بالهم والحمى..
أراقب طلعة الشمس البهية،
أو أمارسك انسجاماً - حرفة التنجيم في طرف الشوارع - كي أوزع من
ألاقي - خلقك المشحون بالسحنات - في كل المنافي، كي أنام.
وأنامُ في صفٍ طويل..
متوسداً نعلى .. أكونك يا رماد الحب ملتحفاً ترابك حاضناً تلك السماء،
وفاتحاً بابي كبيراً للرياح القادمة.
متوسماً فيك الشفاعة الضراعة
والمواجيد العظيمة والقرِى..
وأشيل سرك راحلاً بين الغيوم،
يا أيها الوطن المحاصر بالهموم..
للشمس في عليائها سفرُ الدعاء،
وضراعة الشجر الحزين إلى النبي
أنا وطيفك في ديالكتيك عشقٍ صامتٍ
ولوجه سلمى والنهارات الصبية ما سيأتي من غناء
شكراً لكم يا سيدي..
وغداً نعود.
مبدعات سودانيات
المناحات السودانية هي من أبلغ أدب الرثاءإذ
تفيض بالحزن والوفاء وانكسار القلب.
ومن(كبد)الشاعرة السودانية (فقوسة) تدفقت
مناحة حِليل موسي يا حِليل موسي ... حِليل
موسي.. للرجال خوسة (أي سكين).يوم جاناالحصان
مجلوب... فوق ضهره السرج مقلوب... أبكنُّوا يا
بنات حيّ ووب. حِليل موسي وسّدوه الطوب ... ود
أمّي ياسِرِير يا برير ... ود أمّي ياصباح
الخير ...عزّايتو مابتنوم الليل ... خربانة
الدنيا دار الميل... مابياكل الملاح أخدر
(أخضر) ... ومابيشرب الخمر يسكر... عَجَب عيني
يوم رِكب دفر... شال صيتو لي بنات بربر...
في تعبيرها عن الألم قالت (فقوسة)... أبكنُّو
يا بنات حى ووب. وقال (ود ضحوية) . أخو الأخوان
غُطَا الكاشفات نِهار حىّ ووب. أى يوم الحرب.
وقال (الحردلو) ... إبكنَّك بنات والدك وبت
والديك ... وقالَن ووب علينا وطال حُزُنَّا
عليك ...
ولكن لم تشتهر (فقوسة) كما اشتهرت الشاعرة
(حمدة) التي قالت ... وقانا لفحة الرمضاءِ وادٍ
... سقاه مضاعفُ الغيثِ العميمِ ... حللنا
دوحَهُ فحنا علينا ... حنوَّ المرضعاتِ على
الفطيمِ ... تروع حصاهُ حالمةَ العذارَى
فتلمسُ جانبَ العقدِ النظيمِ ...
لن يسطع نجم الشاعرات (فقوسة) و (بت ,ولكن
المكاوي) و(بت مسيمس) و (شريفة بت حاج بلال)أو
الشاعرة (مندامت) التي أبدعت مناحة (ياسمّاع
بعيد)، حتي تتحوّل ثقافة السودانية الشفهية
إلى ثقافة مكتوبة. وهذا ينطبق كذلك على شعراء
المسادير في البادية السودانية. وبعض
المسادير يزيد عن ألف بيت
تفيض بالحزن والوفاء وانكسار القلب.
ومن(كبد)الشاعرة السودانية (فقوسة) تدفقت
مناحة حِليل موسي يا حِليل موسي ... حِليل
موسي.. للرجال خوسة (أي سكين).يوم جاناالحصان
مجلوب... فوق ضهره السرج مقلوب... أبكنُّوا يا
بنات حيّ ووب. حِليل موسي وسّدوه الطوب ... ود
أمّي ياسِرِير يا برير ... ود أمّي ياصباح
الخير ...عزّايتو مابتنوم الليل ... خربانة
الدنيا دار الميل... مابياكل الملاح أخدر
(أخضر) ... ومابيشرب الخمر يسكر... عَجَب عيني
يوم رِكب دفر... شال صيتو لي بنات بربر...
في تعبيرها عن الألم قالت (فقوسة)... أبكنُّو
يا بنات حى ووب. وقال (ود ضحوية) . أخو الأخوان
غُطَا الكاشفات نِهار حىّ ووب. أى يوم الحرب.
وقال (الحردلو) ... إبكنَّك بنات والدك وبت
والديك ... وقالَن ووب علينا وطال حُزُنَّا
عليك ...
ولكن لم تشتهر (فقوسة) كما اشتهرت الشاعرة
(حمدة) التي قالت ... وقانا لفحة الرمضاءِ وادٍ
... سقاه مضاعفُ الغيثِ العميمِ ... حللنا
دوحَهُ فحنا علينا ... حنوَّ المرضعاتِ على
الفطيمِ ... تروع حصاهُ حالمةَ العذارَى
فتلمسُ جانبَ العقدِ النظيمِ ...
لن يسطع نجم الشاعرات (فقوسة) و (بت ,ولكن
المكاوي) و(بت مسيمس) و (شريفة بت حاج بلال)أو
الشاعرة (مندامت) التي أبدعت مناحة (ياسمّاع
بعيد)، حتي تتحوّل ثقافة السودانية الشفهية
إلى ثقافة مكتوبة. وهذا ينطبق كذلك على شعراء
المسادير في البادية السودانية. وبعض
المسادير يزيد عن ألف بيت
السبت، يوليو 18، 2009
اين كنت في يوم 6/ابريل 1985
وانا هنا أتسال وكغيري من أبناء جيلي الذين لم نعايش تلك الثورة...لماذا لم تكن ضمن مقرر التاريخ السوداني فما حدث فيها لايقل بل اكبر من ما أحدثته الثورة المهدية لان الالتفاف والتفاعل الشعبي فيها اكبر فالتاريخ السوداني رغم علمنا بأنه سمج وفيه الكثير من التناقض وإغفال الحقائق فلا يتصور شخص بأنه يمكن أن يغفل عن إيراد أعظم ثورتين في تاريخ الشعوب الواعية......
اليوم الأول:
لااذكر في ذلك اليوم سوي مشهد الطفل مجدي هو يركض نحونا لاهثا ونحن وقوفا في باب الصف الرابع الابتدائي ،في تلك المدرسه النائية من مدارس قري الجزيرة .
في شنو؟؟؟استاذ قسم الله معاهو المعلمين جنب مكتب المدير خاتين الرادي في نصهم ،سمعتو قاليهم الحكومة انقلبت ،لم نرفع حاجب الدهشة الاعندما اردف قائلا:وكمان المدير قاليهم الليله ما تخلسوا من الطلبة ريال السبت ...وعندها احتفينا علي طريقتنا الخاصة من طلوع فوق الكنب والشبابك مصحوبا بالصياح الطفولي البرئ ليس بابريل طبعا ولكن بالاعفاء من ريال السبت لان ذلك يعني لنا في ذلك الوقت(شراء الفول والطعمية والتسالي) من حاجة أم هانئ القابعة امام باب المدرسة بعد افكونا للفطور....
اليوم الثاني:
في هذا اليوم الذي كان عاديا لنا وكغيره من ايام الله في هذه القرية ونحن نجر ارجلنا في تثاقل في ذهابنا نحو المدرسة في كامل غبشتنا ..ولم يكن هناك مايدل علي ان هناك ثورة وهذا طبعا ربما يرجع لعدة أسباب أهمها البعد عن مركز الأحداث وهناك سبب أخر وربما هو الأهم بما ان قريتنا تقع في مشروع الجزيرة التي كان به تاثير اهم نقابتين هما نقابة المزارعين والعمال اللتين كانتا غيابا عن العصيان النقابي وذلك لضعفهما وموالاة قيادتهما لنظام الحاكم...لذالك كانت أصداء الثورة باردة هنا اللهم الابعض الثرثرات هنا وهناك....
ومااذكرة وظل قابعا في ذاكرتي كل ما جاءت سيرة ابريل ...هو منظر استاذ الدين ذواللحيه الكثة وهو يدخل علينا في هذا اليوم علي غير ماعادته باسما وهاشا حتي انه لم ينتظر ان نرد عليه السلام وبدء يكتب علي السبورة
قصيدة وطلب منا كتابتها وترديدها معه ومن بعد حفظها والويل والثبور لمن لم يحفظها واذكر منها:
نميري الخائن الغادر
سافر منا ماجانا
سكن هناك في مصر
سكن في قصر عابدينا
وهناك أسئلة عدة يجب ان تثار تتعلق بانتفاضة ابريل ولابد من تمليكنا الحقائق نحن الجيل الذي لم يعايش الثورة من كل مايملك دليل ممن عاصر تلك الفترة...نريد ان نعرف...
من الذي حرق وثائق ومستندات جهاز امن الدولة؟؟؟
هل هو المجلس العسكري الانتقالي؟؟؟
ولماذا لم يتكلم المدعي العام عنها؟؟؟
ومن هم المستفيدون من ذلك؟؟؟
ومن الذي اختار النائب العام واين دور نقابة المحامين في اختياره وخاصة أنها كانت في مقدمة ساحات النضال ضد النظام المايوي؟؟؟
ولماذا تحالفت الأحزاب الطائفية في ابريل مع الحركة الاسلامية ضد الحركة النقابية؟؟؟
وهل بداية الثورة الفعلية كانت هي ابتسامة وثبات الشهيد/ محمود محمد طه وهو يقاد الي المقصلة التي ساهمت في كسر حاجز الخوف لدي الشعب وهب لاقتلاع الدكتاتورية من جذورها .؟؟؟؟
وهل كانت الحكومة الانتقالية مايو .تو ماهو البرهان علي ذلك؟؟؟
ليت ينخرط الكل في المساهمة في التوثيق لهذه الثورة بالاجابة علي هذه الاسئلة وغيرها حتي نتمكن من استخلاص العبر منها ونستفيد من الاخطاء التاريخية في ابريل التي نهشت واطلقنا عليها الرصاص في طفولتها الباكرة وتفرقت ايدي سبا والكل يدعي انه له الشرف في تفجيرها ويدعي البطولات الكاذبة؟؟؟؟؟؟
التحية للشرفاء والشهداء
لمن صنعوا التغيير
ولمن سيصنعون الغد المشرق
وانا هنا أتسال وكغيري من أبناء جيلي الذين لم نعايش تلك الثورة...لماذا لم تكن ضمن مقرر التاريخ السوداني فما حدث فيها لايقل بل اكبر من ما أحدثته الثورة المهدية لان الالتفاف والتفاعل الشعبي فيها اكبر فالتاريخ السوداني رغم علمنا بأنه سمج وفيه الكثير من التناقض وإغفال الحقائق فلا يتصور شخص بأنه يمكن أن يغفل عن إيراد أعظم ثورتين في تاريخ الشعوب الواعية......
اليوم الأول:
لااذكر في ذلك اليوم سوي مشهد الطفل مجدي هو يركض نحونا لاهثا ونحن وقوفا في باب الصف الرابع الابتدائي ،في تلك المدرسه النائية من مدارس قري الجزيرة .
في شنو؟؟؟استاذ قسم الله معاهو المعلمين جنب مكتب المدير خاتين الرادي في نصهم ،سمعتو قاليهم الحكومة انقلبت ،لم نرفع حاجب الدهشة الاعندما اردف قائلا:وكمان المدير قاليهم الليله ما تخلسوا من الطلبة ريال السبت ...وعندها احتفينا علي طريقتنا الخاصة من طلوع فوق الكنب والشبابك مصحوبا بالصياح الطفولي البرئ ليس بابريل طبعا ولكن بالاعفاء من ريال السبت لان ذلك يعني لنا في ذلك الوقت(شراء الفول والطعمية والتسالي) من حاجة أم هانئ القابعة امام باب المدرسة بعد افكونا للفطور....
اليوم الثاني:
في هذا اليوم الذي كان عاديا لنا وكغيره من ايام الله في هذه القرية ونحن نجر ارجلنا في تثاقل في ذهابنا نحو المدرسة في كامل غبشتنا ..ولم يكن هناك مايدل علي ان هناك ثورة وهذا طبعا ربما يرجع لعدة أسباب أهمها البعد عن مركز الأحداث وهناك سبب أخر وربما هو الأهم بما ان قريتنا تقع في مشروع الجزيرة التي كان به تاثير اهم نقابتين هما نقابة المزارعين والعمال اللتين كانتا غيابا عن العصيان النقابي وذلك لضعفهما وموالاة قيادتهما لنظام الحاكم...لذالك كانت أصداء الثورة باردة هنا اللهم الابعض الثرثرات هنا وهناك....
ومااذكرة وظل قابعا في ذاكرتي كل ما جاءت سيرة ابريل ...هو منظر استاذ الدين ذواللحيه الكثة وهو يدخل علينا في هذا اليوم علي غير ماعادته باسما وهاشا حتي انه لم ينتظر ان نرد عليه السلام وبدء يكتب علي السبورة
قصيدة وطلب منا كتابتها وترديدها معه ومن بعد حفظها والويل والثبور لمن لم يحفظها واذكر منها:
نميري الخائن الغادر
سافر منا ماجانا
سكن هناك في مصر
سكن في قصر عابدينا
وهناك أسئلة عدة يجب ان تثار تتعلق بانتفاضة ابريل ولابد من تمليكنا الحقائق نحن الجيل الذي لم يعايش الثورة من كل مايملك دليل ممن عاصر تلك الفترة...نريد ان نعرف...
من الذي حرق وثائق ومستندات جهاز امن الدولة؟؟؟
هل هو المجلس العسكري الانتقالي؟؟؟
ولماذا لم يتكلم المدعي العام عنها؟؟؟
ومن هم المستفيدون من ذلك؟؟؟
ومن الذي اختار النائب العام واين دور نقابة المحامين في اختياره وخاصة أنها كانت في مقدمة ساحات النضال ضد النظام المايوي؟؟؟
ولماذا تحالفت الأحزاب الطائفية في ابريل مع الحركة الاسلامية ضد الحركة النقابية؟؟؟
وهل بداية الثورة الفعلية كانت هي ابتسامة وثبات الشهيد/ محمود محمد طه وهو يقاد الي المقصلة التي ساهمت في كسر حاجز الخوف لدي الشعب وهب لاقتلاع الدكتاتورية من جذورها .؟؟؟؟
وهل كانت الحكومة الانتقالية مايو .تو ماهو البرهان علي ذلك؟؟؟
ليت ينخرط الكل في المساهمة في التوثيق لهذه الثورة بالاجابة علي هذه الاسئلة وغيرها حتي نتمكن من استخلاص العبر منها ونستفيد من الاخطاء التاريخية في ابريل التي نهشت واطلقنا عليها الرصاص في طفولتها الباكرة وتفرقت ايدي سبا والكل يدعي انه له الشرف في تفجيرها ويدعي البطولات الكاذبة؟؟؟؟؟؟
التحية للشرفاء والشهداء
لمن صنعوا التغيير
ولمن سيصنعون الغد المشرق
الأربعاء، يوليو 15، 2009
معلقة نحن والردي-لصلاح احمد ابراهيم يرثي فيها الشفيع احمد الشيخ
Post #1الشاعر صلاح أحمد إبراهيم wroteon February 25, 2009 at 9:08pm
ا ذكيََّ العودِ بالمطرقةِ الصمّّاءِ والفأسِ تشظّى
وبنيرانٍ لها ألفُُ لسانٍ قد تلظّى
ضُُعْْ على ضوئِك في الناس اصطباراً ومآثْر
مثلما ضُُوََّّعََ في الأهوال صبََراً آلُ "ياسر"
فلئن كنتََ كما أنتََ عبِقْْ
فاحترقْْ!
***
يا منايا حوّّمي حول الحمى واستعرضينا وأصْْطَفي
كلّ سمح النفس، بسّّامِ العشياتِ الوفي
الحليمََ، العفِّّ ، كالأنسامِ روحاً وسجايا
أريحيِِّّ الوجه والكفِّّ افتراراً وعطايا
فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي
بضميرٍٍ ككتابِّّ اللهِ طاهرْْ
أنشُُبي الاظفارََ في اكتافِه واختطفي
وأمانُ الله مِنّّا يا منايا..
كلّما اشتقتِ لميمونِ المُُحيّّا ذي البشائْْر
شرّّفي
تجدينا مثلاً في الناس سائرْْ
نقهر الموتََ حياةً ومصائرْْ
***
هذه أجنابنا مكشوفةُ فليرمِ رامي
هذه أكبادُُنا..لُكْْها وزغرد يا حقودْْ
هذه أضلاعُُنا مثلومةُ وهي دوامي
وعلى النُُطع الرؤوس
فاستبدِّّ يافؤوس
وادخلي أبياتنا واحتطبي
وأديري يا منايانا كؤوساً في كؤوسْْ
من دِمانا واشربي
ما الذي أقسى من الموتِ ؟ فهذا قد كََشفْْنا سرّه، وخَبََرنا أمرَه
واستسغْنا مُُرّّه
صدئت آلاتُُه فينا ولا زلنا نُعافرْ
ما جََزِعْنا إن تشهَّانا ولم يرضَ الرحيلْ
فله فينا اغتباقُُ واصطباح ُومََقِيلْ
آخرُ العمرِ، قصيراً أم طويلْ:
كفن ُ من طرفِ السوقِ وشبرُ في المقابرْْ
ما علينا .. إنْ يكن حزناً فللحزنِ ذُبالات ُ مضيئه
أو يكن قصداً بلا معنى فللمرءِ ذهابُ بعد جيئه
أو يكن خِيفةَ مجهولٍ فللخوفِ وقاءُ ُ ودريئه
من يقينٍ ومشيئه
فهََلُمّي يا منايانا جحافلْ
تجدينا لك اندادُُ المحافِلْ
القِرى منا وفينا لكِ ، والديوان حافِل
ولنا صبر ُ على المكروهِ – إن دامََ –جميل
***
هذه أعمالُنا مرقومةُ ُ بالنورِ في ظهرِ مطايا
عبََرت دنيا لأخرى ، تستبقْ
تنتهي عُمراً فعُمرا
ما انحنتْ قاماتُنا من حِمْلِ أثقال الرزايا
فلنا في حَلكِ الأهوالِ مَسْرى
وطُرُق
فإذا جاء الردى كََشّرََ وجهاً مُكْْفهراً
عارضاً فينا بسيفِ دمويّ و دَرََق
ومُصّرا
بيدٍ تحصُدنا لم نُبدِ للموتِ ارتعاداً وفََرقْ
نترك الدنيا وفي ذاكرةِِ الدنيا لنا ذِكرُ ُ وذكرى
من فِعالٍ وخلُق
ولنا إرثُ من الحكمة والحِلم وحُبِ الآخرين
وولاءُ حينما يكذبُ أهليه الأمين
ولنا في خدمة الشعب عَرَق
هكذا نحن ففاخرِْنا ، وقد كان لنا أيضاً سؤال وجواب
ونزوعُُ للذي خلف الحجاب :-
برهةُ ُ من سرمدِ الدهر أقِمنا ومشينا
ما عرفنا بِمَ أوفيمَ أتينا وانتهينا
وخَبْرنا تَفَه الدنيا وما في بَهْرَجِ الدنيا الحقير
عَرَضاً فانٍ لفانين فما نملكه يفلِتُ من بين يدينا
أو ذهبنا دونه حين بَقى
فكلما كان لدينا صار مِلْكاً لسوانا ، وغَرور
لغريرٍ غافلٍ يختالُ في الوهمِ الهويني
في حبورْ
رُبّ من ينهلُ من بحرِ الغُوايات ظَمِي
والذي يملكُ عينينَ ولا لُبّ -عمي
والذي تسحرهُ الدنيا ولم يدرِ المصير
أبلهُُ يمرحُ في القيدِ وفي الحُلمِ يسير
ريثما توقظه السقطةُ في القاعِ ولا يعرفُ أيْنا
كلُ جيلٍ بعده جيلُ ويأتي بعد جيلْ
بَليتْ جِدتُه، مُرتَقِباً في غبطةٍ أو غفلةٍ أو قلقِ
فقعةَ الأمالِ في جيل بديلْ
طالعٍ أو طامعٍ مُستَبِقِ
أمس قد كنا سقاةَ القومِ بالكأس المريرْ
وغداً يحملنا أبناؤنا كي نستقى
فالذي تُخلى له مَضْيَفةُ الدنيا سيُدعى لرحيلْ
حين يبدو قادمُ في الأفق
وكلا الذاهب والقادمُ في دفترها ابنُ سبيلْ
***
كلُّ طفلٍ جاء للدنيا أخي من عدمِ
مشرقُ الوجْنةِ ضحّاك الثنايا والفم
يُسْرجُ الساعاتِ مُهراً لاقتحامِ القممِ
سابحاً في نشوةٍ للهَرَمِ
فإذا صاح به الموتِ أقدمِ
كان فوتُ الموتِ بعضَ المستحيلْ
عجبي من رِمةٍ ترفلُ بين الرممِ
نسيَتُ سوءَ مآلِ الأممِ
وسَعَتْ في باطلٍ عُقباهُ غيرُ الالمِ
ومُطيفِ الندمِ
والسأمِ
غصةُ الموتِ ، وإن مُدَّ لها في فسحةِ العمر قليلْ
فالذي يعقبه القبرُ ، وإن طالَ مَدىً ليس طويلْ
والسؤال الحقُ : ماذا بعدُ ، ماذا بعدُ ؟ ماذا بعدُ في هذا السبيلْ
يرتجيه الآدمي ؟
أإذا مِتنا انتهينا للأبد
غير ما يَمسِكُ دهرُُ أو طبيعهْ
أم بدأنا من جديد
كيف أو أين سؤال هائل لن نستطْيعَه
أفَمَن يذهبُ عنّا سيعودْ
مثلما تزعمُ شيعه
ثم هل عاد أحد؟
أم له في داره الأخرى خُلودْ
بعد أن يسترجَع الله الوديعهْ
بكتابٍ وأمدْ
ضلّ من يبحث في سر الوجود
بالذي أنكر أو فيه اعتقد
فاجعل الموتَ طريقاً للبقاء
وابتغِ الحقَ شريعه
واسلِك الفضلَ وقل يا هؤلاء
خاب قومُ جحدوا الفضل صنيعه
إن للفضل وإن مات ذووه لضياء
ليس يخبو – فأسالوا أهل النهى
رُب ضوءٍ لامعٍ من كوكبٍ- حيث انتهى
ذلك الكوكبُ آلافاً وآلافا سنينا
***
يا رياحَ الموتِ هُبي إن قدرتِ اقتلعينا
اعملي أسياخك الحمراء في الحي شمالا ويمينا
قطّعي مِنا الذؤابات ففي الأرض لنا غاصت جذور
شتتينا ، فلكم عاصفةُ مرّت ولم تَنس أياديها البذور
زمجري حتى يُبحَّ الصوتُ ، حتى يعقبَ الصمت الهدير
اسحقينا وامحقينا
تجدينا.. نحن أقوى منك بأساً ما حيينا
وإذا يبعث فيهم كلَّ ما يبرِقُ فينا
فلنا فيهم نشور
****
طفلنا حدّق في الموتِ ملياً ومِرارا
ألفَ الأحزانَ تأتينا صِغاراً وكبارا
ومَرَى الدمعَ غزيراً ، ورعى النوم غِرارا
ورأى والدَه يخطرُ للموتِ ونعشاً يتوارى
لن يراه مرةً ثانيةً قطُ إِلى يوم الحساب
ذاكِراً عنه حناناً وحديثاً وابتساماتٍ عِذاب
كشموشٍ لا يني يأملُ أن تشرق من بابٍ لباب
كل يوم ولنا في البيت مأتم
وصغير ذُبحت ضحكتُه يومَ تيتم
كلما مَرتْ بِنا داهيةُُُُُُُُُُُ ُ تسألُ عيناه عن الشرِ المُغير
ويرى من حولِه أمراً مريباً وغريباً ورهيباً فيثور
أمه في جَلَدٍ تدعوه أن يَسكَت لكنْ صوتُها فيه اضطراب
واكتئاب.
وهو يدري فعيونُ الأم للإبن كتاب
وهو بالمحنةِ والموتِ الذي جندلنا جدُّ بصير
حلمُه صار حكيماً وهو طفلُُ ُ في سريرْ
فهو يزدادُ بما حاقَ بنا حُزنا وحزْماً ووقارا
وانفعالاً كلما عاثَ بنا دهرُُ وجارا
هكذا يُطرقُ فولاذُ البطولاتِ ويُسقى بالعذابْ
فلهُ في غدهِ يومُُ كبيرْ
يوم أن يَدلجَ في وادي طُويّ يطلبُ نارا
والِجاً هْولاً ، خائضاً نقعاً مُثارا
وغمارا
ضاحكاً في حنكِ الموت على الموت عُتّواً واقتدارا
وقد استل كسيْفٍ بارقٍ جُرحاً عميقاً في الضميرْ
خبّراني ، لهفَ نفسي :
كيف يخشى الموتَ من خاشَنَهُ الموتُ صغيرْ
****
في غدٍ يعرف عنّا القادمون
أيَّ حُبٍ حَمَلْناه لَهُمْ
في غدٍ يحسبُ منهم حاسبون
كم أيادٍ أُسلفت منا لهم
في غدٍ يحكون عن أنّاتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجُرحِ الذي غنّى لهم
كل جُرحٍ في حنايانا يهون
حين يغدو رايةً تبدو لهمْ
جُرحُنا دامٍ ، ونحن الصابرون
حزننا داوٍ ونحن الصامتون
فابطشي ما شئت فينا يا منون
كم فتىً في مكةٍ يشبه حمزة؟
****
بالخشوعِ المحضِ والتقديسِ والحبِ المُقيم
واتّضاعٍ كاملٍ في حضرةِ الروح السماويِّ الكريمْ
التحياتُ لها.
ليتَ لي في الجمرِ والنيران وقفهْ
وأنا أشدوا باشعاري لها
ليتَ لي في الشوكِ والأحجارِ والظُلمه زحْفه
وأنا اسعى بأشواقي لها
ليتَ لي في زمهريرِ الموتِ رجْفه
وأنا ألفظ أنفاسي لها
ليت لي من ألمٍ طاغٍ مَخفّهْ
وأنا أحملُ قرباناٍ لها .. وهديه
فأنادي بإسمها الحلو بلهفهْ
لك يا أمَّ السلام.
والتحية
وجبيبني في الرِّغامْ
التحياتُ الزكياتُ لها ، نفسُُ زكيّه
رسمُها في القلبِ كالروضِ الوسيمْ
صنعتنا من معانيها السنيه
وستبقى منبعَ النورِ العظيم
يا قبوراً في عراء الله ، حسبُ البشرية
إنكم من ذوقِها العالي صميمْ
سنواتٍ عشتموها أينعت
حُفَّلا بالخير والحب الحقيقي
ومضيتُمْ فتركتم أثراً
نَبْشَ إسماعيلِ في القَفْرِ السحيقِ
يا أحبائي ويا نبضَ عروقي
كنتم القدوةَ بالخيرِ الوريق
فاهنأوا ، نحن كما أنتم على ذات الطريق
****
رُبَّ شمسٍ غَرُبتْ والبدرُ عنها يُخبرُ
وزهورُُ تتلاشى وهي في المطر تعيش
نحن أكفاءُ لما مرّ بنا ، بل أكبرُ
تأجُنا الأبقى وتندكّ العروشْ
ولمن ولَّي حديثُُُ ُ يؤثرُ
ا ذكيََّ العودِ بالمطرقةِ الصمّّاءِ والفأسِ تشظّى
وبنيرانٍ لها ألفُُ لسانٍ قد تلظّى
ضُُعْْ على ضوئِك في الناس اصطباراً ومآثْر
مثلما ضُُوََّّعََ في الأهوال صبََراً آلُ "ياسر"
فلئن كنتََ كما أنتََ عبِقْْ
فاحترقْْ!
***
يا منايا حوّّمي حول الحمى واستعرضينا وأصْْطَفي
كلّ سمح النفس، بسّّامِ العشياتِ الوفي
الحليمََ، العفِّّ ، كالأنسامِ روحاً وسجايا
أريحيِِّّ الوجه والكفِّّ افتراراً وعطايا
فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي
بضميرٍٍ ككتابِّّ اللهِ طاهرْْ
أنشُُبي الاظفارََ في اكتافِه واختطفي
وأمانُ الله مِنّّا يا منايا..
كلّما اشتقتِ لميمونِ المُُحيّّا ذي البشائْْر
شرّّفي
تجدينا مثلاً في الناس سائرْْ
نقهر الموتََ حياةً ومصائرْْ
***
هذه أجنابنا مكشوفةُ فليرمِ رامي
هذه أكبادُُنا..لُكْْها وزغرد يا حقودْْ
هذه أضلاعُُنا مثلومةُ وهي دوامي
وعلى النُُطع الرؤوس
فاستبدِّّ يافؤوس
وادخلي أبياتنا واحتطبي
وأديري يا منايانا كؤوساً في كؤوسْْ
من دِمانا واشربي
ما الذي أقسى من الموتِ ؟ فهذا قد كََشفْْنا سرّه، وخَبََرنا أمرَه
واستسغْنا مُُرّّه
صدئت آلاتُُه فينا ولا زلنا نُعافرْ
ما جََزِعْنا إن تشهَّانا ولم يرضَ الرحيلْ
فله فينا اغتباقُُ واصطباح ُومََقِيلْ
آخرُ العمرِ، قصيراً أم طويلْ:
كفن ُ من طرفِ السوقِ وشبرُ في المقابرْْ
ما علينا .. إنْ يكن حزناً فللحزنِ ذُبالات ُ مضيئه
أو يكن قصداً بلا معنى فللمرءِ ذهابُ بعد جيئه
أو يكن خِيفةَ مجهولٍ فللخوفِ وقاءُ ُ ودريئه
من يقينٍ ومشيئه
فهََلُمّي يا منايانا جحافلْ
تجدينا لك اندادُُ المحافِلْ
القِرى منا وفينا لكِ ، والديوان حافِل
ولنا صبر ُ على المكروهِ – إن دامََ –جميل
***
هذه أعمالُنا مرقومةُ ُ بالنورِ في ظهرِ مطايا
عبََرت دنيا لأخرى ، تستبقْ
تنتهي عُمراً فعُمرا
ما انحنتْ قاماتُنا من حِمْلِ أثقال الرزايا
فلنا في حَلكِ الأهوالِ مَسْرى
وطُرُق
فإذا جاء الردى كََشّرََ وجهاً مُكْْفهراً
عارضاً فينا بسيفِ دمويّ و دَرََق
ومُصّرا
بيدٍ تحصُدنا لم نُبدِ للموتِ ارتعاداً وفََرقْ
نترك الدنيا وفي ذاكرةِِ الدنيا لنا ذِكرُ ُ وذكرى
من فِعالٍ وخلُق
ولنا إرثُ من الحكمة والحِلم وحُبِ الآخرين
وولاءُ حينما يكذبُ أهليه الأمين
ولنا في خدمة الشعب عَرَق
هكذا نحن ففاخرِْنا ، وقد كان لنا أيضاً سؤال وجواب
ونزوعُُ للذي خلف الحجاب :-
برهةُ ُ من سرمدِ الدهر أقِمنا ومشينا
ما عرفنا بِمَ أوفيمَ أتينا وانتهينا
وخَبْرنا تَفَه الدنيا وما في بَهْرَجِ الدنيا الحقير
عَرَضاً فانٍ لفانين فما نملكه يفلِتُ من بين يدينا
أو ذهبنا دونه حين بَقى
فكلما كان لدينا صار مِلْكاً لسوانا ، وغَرور
لغريرٍ غافلٍ يختالُ في الوهمِ الهويني
في حبورْ
رُبّ من ينهلُ من بحرِ الغُوايات ظَمِي
والذي يملكُ عينينَ ولا لُبّ -عمي
والذي تسحرهُ الدنيا ولم يدرِ المصير
أبلهُُ يمرحُ في القيدِ وفي الحُلمِ يسير
ريثما توقظه السقطةُ في القاعِ ولا يعرفُ أيْنا
كلُ جيلٍ بعده جيلُ ويأتي بعد جيلْ
بَليتْ جِدتُه، مُرتَقِباً في غبطةٍ أو غفلةٍ أو قلقِ
فقعةَ الأمالِ في جيل بديلْ
طالعٍ أو طامعٍ مُستَبِقِ
أمس قد كنا سقاةَ القومِ بالكأس المريرْ
وغداً يحملنا أبناؤنا كي نستقى
فالذي تُخلى له مَضْيَفةُ الدنيا سيُدعى لرحيلْ
حين يبدو قادمُ في الأفق
وكلا الذاهب والقادمُ في دفترها ابنُ سبيلْ
***
كلُّ طفلٍ جاء للدنيا أخي من عدمِ
مشرقُ الوجْنةِ ضحّاك الثنايا والفم
يُسْرجُ الساعاتِ مُهراً لاقتحامِ القممِ
سابحاً في نشوةٍ للهَرَمِ
فإذا صاح به الموتِ أقدمِ
كان فوتُ الموتِ بعضَ المستحيلْ
عجبي من رِمةٍ ترفلُ بين الرممِ
نسيَتُ سوءَ مآلِ الأممِ
وسَعَتْ في باطلٍ عُقباهُ غيرُ الالمِ
ومُطيفِ الندمِ
والسأمِ
غصةُ الموتِ ، وإن مُدَّ لها في فسحةِ العمر قليلْ
فالذي يعقبه القبرُ ، وإن طالَ مَدىً ليس طويلْ
والسؤال الحقُ : ماذا بعدُ ، ماذا بعدُ ؟ ماذا بعدُ في هذا السبيلْ
يرتجيه الآدمي ؟
أإذا مِتنا انتهينا للأبد
غير ما يَمسِكُ دهرُُ أو طبيعهْ
أم بدأنا من جديد
كيف أو أين سؤال هائل لن نستطْيعَه
أفَمَن يذهبُ عنّا سيعودْ
مثلما تزعمُ شيعه
ثم هل عاد أحد؟
أم له في داره الأخرى خُلودْ
بعد أن يسترجَع الله الوديعهْ
بكتابٍ وأمدْ
ضلّ من يبحث في سر الوجود
بالذي أنكر أو فيه اعتقد
فاجعل الموتَ طريقاً للبقاء
وابتغِ الحقَ شريعه
واسلِك الفضلَ وقل يا هؤلاء
خاب قومُ جحدوا الفضل صنيعه
إن للفضل وإن مات ذووه لضياء
ليس يخبو – فأسالوا أهل النهى
رُب ضوءٍ لامعٍ من كوكبٍ- حيث انتهى
ذلك الكوكبُ آلافاً وآلافا سنينا
***
يا رياحَ الموتِ هُبي إن قدرتِ اقتلعينا
اعملي أسياخك الحمراء في الحي شمالا ويمينا
قطّعي مِنا الذؤابات ففي الأرض لنا غاصت جذور
شتتينا ، فلكم عاصفةُ مرّت ولم تَنس أياديها البذور
زمجري حتى يُبحَّ الصوتُ ، حتى يعقبَ الصمت الهدير
اسحقينا وامحقينا
تجدينا.. نحن أقوى منك بأساً ما حيينا
وإذا يبعث فيهم كلَّ ما يبرِقُ فينا
فلنا فيهم نشور
****
طفلنا حدّق في الموتِ ملياً ومِرارا
ألفَ الأحزانَ تأتينا صِغاراً وكبارا
ومَرَى الدمعَ غزيراً ، ورعى النوم غِرارا
ورأى والدَه يخطرُ للموتِ ونعشاً يتوارى
لن يراه مرةً ثانيةً قطُ إِلى يوم الحساب
ذاكِراً عنه حناناً وحديثاً وابتساماتٍ عِذاب
كشموشٍ لا يني يأملُ أن تشرق من بابٍ لباب
كل يوم ولنا في البيت مأتم
وصغير ذُبحت ضحكتُه يومَ تيتم
كلما مَرتْ بِنا داهيةُُُُُُُُُُُ ُ تسألُ عيناه عن الشرِ المُغير
ويرى من حولِه أمراً مريباً وغريباً ورهيباً فيثور
أمه في جَلَدٍ تدعوه أن يَسكَت لكنْ صوتُها فيه اضطراب
واكتئاب.
وهو يدري فعيونُ الأم للإبن كتاب
وهو بالمحنةِ والموتِ الذي جندلنا جدُّ بصير
حلمُه صار حكيماً وهو طفلُُ ُ في سريرْ
فهو يزدادُ بما حاقَ بنا حُزنا وحزْماً ووقارا
وانفعالاً كلما عاثَ بنا دهرُُ وجارا
هكذا يُطرقُ فولاذُ البطولاتِ ويُسقى بالعذابْ
فلهُ في غدهِ يومُُ كبيرْ
يوم أن يَدلجَ في وادي طُويّ يطلبُ نارا
والِجاً هْولاً ، خائضاً نقعاً مُثارا
وغمارا
ضاحكاً في حنكِ الموت على الموت عُتّواً واقتدارا
وقد استل كسيْفٍ بارقٍ جُرحاً عميقاً في الضميرْ
خبّراني ، لهفَ نفسي :
كيف يخشى الموتَ من خاشَنَهُ الموتُ صغيرْ
****
في غدٍ يعرف عنّا القادمون
أيَّ حُبٍ حَمَلْناه لَهُمْ
في غدٍ يحسبُ منهم حاسبون
كم أيادٍ أُسلفت منا لهم
في غدٍ يحكون عن أنّاتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجُرحِ الذي غنّى لهم
كل جُرحٍ في حنايانا يهون
حين يغدو رايةً تبدو لهمْ
جُرحُنا دامٍ ، ونحن الصابرون
حزننا داوٍ ونحن الصامتون
فابطشي ما شئت فينا يا منون
كم فتىً في مكةٍ يشبه حمزة؟
****
بالخشوعِ المحضِ والتقديسِ والحبِ المُقيم
واتّضاعٍ كاملٍ في حضرةِ الروح السماويِّ الكريمْ
التحياتُ لها.
ليتَ لي في الجمرِ والنيران وقفهْ
وأنا أشدوا باشعاري لها
ليتَ لي في الشوكِ والأحجارِ والظُلمه زحْفه
وأنا اسعى بأشواقي لها
ليتَ لي في زمهريرِ الموتِ رجْفه
وأنا ألفظ أنفاسي لها
ليت لي من ألمٍ طاغٍ مَخفّهْ
وأنا أحملُ قرباناٍ لها .. وهديه
فأنادي بإسمها الحلو بلهفهْ
لك يا أمَّ السلام.
والتحية
وجبيبني في الرِّغامْ
التحياتُ الزكياتُ لها ، نفسُُ زكيّه
رسمُها في القلبِ كالروضِ الوسيمْ
صنعتنا من معانيها السنيه
وستبقى منبعَ النورِ العظيم
يا قبوراً في عراء الله ، حسبُ البشرية
إنكم من ذوقِها العالي صميمْ
سنواتٍ عشتموها أينعت
حُفَّلا بالخير والحب الحقيقي
ومضيتُمْ فتركتم أثراً
نَبْشَ إسماعيلِ في القَفْرِ السحيقِ
يا أحبائي ويا نبضَ عروقي
كنتم القدوةَ بالخيرِ الوريق
فاهنأوا ، نحن كما أنتم على ذات الطريق
****
رُبَّ شمسٍ غَرُبتْ والبدرُ عنها يُخبرُ
وزهورُُ تتلاشى وهي في المطر تعيش
نحن أكفاءُ لما مرّ بنا ، بل أكبرُ
تأجُنا الأبقى وتندكّ العروشْ
ولمن ولَّي حديثُُُ ُ يؤثرُ
مصَابٌ وحَزن
قصيدة الدكتور عبد الله الطيب
قد شجانى مصابه محمود مارق قيل، وهو عندى شـهـيد
وطنيّ مجــــــاهد وأديــب منشئٌ، فى بيـانه تجـويد
وخطـيـبٌ مـؤثر ولــديـه سرعـة الـرّد والذكاء الفريـد
وجرئ، وشخـصـــه جـذّاب ولدى الجــد، فالشــجـاع النجيد
ذاق سجن المستعمرين قديماً ومضت فى الكفاح منه العقـود
سيق للقتل وهـو شيخ أخو ست وسبعين أو عليها يزيد
لم يراعوا فيه القوانين ظلما فهو قـتلٌ عــمدٌ وجَرمٌ أكيـد
قد سمعنا يوم الخميس من المذياع أن شنقه غدا مشهـود
لم نصدق ما قد سمعناه، قلنا سوف يأتى عفوٌ وهذا وعيد
وإذا بالقرار قـيـل لـنـا نـُفـذ جــلّ المــهـيــمـن المعبود
مـا قضــاه يكـن وما لإمرىء عنه مفـرٌّ ووقـته معــــــدود
وإلـيه نعـنو هو المالك الملك ويقـضـى سـبحـانه ما يريد
كان حكم الإعدام تنفيذه سرا فـهـذا الإشـهـار شئ جديد
ليت إذ أجمعوا على الإثم أخفوه كما اغـتـال خـمـسـةً عـبـود
أى شىء جناه حتى يرى الإعـدام فيه هو الجـزاء الوحيد
لم يجرد سيفا وأصدر منشوراً وهـذا أســلوبه المعـهود
وهو نهج من النضال حضاريٌّ بأمــثـاله السُّراة تسـود
ولقد رام أن يجـدد مـحـمـود فـقـد صـار جـرمــه التجديد
والذى قد قال فقد قيل من قـبل وفـى الـكـتـب مـثـلـه موجود
ولقد يعلمـون أن قضايا الدين فـيـهـا الخـلاف وهـو تليد
زعمـوا أنــه تزندق وارتد وقـالـوا هـو العدو اللّدود
وكأنّا فى عصر محكمة التفتيش هـذا هـو الضــلال البـعــيد
قـتـلـته الأفـكار فى بـلـد الجهل الذى سيطرت عليه الــقـيود
واثقا كان فى الخصومة بالفكر لـو الفـكــر وحده المنشــود
سـبـق النـاس فـى السياسة رأيا حين فيها تفكيرهم مـحـدود
وقد احتج وحده حين لم يُلفَ عن البرلمـان صوتٌ يذود
ذلكم أوّل انقــلاب بلوناه وللشـر مُــبدىء ومعيد
ما سهرنا نحمى مقاعد شورانا فأودى بالبرلمان الجنـود
نحن قوم نعيش فى العالم الثالث وهـو المعـذب المنكــود
فـَتَنَتْنَا حـضــارة الغرب، لا الرفض إنتفعنا به ولا التقليــد
وأحتوتنا عماية من صــراع دائـم للقوى به تـبـديـد
صاح هل نحن مسلمون؟ أرى الإسـلام فينـا كأنه مفقــود
وكأن صار مظهـر الدين لا المَـخْـبَر فينا فاعلم هو المقصـود
فـشــت الآن برجوازية فى الدين من قبل عُلّقتها اليهــود
وتفان على الحطام كأن الدين أركــانه الشـداد النقود
قد أباها المسيح عند الفريسيين إذ قـلبـهم بــها جلمــود
عـلــنــا عـلّـقوه يشنق للجمهور ذاك الـمــفــكــر الصنديــد
أخرجــوه لحتفــه ويــداه خـلــفـه هو مـوثـق مشدود
جعلـوه يرقى به الَّدرج الصاعد نحـو الهــلاك خـطــو وئــيد
كشفوا وجهــه ليُعرف أن هـذا هــو الشخــص عينــه محمود
قرىء الحكم ثم صاح به القاضى ألا مثــلـه اقتلـوه أبيــدوا
كـبـّر الحاضــرون للحـدّ مـثل العيــد إذ جمعـهــم له محشود
وأراهم من ثغره بسمة الساخر والحـبـل فوقـه مـمــدود
وعلى وجهــه صفــاء وإشراق أمـام الردى وديــع جـليد
وإذا بالقضـاء حـُمَّ وهــذا جسمـه طـاح فى الهواء يميد
ثم جــاء الطـبيب يعلن بعد الجـس أن مات ما لحىٍّ خلــود
ثم طارت طـيـارة تحمــل الجثة لم يـُدرَ أىَّ فـجٍ تريــد
قـيـل لــن يقبــروه إذ فارق الملّة هـولٌ يشيب منه الوليـد
يــا لــهــا وصمة على جبهة القطر ســتـبــقى وعارها لا يبيـد
قتلوا الفكـر يوم مقتلـه فالفكــر فيـه مــيـت البـلاد الفقيد
أحضروا صحبه لكى يشهــدوا الإعــدام فيـه وتائبين يعودوا
ذبحـوه أمـام أعينـهم ذبحـا وقالــوا درس لكم فاستفيـدوا
أعــلــنـت قتله الإذاعة من بعـد أمـتـنــاه ذلك النمــرود
أذعــن الناس خاضعـى أرؤس الـذّلـة كـلٌّ فـؤاده مفئـود
أذعـنــوا خاضـعـيــن للجــور والقهـر وكــلٌّ لسانــه معقود
بـقــى الخـوف وحده وتوارت قـيم أمسٍ قد رعتها الجدود
ذهـب الفـضـل والتـسـامـح والعـفـو وجاء الإعــدام والتشــريد
فيــم هـذا الطـغـيان ما هذه الأحــقاد ما هـذه القلوب السود
ما الـذى جــدّ ما الذى جلب القسوة من أين ذا العتـم الشـديد
قد أســأنا إلى الشـريعة والإسلام مـا هـكـذا تقـام الحدود
مـا كـذا سنة النبـى ولا الوحـى الـذى أنـزل الحـكيـم الحـميد
سنة المصطفى هى اللّيـن، هـذى غلظة بــل فــظاظة بل جمود
إن عـنــدى حـرية الرأى أمـر يـقـتضيـه الإيـمـان والتوحيد
لا أحـب التطـرّف المفـرط، الرفـق سبيـل الإســلام لا التشــديد
إننـا نحن مالكيون سنيون حــب النبـى فينـا وطيد
وسـطـور الآيــات قالت عليكم أنفسـاً لا يضـرّكم من يحيـد
وتلـونـا فيهـن آيــة (لا إكراه فـى الـدين) بئس عنها الصدود
جـعـلـوه ضـحـيـة لـم يكـن منه شـروع فى الحـرب أو تهـديد
رب إنـا إليــك نجــأر بالشـكـوى أغـث يا لطيف أنت الودود
حـكمـتـنـا وقـلـدت أمرنا صعلوك قـوم فـغـرّه التـقـلــيـد
طـبـقـات مـن الزعانـف فى الضوء تـَوَارَى وفى الظـلام تـَـرود
دأبـها المـيـن والخـيـانة والغدر وليسـت غير الفسـاد تجـيـد
يصـدر الأمـر كى يوقـعـه جـلـدٌ ثخــين عنـها وحس بليـد
ويـدٌ كـزّة ووجـه بلا مـاء حيـاء وخـبث نفـس عـتـيـد
لـيـس يبغـى إلا البـقــاء ولا يحـفـل والـشــعب جائع مكدود
ينقــض اليــوم كـلّ ما قالـه أمس وفــيـه غــدا بنقـضٍ يعـود
فانـزع المـلك منـه، رب لك الملك وذو العـرش أنت أنت الـمـجــيد
وأذقــه كأسـا بـهـا قد سـقى قـومـاً ولا ينــج الفاسق الرعديد
وهــلاكا له كـمـا هلكـت عــاد وبُـعـداً كمـا أبيــرت ثمود
وعـسـى الله أن يشـاء لنا النصــر وللـظـالم العــذاب الشديد
ولأحــزابـه اللئـام فـكـبـّوا فى مضيـق طريقهـم مسدود
تـتـلـقـاهـم جـهـنـم يصلـون بها ســآء وردها الــمــورود
لا تخيـب دعاءنا ربّ وانصرنا وأنت المولى ونحـن العـبـيـد
وصــلاة عــلـى الـنـبـى وتسليم به نـبـلــغ المـنـى ونزيـد
وعلـى الآل والـصحابــة سادتى وتــغــشـاك رحمـة محمود
فرغ من نظمها يوم 2 مارس 1985
قصيدة الدكتور عبد الله الطيب
قد شجانى مصابه محمود مارق قيل، وهو عندى شـهـيد
وطنيّ مجــــــاهد وأديــب منشئٌ، فى بيـانه تجـويد
وخطـيـبٌ مـؤثر ولــديـه سرعـة الـرّد والذكاء الفريـد
وجرئ، وشخـصـــه جـذّاب ولدى الجــد، فالشــجـاع النجيد
ذاق سجن المستعمرين قديماً ومضت فى الكفاح منه العقـود
سيق للقتل وهـو شيخ أخو ست وسبعين أو عليها يزيد
لم يراعوا فيه القوانين ظلما فهو قـتلٌ عــمدٌ وجَرمٌ أكيـد
قد سمعنا يوم الخميس من المذياع أن شنقه غدا مشهـود
لم نصدق ما قد سمعناه، قلنا سوف يأتى عفوٌ وهذا وعيد
وإذا بالقرار قـيـل لـنـا نـُفـذ جــلّ المــهـيــمـن المعبود
مـا قضــاه يكـن وما لإمرىء عنه مفـرٌّ ووقـته معــــــدود
وإلـيه نعـنو هو المالك الملك ويقـضـى سـبحـانه ما يريد
كان حكم الإعدام تنفيذه سرا فـهـذا الإشـهـار شئ جديد
ليت إذ أجمعوا على الإثم أخفوه كما اغـتـال خـمـسـةً عـبـود
أى شىء جناه حتى يرى الإعـدام فيه هو الجـزاء الوحيد
لم يجرد سيفا وأصدر منشوراً وهـذا أســلوبه المعـهود
وهو نهج من النضال حضاريٌّ بأمــثـاله السُّراة تسـود
ولقد رام أن يجـدد مـحـمـود فـقـد صـار جـرمــه التجديد
والذى قد قال فقد قيل من قـبل وفـى الـكـتـب مـثـلـه موجود
ولقد يعلمـون أن قضايا الدين فـيـهـا الخـلاف وهـو تليد
زعمـوا أنــه تزندق وارتد وقـالـوا هـو العدو اللّدود
وكأنّا فى عصر محكمة التفتيش هـذا هـو الضــلال البـعــيد
قـتـلـته الأفـكار فى بـلـد الجهل الذى سيطرت عليه الــقـيود
واثقا كان فى الخصومة بالفكر لـو الفـكــر وحده المنشــود
سـبـق النـاس فـى السياسة رأيا حين فيها تفكيرهم مـحـدود
وقد احتج وحده حين لم يُلفَ عن البرلمـان صوتٌ يذود
ذلكم أوّل انقــلاب بلوناه وللشـر مُــبدىء ومعيد
ما سهرنا نحمى مقاعد شورانا فأودى بالبرلمان الجنـود
نحن قوم نعيش فى العالم الثالث وهـو المعـذب المنكــود
فـَتَنَتْنَا حـضــارة الغرب، لا الرفض إنتفعنا به ولا التقليــد
وأحتوتنا عماية من صــراع دائـم للقوى به تـبـديـد
صاح هل نحن مسلمون؟ أرى الإسـلام فينـا كأنه مفقــود
وكأن صار مظهـر الدين لا المَـخْـبَر فينا فاعلم هو المقصـود
فـشــت الآن برجوازية فى الدين من قبل عُلّقتها اليهــود
وتفان على الحطام كأن الدين أركــانه الشـداد النقود
قد أباها المسيح عند الفريسيين إذ قـلبـهم بــها جلمــود
عـلــنــا عـلّـقوه يشنق للجمهور ذاك الـمــفــكــر الصنديــد
أخرجــوه لحتفــه ويــداه خـلــفـه هو مـوثـق مشدود
جعلـوه يرقى به الَّدرج الصاعد نحـو الهــلاك خـطــو وئــيد
كشفوا وجهــه ليُعرف أن هـذا هــو الشخــص عينــه محمود
قرىء الحكم ثم صاح به القاضى ألا مثــلـه اقتلـوه أبيــدوا
كـبـّر الحاضــرون للحـدّ مـثل العيــد إذ جمعـهــم له محشود
وأراهم من ثغره بسمة الساخر والحـبـل فوقـه مـمــدود
وعلى وجهــه صفــاء وإشراق أمـام الردى وديــع جـليد
وإذا بالقضـاء حـُمَّ وهــذا جسمـه طـاح فى الهواء يميد
ثم جــاء الطـبيب يعلن بعد الجـس أن مات ما لحىٍّ خلــود
ثم طارت طـيـارة تحمــل الجثة لم يـُدرَ أىَّ فـجٍ تريــد
قـيـل لــن يقبــروه إذ فارق الملّة هـولٌ يشيب منه الوليـد
يــا لــهــا وصمة على جبهة القطر ســتـبــقى وعارها لا يبيـد
قتلوا الفكـر يوم مقتلـه فالفكــر فيـه مــيـت البـلاد الفقيد
أحضروا صحبه لكى يشهــدوا الإعــدام فيـه وتائبين يعودوا
ذبحـوه أمـام أعينـهم ذبحـا وقالــوا درس لكم فاستفيـدوا
أعــلــنـت قتله الإذاعة من بعـد أمـتـنــاه ذلك النمــرود
أذعــن الناس خاضعـى أرؤس الـذّلـة كـلٌّ فـؤاده مفئـود
أذعـنــوا خاضـعـيــن للجــور والقهـر وكــلٌّ لسانــه معقود
بـقــى الخـوف وحده وتوارت قـيم أمسٍ قد رعتها الجدود
ذهـب الفـضـل والتـسـامـح والعـفـو وجاء الإعــدام والتشــريد
فيــم هـذا الطـغـيان ما هذه الأحــقاد ما هـذه القلوب السود
ما الـذى جــدّ ما الذى جلب القسوة من أين ذا العتـم الشـديد
قد أســأنا إلى الشـريعة والإسلام مـا هـكـذا تقـام الحدود
مـا كـذا سنة النبـى ولا الوحـى الـذى أنـزل الحـكيـم الحـميد
سنة المصطفى هى اللّيـن، هـذى غلظة بــل فــظاظة بل جمود
إن عـنــدى حـرية الرأى أمـر يـقـتضيـه الإيـمـان والتوحيد
لا أحـب التطـرّف المفـرط، الرفـق سبيـل الإســلام لا التشــديد
إننـا نحن مالكيون سنيون حــب النبـى فينـا وطيد
وسـطـور الآيــات قالت عليكم أنفسـاً لا يضـرّكم من يحيـد
وتلـونـا فيهـن آيــة (لا إكراه فـى الـدين) بئس عنها الصدود
جـعـلـوه ضـحـيـة لـم يكـن منه شـروع فى الحـرب أو تهـديد
رب إنـا إليــك نجــأر بالشـكـوى أغـث يا لطيف أنت الودود
حـكمـتـنـا وقـلـدت أمرنا صعلوك قـوم فـغـرّه التـقـلــيـد
طـبـقـات مـن الزعانـف فى الضوء تـَوَارَى وفى الظـلام تـَـرود
دأبـها المـيـن والخـيـانة والغدر وليسـت غير الفسـاد تجـيـد
يصـدر الأمـر كى يوقـعـه جـلـدٌ ثخــين عنـها وحس بليـد
ويـدٌ كـزّة ووجـه بلا مـاء حيـاء وخـبث نفـس عـتـيـد
لـيـس يبغـى إلا البـقــاء ولا يحـفـل والـشــعب جائع مكدود
ينقــض اليــوم كـلّ ما قالـه أمس وفــيـه غــدا بنقـضٍ يعـود
فانـزع المـلك منـه، رب لك الملك وذو العـرش أنت أنت الـمـجــيد
وأذقــه كأسـا بـهـا قد سـقى قـومـاً ولا ينــج الفاسق الرعديد
وهــلاكا له كـمـا هلكـت عــاد وبُـعـداً كمـا أبيــرت ثمود
وعـسـى الله أن يشـاء لنا النصــر وللـظـالم العــذاب الشديد
ولأحــزابـه اللئـام فـكـبـّوا فى مضيـق طريقهـم مسدود
تـتـلـقـاهـم جـهـنـم يصلـون بها ســآء وردها الــمــورود
لا تخيـب دعاءنا ربّ وانصرنا وأنت المولى ونحـن العـبـيـد
وصــلاة عــلـى الـنـبـى وتسليم به نـبـلــغ المـنـى ونزيـد
وعلـى الآل والـصحابــة سادتى وتــغــشـاك رحمـة محمود
فرغ من نظمها يوم 2 مارس 1985
طالب يذكر طرائف من مناقب شيخه
العلامة عبد الله الطيب
أ.د. جعفر شيخ إدريس
غرة جمادى الأولى 1424 هـ
30 يوليو 2003 م
هذه ذكريات عن شيخنا الراحل الأستاذ عبد الله الطيب غفر الله له وأحسن مثواه، أضيفها إلي ذكريات غيري من طلابه الكثر المحبين المعجبين عسى أن تكون كلها مادة يرجع إليها من يكتب سيرته وينشر بين الناس فضله. وهي ذكريات في أمور شتى لا تخلو من طرافة أرسلها بغير تكلف كأنها (ونسة) في أحد مجالسه العامرة. وغني عن القول بأنني إذا ما رويت عنه كلاما فلا أذكره بألفاظه نفسها كلها (أنى لي ذلك وقد طال العهد؟) وإنما أذكر فحواه وبعض ألفاظه.
أول ما يخطر بالبال تعليق الدكتور طه حسين على ديوانه أصداء النيل، ذلك الثناء العاطر من عميد الأدب العربي على ديوان شاب سوداني غير مشهور ثناء قرأه مئات الأدباء في العالم العربي وعجبوا له. أثنى الدكتور طه على الديوان لكنه أخذ على صاحبه استعماله لبعض الكلمات الغريبة بل الحوشية، لكن السودانيين ضحكوا كثيرا عندما رأوا قائمتها: كانت كلمات معروفة في العامية السودانية أذكر منها الآن كلمة الطخا بمعنى السحاب التي ينطقها أهلنا التخا على عادتهم في استثقال الطاء في بعض الكلمات وتحويلها إلى تاء كقولهم بتيخ بدلا عن بطيخ. كما قال ود الماحي في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (ضلتو _ يعني أظلته _ التخايي.
لست أدري لماذا شاعت في عاميتنا أمثال هذه الكلمات التي كانت تعد فعلا من الألفاظ الحوشية حتي قال الشاعر:
إنما الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعلطبيس
لغة تنفر المسامع منها حين تروى وتشمئز النفوس
لكن لعل الذي أغرى شيخنا باستعمال هذه الألفاظ أنه كان له اهتمام عجيب بالعامية السودانية ومعرفة مفرداتها وتراكيبها، وكان يرى أن لغة القرى أثرى وأفصح من اللغة التي اعتادها أهل المدن وكان يضرب لذلك مثلا بقول الناس في القرى سمح وزين وقولهم في المدن كويس لا يزيدون عليها. وقد ظهر اتقانه للعامية السودانية في تفسيره المشهور للقرآن الكريم الذي كان المواطنون في شتى أنحاء القطر يلتفون حول المذياع للاستمتاع بالسماع إليه.
أما العربية الفصيحة فقد كان ابن بجدتها ومالك ناصيتها لا تكاد تخفى عن علمه مفردة من مفرداتها، ولا عن حفظه قصيدة ولا نظم من نظمها، ولا عن اطلاعه أو دراسته كتاب مهم من كتبها. حدثني الصديق الدكتور مالك بدري أن شيخنا ألقى محاضرة في بيروت فاستشهد فيها بالعشرات من أبيات الشعر من ذاكرته حتى إن أحد أساتذة اللغة بالجامعة الأمريكية ـ( أظنه قال إنه الدكتور إحسان عباس) ـ قال مازحا: ما ذا نقول لطلابنا غدا؟ هل نقول لهم إننا مثله أساتذة لغة عربية؟
تحولت العربية الفصيحة عنده إلى ما يشبه السليقة فكان إذا حاضر بها في القاعة يتكلمها كلاما لا تكلف فيه حتى إنك لتظن أنه إنما كان يتكلم بالعامية إلى أن ترجع إلى ما كتبته عنه لتجده عربيا فصيحا. وكان إذا ألقى القصيدة من الشعر العربي ـ حتى الجاهلي منه العصي الفهم ألقاها بطريقة يطرب لها المستمعون، وكان طلاب الجامعة كثيرا ما يعبرون عن إعجابهم بالتصفيق الشديد حين يستمعون إليه ينشد بعضها في المناسبات العامة.
درسنا عليه في السنة الثانية من كلية الآداب عدة قصائد من كتاب المفضليات ولا زلت أذكر شرحه الممتع لإحدى القصائد الصعبة التي أشار إليها الصديق الدكتور الحبر نور الدايم في مقاله الماتع عن شيخه الذي كانت صلته الأدبية به أوثق من صلتنا لما يجمعه وإياه من حب العربية وإتقانها وبراعته في شعرها. تلك هي قصيدة المرار بن منقذ في وصف فرسه. التي من أبياتها:
ببعيد قدره ذي عذر صلتان من بنات المنكدر
سائل شمراخه ذي جبب سلك السنبك في رسغ عجر
قارح قد فر عنه جانب ورباع جانب لم يتغر
فهو ورد اللون في ازبئراره وكميت اللون ما لم يزبئر
...
شندف أشدف ما ورعته فإذا طؤطئ طيار طمر
استعنت على تذكر مفرداتها ــ من باب الطرفة ــ برسمة أسميتها حصان المرار. تشير الأسهم فيها إلى أوصاف الحصان بتلك الكلمات الواردة في القصيدة، فكانت كأنها درس في علم الأحياء، وكان بعض الأصدقاء يستعيرها للمذاكرة. والغريب أن أستاذنا العلامة لم يكن يعرف معاني هذه الكلمات النادرة بالعربية فحسب، بل كان يعرف ترجماتها الانجليزية، تلك اللغة التي كان متقنا لها مطلعا على آدابها والتي كانت له فيها نظرات ومقارنات بينها وبين العربية. منها ملاحظته لكثرة ما في قصائد شكسبير من تشبيهات وتعبيرات يقول إنها شديدة الشبه بما في الأدب العربي وأنه لا مثيل لها أصلا في الأدب الانجليزي. لم يكن شيخنا بالطبع من مؤيدي نظرية شيخ الزبير التي تقول إنه الاسم الحقيقي لشكسبير.
كان شيخنا علامة النحو العربي الذي لا يشق له غبار. كان مفتونا بالكتاب لسيبويه يقرؤه كالورد اليومي كلما ختمه بدأه، حتى رأيته يحمله معه ويقرؤهـ في المسجد الحرام تبركا به! اذكر أنه كان يقرأ في طبعة قديمة فقلت له هنالك طبعة جديدة بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون كنت قد اطلعت عليها لأمر يتعلق بالفلسفة، لكنه أعرض عن كلامي وقال إنه يفضل الطبعات القديمة ويراها مباركة، وكان هذا ديدنه فعلا مع كل الكتب العربية فكان لا يقرأ من تفسير الإمام الطبري مثلا إلا طبعة بولاق ويراها مباركة. شهد لبراعة شيخنا في فهم الكتاب لسيبويه علماء كثر من خارج السودان, حدثني صديق سعودي هو الدكتور تركي العتيبي أستاذ علم النحو بجامعة الإمام فقال إن شيخنا جاءهم استاذا زائرا ،وقال:
كنت أعمل في رسالتي الماجستير عن أحد نحويي الكوفة المتقدمين، ومن خلال الدراسة اعترضتني نصوص مشكلة في الكتاب لسيبويه راجعتها في الشروح فلم أظفر بطائل ... ... فلما جاء د. عبد الله الطيب رحمه الله تعالى .. ... عرضت عليه هذه النصوص فأفادني في بعضها إفادات رائعة دونتها في نسختي، وعرضت قوله على شيخي عظيمة فاستحسنه وسر به. وكان د. الطيب أقرأ المعاصرين لكتاب سيبويه.
وكما كان شيخنا محبا للعربية وعلومها كان أيضا محبا لأهلها من الأحياء والأموات. من ذلك أنه كان شديد الإعجاب بتلميذه صديقنا الدكتور جعفر ميرغني.. جاء ذكر جعفر في أحد اجتماعات مجلس الكلية لست أذكر الآن مناسبته، فقال عنه شيخه إنه لولا التقيد باللوائح لعينته الآن محاضرا (وهو الذي يسمى في صطلاح الجامعات العربية استاذا مساعدا) ثم قال عنه كلمة أحرجت بعض أساتذة اللغة العربية، قال إنه الآن ـ وكان قد تخرج لتوه ـ أعلم من بعض الأساتذة!
وكان الأستاذ يضيق فعلا بشكليات اللوائح. كان هنالك عالم قراءات مصري نال إعجابه فعينه أستاذا مساعدا بالجامعة رغم أنه لم تكن له شهادة دكتوراة. قال لي إن كل كتاب من كتب هذا الرجل يساوي دكتوراة. وتعيين الدكتور عبد الله للرجل حل له مشكلة كبيرة، فقد بدأت الجامعات الاخرى ـ حتى المصرية منها ـ تقبله أستاذا بناء على أنه كان كذلك بجامعة الخرطوم حسب ما يقتضي الاتفاق بين الجامعات العربية. وحدثني ذات مرة أنه ذهب إلى مصر فوجد العلماء الحقيقيين هم الذين لا يحملون هذه الألقاب العلمية من دكتور وأستاذ وغيرها! وقد وجدت مثل هذا الموقف من الألقاب عند غير شيخنا من كثير من العلماء الراسخين في علومهم على اختلافها. فما الدكتوراة عندهم إلا شهادة كالشهادات الابتدائية أو الثانوية أو الجامعية ينالها المرء ثم يتخطاها فلا يفخر بها ولا على التسمي بها. إنما يفعل ذلك بعض الضعفاء الذين يحاولون التزيي بها _ حتى لو لم يكونوا قد نالوها حقيقة _ باعتبارها حلية اجتماعية. وما مثلهم في ذلك إلا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ""المتشبع بما لم يعط .كلابس ثوبي زور" (رواه البخاري)
قرأت وأنا بالقاهرة سنة أربع وخمسين ميلادية مقالا للأستاذ العقاد يرد فيه على نقد انتقده إياه شيخنا، وكان ردا فيه بعض الحدة. لكنني سررت عندما لمست من أستاذنا بعد سنين عدة أن ذلك لم يفسد العلاقة بينهما، بل عبر لي عن إعجابه الشديد بثقافة العقاد الموسوعية. قال انهم استمعوا في مجمع اللغة إلى محاضرة لأحد المختصين بعلم الجيولوجيا ذكر فيها عن بعض الصخور أنها تكون كذا وكذا من الألوان، فسأله العقاد ( وحكي دكتور عبد الله صوته في إعجاب) ألا تكون كذا أيضا (وذكر لونا نسيته الآن). فأجابه المختص بأنها لا تكون كذلك. لكن العقاد جاء إلى جلسة المساء وهو يتأبط مرجعه الذي يثبت صحة ما قال!
ولم تكن العربية عند علامتها الطيب مجرد فن يتذوقه أو لسان يعبر به، بل كانت كالمرجع الذي يهتدي به في كثير من شؤون حياته. لعل صديقنا الدكتور إبراهيم الحادرلو يذكر كيف أنه أمتعنا في يوم قضيناه معه في تجوال في مدينة برايتون الانجليزية، كيف أنه كان كلما ذكر زعيما سودانيا أو أمرا سياسيا قال فيه رأيا ثم أتبعه مستشهدا بما يعرف من شعر العرب ونثرها وأخبارها، وكانت استشهادات في غاية الطرافة لولا الحياء لذكرت بعضها.
وكم كان يحزنه زهد الناس في العناية بالعربية، وكان كثيرا ما يقول آسفا إن بعض المثقفين عندنا يودون أن لو كان لسانهم انجليزيا لا عربيا. وإنني لأذكر هذا التعليق كلما زرت الخرطوم فوجدت ازديادا – حتى في الأحياء الشعبية -- في نسبة اللافتات المكتوبة بالانجليزية أو المكتوبة كلماتها الأجنبية بحرروف عربية لا يفهم المواطنون منها شيئا
كان شيخنا معنيا في دراسته بالجودة لا الكثرة، كان ينتقي من كل علم في غير اختصاصه كتابا يقرؤه عدة مرات وييجيد فهمه. من ذلك أنه كان يكرر قراءة كتاب برتراند رسل في تاريخ الفلسفة الغربية، وكتاب توينبي المسمى دراسة للتاريخ، وهكذا. وكان كثير القراءة لتفسير الجلالين حتى إنه ليكاد يحفظه.. وقد وجدت هذا أيضا منهج شيخنا الشيخ عبد العزير بن باز علامة عصرنا في علوم الشرع. قال لي تلاميذه إنه قرأ صحيح مسلم بشرح النووي ستين مرة! وأنه قرأ البداية والنهاية ست مرات، وهكذا. وحسبك بمرة من مرات ابن باز ؛ إنها تساوي مرارا من مرات غيره.
كان يعرف عن نفسه أن العربية طبعه حتى قال لي ذات يوم ونحن نتكلم عن الفلسفة إنه درس بعض مقرراتها أثناء عهد الطلب ببريطانيا، وأنه جودها لدرجة أن الاستاذ اقترح عليه أن يختص يها. قال لكنني قلت لنفسي الطبع ولا التطبع.
وعلى ذكر الفلسفة، دخل علي الأستاذ ذات يوم في مكتبي وهو عميد لكلية الآداب ليسألني: أليس لك الآن محاضرة في القاعة الفلانية؟ استنكرت أن يأتي عميد الكلية ليحاسبني في مكتبي على عدم الذهاب لمحاضرة، فما هكذا يعامل الأساتذة بجامعة الخرطوم. قلت ـ ولا بد أنه رأى آثار الانكار على وجهي "بلى ولكنني نسيت بسبب انشغالي بهذا البحث" فابتسم وقال "الآن صرت استاذا" فانطلقت أسارير وجهي وابتسمت وقلت " لماذا؟" قال لأن الاستاذ الحق هو الذي تشغله بحوثه عن أموره الأخرى". ثم شرح لي أنه إنما جاء ليستشيرني في مسألة فلسفية أشكلت عليه هو طلابه. كان هذا من تواضعه الجم الذي لم يكن يتكلفه. أبدا. وكان من تواضعه وكرمه أنه كثيرا ما يدعو طلابه إلى منزله ثم يطلب من الشعراء منهم أن يباروه قي تأليف قصيدة في موضوع يختاره. أدكر أن هذا حدث مع الصديقين عمر عباس عجبنا زعيم الطلاب وخطيبهم المفوه أكرم الله نزله، والدكتور ناصر السيد شاعرهم المطبوع أطال الله عمره في طاعته.
وإذا كان مثل غفلتي تلك عن المحاضرة من السمات اللازمة للأستاذية فقد كان هو صاحبها الذي لا يبارى. كان يقطع التذكرة من تذاكر قطار لندن التحت الأرض ليذهب إلى إحدى المحطات فيغفل عن النزول بها ويتجاوزها بمحاط كثيرة لانشغاله بشيء يقرؤه أو يفكر فيه. دخلت عليه في مكتبه ذات يوم وكان قد فرغ لتوه من اجتماع مع رؤساء الأقسام فيما أظن، فوجدتهم جيمعا يضحكون، فلما سألت أخبرني أحدهم بأنه حدث بين العميد وأحد الأعضاء خلاف وأن العميد غضب وانتهر العضو قائلا "ياجرزلدا ..." فانفجر الناس ضاحكين وضحك هو وانتهت المشكلة بفضل ذكر اسم الزوجة الحبيبة!
زلت منه مرة كلمة عن محمود محمد طه حاسبه عليها بعض إخواننا حسابا عسيرا، لكنني أشهد أن الرجل لم يكن محبا لمحمود، ولم يكن من أنصاره، لكنه قال ما قال بسبب السياسة التي لم يكن ذا باع فيها. قال لي ذات مرة إنه لا يحب محمودا لأنه لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان يقول لنا تشجيعا على نقدنا لمحمود أنتم وحدكم الذين تستطيعون نقده، ويعنى بأنتم نحن أصحاب التوجه السني. قلت لماذا؟ قال لأن هؤلاء الشيوخ الذين يهاجمهم ينسبون إلى بعض شيوخ الصوفية ما يدعي محمود لنفسه، فهم لا ينكرون أن يصل الإنسان مثلا وصولا يرفع عنه أحكام العبادات والحلال والحرام، لكنهم ينكرون أن يكون محمود قد وصل إلى هذه الدرجة. وعلى ذكر محمود، دخلت عليه ذات يوم في مكتبه فحكى لي قصة طريفة. قال إنه كان معه قبل قليل أحد القساوسة (ذكر لي بلده الأوربي لكنني نسيته) وأنه أخبره أنه جاء ليتشرف بزيارته ويتحدث إليه. قال الدكتور عبد الله فقلت له لست أنا الذي تريد. إنك تريد رجلا آخر اسمه محمود محمد طه وعرفته من هو. قال فاعترف بأن محمودا كان طلبته لا عبد الله الطيب. قلت لشيخنا لكن كيف عرفت أنه إنما يريد محمودا ولا يريدك أنت؟ قال ما ذا يبتغي قس أوربي عند رجل همه اللغة العربية وهم لا يحبونها ولا أهلها؛ إنه يريد هذا الذي يقول ما يرضيهم. وتصديقا لكلام شيخنا التقيت أنا في الرياض بقس كبير من علمائهم كنت قد قرأت بعض أجزاء من كتاب له عن وجود الخالق مترجما إلى الانجليزية، سر لما أخبرته بذلك، فلما عرف أنني سوداني كان أول ما سألني عن محمود محمد طه، فأجبته بكلمة صعق لها. قلت: هذا ليس مسلما!
كان مما أعجب له في شيخنا أنه مع معرفته الواسعة بالعربية وعلومها والتفسير والتاريخ إلا أنه كان في باب الفقه مالكيا مقلدا تقليد العوام، بل كانت حججه لتسويغ هذا التقليد هي حجج العوام. لكنني عرفت السر في ذلك بكلام قاله لي هو عن نفسه في إحدى زياراته للرياض. كان يقرأ في كتاب المسند للإمام أحمد فاعترف بأنه كان مقصرا في اهتمامه بعلم الحديث، وأنه بدأ الآن يتدارك ذلك، فسررت لذلك أيما سرور.
لقد كان شيخنا فخر السودانيين يعتز به شبابهم ويحتفلون به ويكرمونه حيثما حل في بلد يسكنونه. رأيناهم يكرمونه في المدن البريطانية، والأمريكية، والبلاد العربية وسمعنا عن تكريمهم له في غيرها.
هذا بعض ما جادت به عن شيخه ذاكرة طالب تجاوز السبعين، أرجو ممن يطلع عليها ممن يعرف ما لا أعرف عن بعض ما ذكرت أن لا يتردد في تصويبها. فمعاذ الله أن نظن بأنفسنا عدم الخطأ أو ان نستنكف عن التصويب. تلك جوانب من حسنات الفقيد غفر الله لنا وله ذنوبنا وتقصيرنا وإساءتنا، ورحمنا وإياه رحمة واسعة، وجزاه الله خيرا كثيرا على اهتمامه بلغة الكتاب العزير والرسول الكريم وعمله على نشرها والانتصار لها
.
العلامة عبد الله الطيب
أ.د. جعفر شيخ إدريس
غرة جمادى الأولى 1424 هـ
30 يوليو 2003 م
هذه ذكريات عن شيخنا الراحل الأستاذ عبد الله الطيب غفر الله له وأحسن مثواه، أضيفها إلي ذكريات غيري من طلابه الكثر المحبين المعجبين عسى أن تكون كلها مادة يرجع إليها من يكتب سيرته وينشر بين الناس فضله. وهي ذكريات في أمور شتى لا تخلو من طرافة أرسلها بغير تكلف كأنها (ونسة) في أحد مجالسه العامرة. وغني عن القول بأنني إذا ما رويت عنه كلاما فلا أذكره بألفاظه نفسها كلها (أنى لي ذلك وقد طال العهد؟) وإنما أذكر فحواه وبعض ألفاظه.
أول ما يخطر بالبال تعليق الدكتور طه حسين على ديوانه أصداء النيل، ذلك الثناء العاطر من عميد الأدب العربي على ديوان شاب سوداني غير مشهور ثناء قرأه مئات الأدباء في العالم العربي وعجبوا له. أثنى الدكتور طه على الديوان لكنه أخذ على صاحبه استعماله لبعض الكلمات الغريبة بل الحوشية، لكن السودانيين ضحكوا كثيرا عندما رأوا قائمتها: كانت كلمات معروفة في العامية السودانية أذكر منها الآن كلمة الطخا بمعنى السحاب التي ينطقها أهلنا التخا على عادتهم في استثقال الطاء في بعض الكلمات وتحويلها إلى تاء كقولهم بتيخ بدلا عن بطيخ. كما قال ود الماحي في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (ضلتو _ يعني أظلته _ التخايي.
لست أدري لماذا شاعت في عاميتنا أمثال هذه الكلمات التي كانت تعد فعلا من الألفاظ الحوشية حتي قال الشاعر:
إنما الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعلطبيس
لغة تنفر المسامع منها حين تروى وتشمئز النفوس
لكن لعل الذي أغرى شيخنا باستعمال هذه الألفاظ أنه كان له اهتمام عجيب بالعامية السودانية ومعرفة مفرداتها وتراكيبها، وكان يرى أن لغة القرى أثرى وأفصح من اللغة التي اعتادها أهل المدن وكان يضرب لذلك مثلا بقول الناس في القرى سمح وزين وقولهم في المدن كويس لا يزيدون عليها. وقد ظهر اتقانه للعامية السودانية في تفسيره المشهور للقرآن الكريم الذي كان المواطنون في شتى أنحاء القطر يلتفون حول المذياع للاستمتاع بالسماع إليه.
أما العربية الفصيحة فقد كان ابن بجدتها ومالك ناصيتها لا تكاد تخفى عن علمه مفردة من مفرداتها، ولا عن حفظه قصيدة ولا نظم من نظمها، ولا عن اطلاعه أو دراسته كتاب مهم من كتبها. حدثني الصديق الدكتور مالك بدري أن شيخنا ألقى محاضرة في بيروت فاستشهد فيها بالعشرات من أبيات الشعر من ذاكرته حتى إن أحد أساتذة اللغة بالجامعة الأمريكية ـ( أظنه قال إنه الدكتور إحسان عباس) ـ قال مازحا: ما ذا نقول لطلابنا غدا؟ هل نقول لهم إننا مثله أساتذة لغة عربية؟
تحولت العربية الفصيحة عنده إلى ما يشبه السليقة فكان إذا حاضر بها في القاعة يتكلمها كلاما لا تكلف فيه حتى إنك لتظن أنه إنما كان يتكلم بالعامية إلى أن ترجع إلى ما كتبته عنه لتجده عربيا فصيحا. وكان إذا ألقى القصيدة من الشعر العربي ـ حتى الجاهلي منه العصي الفهم ألقاها بطريقة يطرب لها المستمعون، وكان طلاب الجامعة كثيرا ما يعبرون عن إعجابهم بالتصفيق الشديد حين يستمعون إليه ينشد بعضها في المناسبات العامة.
درسنا عليه في السنة الثانية من كلية الآداب عدة قصائد من كتاب المفضليات ولا زلت أذكر شرحه الممتع لإحدى القصائد الصعبة التي أشار إليها الصديق الدكتور الحبر نور الدايم في مقاله الماتع عن شيخه الذي كانت صلته الأدبية به أوثق من صلتنا لما يجمعه وإياه من حب العربية وإتقانها وبراعته في شعرها. تلك هي قصيدة المرار بن منقذ في وصف فرسه. التي من أبياتها:
ببعيد قدره ذي عذر صلتان من بنات المنكدر
سائل شمراخه ذي جبب سلك السنبك في رسغ عجر
قارح قد فر عنه جانب ورباع جانب لم يتغر
فهو ورد اللون في ازبئراره وكميت اللون ما لم يزبئر
...
شندف أشدف ما ورعته فإذا طؤطئ طيار طمر
استعنت على تذكر مفرداتها ــ من باب الطرفة ــ برسمة أسميتها حصان المرار. تشير الأسهم فيها إلى أوصاف الحصان بتلك الكلمات الواردة في القصيدة، فكانت كأنها درس في علم الأحياء، وكان بعض الأصدقاء يستعيرها للمذاكرة. والغريب أن أستاذنا العلامة لم يكن يعرف معاني هذه الكلمات النادرة بالعربية فحسب، بل كان يعرف ترجماتها الانجليزية، تلك اللغة التي كان متقنا لها مطلعا على آدابها والتي كانت له فيها نظرات ومقارنات بينها وبين العربية. منها ملاحظته لكثرة ما في قصائد شكسبير من تشبيهات وتعبيرات يقول إنها شديدة الشبه بما في الأدب العربي وأنه لا مثيل لها أصلا في الأدب الانجليزي. لم يكن شيخنا بالطبع من مؤيدي نظرية شيخ الزبير التي تقول إنه الاسم الحقيقي لشكسبير.
كان شيخنا علامة النحو العربي الذي لا يشق له غبار. كان مفتونا بالكتاب لسيبويه يقرؤه كالورد اليومي كلما ختمه بدأه، حتى رأيته يحمله معه ويقرؤهـ في المسجد الحرام تبركا به! اذكر أنه كان يقرأ في طبعة قديمة فقلت له هنالك طبعة جديدة بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون كنت قد اطلعت عليها لأمر يتعلق بالفلسفة، لكنه أعرض عن كلامي وقال إنه يفضل الطبعات القديمة ويراها مباركة، وكان هذا ديدنه فعلا مع كل الكتب العربية فكان لا يقرأ من تفسير الإمام الطبري مثلا إلا طبعة بولاق ويراها مباركة. شهد لبراعة شيخنا في فهم الكتاب لسيبويه علماء كثر من خارج السودان, حدثني صديق سعودي هو الدكتور تركي العتيبي أستاذ علم النحو بجامعة الإمام فقال إن شيخنا جاءهم استاذا زائرا ،وقال:
كنت أعمل في رسالتي الماجستير عن أحد نحويي الكوفة المتقدمين، ومن خلال الدراسة اعترضتني نصوص مشكلة في الكتاب لسيبويه راجعتها في الشروح فلم أظفر بطائل ... ... فلما جاء د. عبد الله الطيب رحمه الله تعالى .. ... عرضت عليه هذه النصوص فأفادني في بعضها إفادات رائعة دونتها في نسختي، وعرضت قوله على شيخي عظيمة فاستحسنه وسر به. وكان د. الطيب أقرأ المعاصرين لكتاب سيبويه.
وكما كان شيخنا محبا للعربية وعلومها كان أيضا محبا لأهلها من الأحياء والأموات. من ذلك أنه كان شديد الإعجاب بتلميذه صديقنا الدكتور جعفر ميرغني.. جاء ذكر جعفر في أحد اجتماعات مجلس الكلية لست أذكر الآن مناسبته، فقال عنه شيخه إنه لولا التقيد باللوائح لعينته الآن محاضرا (وهو الذي يسمى في صطلاح الجامعات العربية استاذا مساعدا) ثم قال عنه كلمة أحرجت بعض أساتذة اللغة العربية، قال إنه الآن ـ وكان قد تخرج لتوه ـ أعلم من بعض الأساتذة!
وكان الأستاذ يضيق فعلا بشكليات اللوائح. كان هنالك عالم قراءات مصري نال إعجابه فعينه أستاذا مساعدا بالجامعة رغم أنه لم تكن له شهادة دكتوراة. قال لي إن كل كتاب من كتب هذا الرجل يساوي دكتوراة. وتعيين الدكتور عبد الله للرجل حل له مشكلة كبيرة، فقد بدأت الجامعات الاخرى ـ حتى المصرية منها ـ تقبله أستاذا بناء على أنه كان كذلك بجامعة الخرطوم حسب ما يقتضي الاتفاق بين الجامعات العربية. وحدثني ذات مرة أنه ذهب إلى مصر فوجد العلماء الحقيقيين هم الذين لا يحملون هذه الألقاب العلمية من دكتور وأستاذ وغيرها! وقد وجدت مثل هذا الموقف من الألقاب عند غير شيخنا من كثير من العلماء الراسخين في علومهم على اختلافها. فما الدكتوراة عندهم إلا شهادة كالشهادات الابتدائية أو الثانوية أو الجامعية ينالها المرء ثم يتخطاها فلا يفخر بها ولا على التسمي بها. إنما يفعل ذلك بعض الضعفاء الذين يحاولون التزيي بها _ حتى لو لم يكونوا قد نالوها حقيقة _ باعتبارها حلية اجتماعية. وما مثلهم في ذلك إلا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ""المتشبع بما لم يعط .كلابس ثوبي زور" (رواه البخاري)
قرأت وأنا بالقاهرة سنة أربع وخمسين ميلادية مقالا للأستاذ العقاد يرد فيه على نقد انتقده إياه شيخنا، وكان ردا فيه بعض الحدة. لكنني سررت عندما لمست من أستاذنا بعد سنين عدة أن ذلك لم يفسد العلاقة بينهما، بل عبر لي عن إعجابه الشديد بثقافة العقاد الموسوعية. قال انهم استمعوا في مجمع اللغة إلى محاضرة لأحد المختصين بعلم الجيولوجيا ذكر فيها عن بعض الصخور أنها تكون كذا وكذا من الألوان، فسأله العقاد ( وحكي دكتور عبد الله صوته في إعجاب) ألا تكون كذا أيضا (وذكر لونا نسيته الآن). فأجابه المختص بأنها لا تكون كذلك. لكن العقاد جاء إلى جلسة المساء وهو يتأبط مرجعه الذي يثبت صحة ما قال!
ولم تكن العربية عند علامتها الطيب مجرد فن يتذوقه أو لسان يعبر به، بل كانت كالمرجع الذي يهتدي به في كثير من شؤون حياته. لعل صديقنا الدكتور إبراهيم الحادرلو يذكر كيف أنه أمتعنا في يوم قضيناه معه في تجوال في مدينة برايتون الانجليزية، كيف أنه كان كلما ذكر زعيما سودانيا أو أمرا سياسيا قال فيه رأيا ثم أتبعه مستشهدا بما يعرف من شعر العرب ونثرها وأخبارها، وكانت استشهادات في غاية الطرافة لولا الحياء لذكرت بعضها.
وكم كان يحزنه زهد الناس في العناية بالعربية، وكان كثيرا ما يقول آسفا إن بعض المثقفين عندنا يودون أن لو كان لسانهم انجليزيا لا عربيا. وإنني لأذكر هذا التعليق كلما زرت الخرطوم فوجدت ازديادا – حتى في الأحياء الشعبية -- في نسبة اللافتات المكتوبة بالانجليزية أو المكتوبة كلماتها الأجنبية بحرروف عربية لا يفهم المواطنون منها شيئا
كان شيخنا معنيا في دراسته بالجودة لا الكثرة، كان ينتقي من كل علم في غير اختصاصه كتابا يقرؤه عدة مرات وييجيد فهمه. من ذلك أنه كان يكرر قراءة كتاب برتراند رسل في تاريخ الفلسفة الغربية، وكتاب توينبي المسمى دراسة للتاريخ، وهكذا. وكان كثير القراءة لتفسير الجلالين حتى إنه ليكاد يحفظه.. وقد وجدت هذا أيضا منهج شيخنا الشيخ عبد العزير بن باز علامة عصرنا في علوم الشرع. قال لي تلاميذه إنه قرأ صحيح مسلم بشرح النووي ستين مرة! وأنه قرأ البداية والنهاية ست مرات، وهكذا. وحسبك بمرة من مرات ابن باز ؛ إنها تساوي مرارا من مرات غيره.
كان يعرف عن نفسه أن العربية طبعه حتى قال لي ذات يوم ونحن نتكلم عن الفلسفة إنه درس بعض مقرراتها أثناء عهد الطلب ببريطانيا، وأنه جودها لدرجة أن الاستاذ اقترح عليه أن يختص يها. قال لكنني قلت لنفسي الطبع ولا التطبع.
وعلى ذكر الفلسفة، دخل علي الأستاذ ذات يوم في مكتبي وهو عميد لكلية الآداب ليسألني: أليس لك الآن محاضرة في القاعة الفلانية؟ استنكرت أن يأتي عميد الكلية ليحاسبني في مكتبي على عدم الذهاب لمحاضرة، فما هكذا يعامل الأساتذة بجامعة الخرطوم. قلت ـ ولا بد أنه رأى آثار الانكار على وجهي "بلى ولكنني نسيت بسبب انشغالي بهذا البحث" فابتسم وقال "الآن صرت استاذا" فانطلقت أسارير وجهي وابتسمت وقلت " لماذا؟" قال لأن الاستاذ الحق هو الذي تشغله بحوثه عن أموره الأخرى". ثم شرح لي أنه إنما جاء ليستشيرني في مسألة فلسفية أشكلت عليه هو طلابه. كان هذا من تواضعه الجم الذي لم يكن يتكلفه. أبدا. وكان من تواضعه وكرمه أنه كثيرا ما يدعو طلابه إلى منزله ثم يطلب من الشعراء منهم أن يباروه قي تأليف قصيدة في موضوع يختاره. أدكر أن هذا حدث مع الصديقين عمر عباس عجبنا زعيم الطلاب وخطيبهم المفوه أكرم الله نزله، والدكتور ناصر السيد شاعرهم المطبوع أطال الله عمره في طاعته.
وإذا كان مثل غفلتي تلك عن المحاضرة من السمات اللازمة للأستاذية فقد كان هو صاحبها الذي لا يبارى. كان يقطع التذكرة من تذاكر قطار لندن التحت الأرض ليذهب إلى إحدى المحطات فيغفل عن النزول بها ويتجاوزها بمحاط كثيرة لانشغاله بشيء يقرؤه أو يفكر فيه. دخلت عليه في مكتبه ذات يوم وكان قد فرغ لتوه من اجتماع مع رؤساء الأقسام فيما أظن، فوجدتهم جيمعا يضحكون، فلما سألت أخبرني أحدهم بأنه حدث بين العميد وأحد الأعضاء خلاف وأن العميد غضب وانتهر العضو قائلا "ياجرزلدا ..." فانفجر الناس ضاحكين وضحك هو وانتهت المشكلة بفضل ذكر اسم الزوجة الحبيبة!
زلت منه مرة كلمة عن محمود محمد طه حاسبه عليها بعض إخواننا حسابا عسيرا، لكنني أشهد أن الرجل لم يكن محبا لمحمود، ولم يكن من أنصاره، لكنه قال ما قال بسبب السياسة التي لم يكن ذا باع فيها. قال لي ذات مرة إنه لا يحب محمودا لأنه لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان يقول لنا تشجيعا على نقدنا لمحمود أنتم وحدكم الذين تستطيعون نقده، ويعنى بأنتم نحن أصحاب التوجه السني. قلت لماذا؟ قال لأن هؤلاء الشيوخ الذين يهاجمهم ينسبون إلى بعض شيوخ الصوفية ما يدعي محمود لنفسه، فهم لا ينكرون أن يصل الإنسان مثلا وصولا يرفع عنه أحكام العبادات والحلال والحرام، لكنهم ينكرون أن يكون محمود قد وصل إلى هذه الدرجة. وعلى ذكر محمود، دخلت عليه ذات يوم في مكتبه فحكى لي قصة طريفة. قال إنه كان معه قبل قليل أحد القساوسة (ذكر لي بلده الأوربي لكنني نسيته) وأنه أخبره أنه جاء ليتشرف بزيارته ويتحدث إليه. قال الدكتور عبد الله فقلت له لست أنا الذي تريد. إنك تريد رجلا آخر اسمه محمود محمد طه وعرفته من هو. قال فاعترف بأن محمودا كان طلبته لا عبد الله الطيب. قلت لشيخنا لكن كيف عرفت أنه إنما يريد محمودا ولا يريدك أنت؟ قال ما ذا يبتغي قس أوربي عند رجل همه اللغة العربية وهم لا يحبونها ولا أهلها؛ إنه يريد هذا الذي يقول ما يرضيهم. وتصديقا لكلام شيخنا التقيت أنا في الرياض بقس كبير من علمائهم كنت قد قرأت بعض أجزاء من كتاب له عن وجود الخالق مترجما إلى الانجليزية، سر لما أخبرته بذلك، فلما عرف أنني سوداني كان أول ما سألني عن محمود محمد طه، فأجبته بكلمة صعق لها. قلت: هذا ليس مسلما!
كان مما أعجب له في شيخنا أنه مع معرفته الواسعة بالعربية وعلومها والتفسير والتاريخ إلا أنه كان في باب الفقه مالكيا مقلدا تقليد العوام، بل كانت حججه لتسويغ هذا التقليد هي حجج العوام. لكنني عرفت السر في ذلك بكلام قاله لي هو عن نفسه في إحدى زياراته للرياض. كان يقرأ في كتاب المسند للإمام أحمد فاعترف بأنه كان مقصرا في اهتمامه بعلم الحديث، وأنه بدأ الآن يتدارك ذلك، فسررت لذلك أيما سرور.
لقد كان شيخنا فخر السودانيين يعتز به شبابهم ويحتفلون به ويكرمونه حيثما حل في بلد يسكنونه. رأيناهم يكرمونه في المدن البريطانية، والأمريكية، والبلاد العربية وسمعنا عن تكريمهم له في غيرها.
هذا بعض ما جادت به عن شيخه ذاكرة طالب تجاوز السبعين، أرجو ممن يطلع عليها ممن يعرف ما لا أعرف عن بعض ما ذكرت أن لا يتردد في تصويبها. فمعاذ الله أن نظن بأنفسنا عدم الخطأ أو ان نستنكف عن التصويب. تلك جوانب من حسنات الفقيد غفر الله لنا وله ذنوبنا وتقصيرنا وإساءتنا، ورحمنا وإياه رحمة واسعة، وجزاه الله خيرا كثيرا على اهتمامه بلغة الكتاب العزير والرسول الكريم وعمله على نشرها والانتصار لها
.
حسنه بت محمود الشاهد الأخيرمن رواية موسم الهجرة ألي الشمال
تقف حسنه بت محمود فى شارع مظلم خارج الروايةماذا تريدون منى أيها القضاة والمحلفون؟؟؟ها انذى أقف...وسط بركة الدم المفاجئة لصمتكموانا احمل مدية الانتقام الناعم ولا آبه بشهيقكم المرتعبنعم...قتلت ود الريس...وقطعت موطن شهوته وافتخاره الزائفانتقاما لانسانيتى المكلومةوثورةضارية ضدكم وضد صمتكم الريفى الطويلاعرف انه لايعنيكم من جريمتى غير النميمة...فالدهشة التى ابديتموها مفتعلة...وصراخكم مفتعل...واندهاشكم غير صادقلماذا قتلته؟؟؟وهل يهمكم الامر الآن كثيرا؟؟؟هل توقعتم غير ذلك؟؟؟...ياللسذاجة...واللؤمانا اعرف دورى بدقةوانتم تعرفون دوركمواعرف أنكم حين تجمعتم فى الدار...تتصايحونكنتمتريدون سبر اغوارى المحتضرة لانكم تنشدون فيها ريحا لبحر آخر خلف سواحلى؟؟؟فأنتمعندما تعتلون هضابى فأنكم تنشدون ضباب افق آخراعرف اننى لم اكن يوما مبتغاكم ولا مبتغى الراوى ولا جده ولابت مجذوب ولا حتى ود الريسها انا ذى اقف فى حد سيف المنية معه...وامامنا يقف ملك موت واحدفى فوهة غرفة واحدةغرفة واحدة ضمتنا سويا॥ قبل سويعات॥حرقت نساء الحى فيها بخور الصندل ... اسمينها، ياللسخرية... بيت عرس।ود الريس تفوق عليهم جميعا بالوصول الى هذه الغرفة...كبشا لفداء القبيلةهل تعرفون لماذا كان رجال الحى يلهثون للارتباط بى والزواج منى؟؟؟حتى الراوى ارتجف قلبه...فهو غير معصوم من جرثومة العدوى التى يتنزى بها جسم الكونلم يرد احدهم الارتباط بحسنة بت محمود...بل ارادوا الزواج من ارملة مصطفى سعيدكانوا رجالا ببعد واحد...افق واحدوكان رجلا بالفجميلة انا।؟؟؟..اعرف كم انا جميلة...ولكن جمالى لايلفت انظار هذه القبيلة.... مصطفى سعيد هو الرجل الذى استطاع ان يتذوق شموخى واباىقامتى الفارعة...ويداى النظيفتان... ملامحى الغامضة كلها تفاصيلكانت تباعد بيني وبين الزواج من احدكم... بينما جاءت به الى بابىتظنون اننى لا اعرف نساءه البيضاوات ؟؟؟لا...يا ايها المحلفون الجالسون على منصة الغيباعرف حقيقة واحدة...مصطفى سعيد كان يبحث عنىو عندماقتل آن همند وشيلا غرينود وايزابيلا سيموروجين موريس... بغموضه الافريقى الساحر..كنت انا فى غياهب الآتى و المستحيل....ادرى انه كان يبحث عنىاعرف اننى لا اعنى لكم الا مدفنا اللغز الكبير وحارسا من حراس الجن فى مملكة الصمت والفجيعة...مصطفى سعيدمصطفى سعيد هو حسنه....هو الآخر الذى ولدته امرأة صامتهدموعها صامته ...وفجيعتها صامتةجاءنى ...ليفك طلاسم اللغة الانثوية التى منحته الوجودهل قلت جاءنى..لا بالطبع...انا التى تبدت لهكشراع يتبدى تحت لجة القمرانا التى تمظهرت له بالسكون الصاخبولوحت له بمفتاح الطلسم السر مدى...انا التى تعرفت على نصف تفاحتى ...الضائع...واغلقت عليه شرفات الشوق والمتاهةمصطفى سعيد كان جنوبا يحن الى الشمال ....ولكنى كنت امرأة من كل الاتجاهاترياحى شرقية وامطارى شمالية غاباتى جنوبية ...ورعودى من اقصى الغربتريدون ان تعرفون اين ذهب مصطفى...ولماذا تركنى والولدين والغرفة المسقوفة فى متاريس السؤال؟؟؟وماذا ننتظر نحن انصاف الابطال فى مجاهل الروايات...واواخر فصولها غير تبنى التسآول واحتمالات الاجابة؟؟؟انا افضل الصمت يا سادتى.... فلنمت انا وود الريس والسر والفضول فى غرفة...سقفها صندل وارضها بركة من دم
تقف حسنه بت محمود فى شارع مظلم خارج الروايةماذا تريدون منى أيها القضاة والمحلفون؟؟؟ها انذى أقف...وسط بركة الدم المفاجئة لصمتكموانا احمل مدية الانتقام الناعم ولا آبه بشهيقكم المرتعبنعم...قتلت ود الريس...وقطعت موطن شهوته وافتخاره الزائفانتقاما لانسانيتى المكلومةوثورةضارية ضدكم وضد صمتكم الريفى الطويلاعرف انه لايعنيكم من جريمتى غير النميمة...فالدهشة التى ابديتموها مفتعلة...وصراخكم مفتعل...واندهاشكم غير صادقلماذا قتلته؟؟؟وهل يهمكم الامر الآن كثيرا؟؟؟هل توقعتم غير ذلك؟؟؟...ياللسذاجة...واللؤمانا اعرف دورى بدقةوانتم تعرفون دوركمواعرف أنكم حين تجمعتم فى الدار...تتصايحونكنتمتريدون سبر اغوارى المحتضرة لانكم تنشدون فيها ريحا لبحر آخر خلف سواحلى؟؟؟فأنتمعندما تعتلون هضابى فأنكم تنشدون ضباب افق آخراعرف اننى لم اكن يوما مبتغاكم ولا مبتغى الراوى ولا جده ولابت مجذوب ولا حتى ود الريسها انا ذى اقف فى حد سيف المنية معه...وامامنا يقف ملك موت واحدفى فوهة غرفة واحدةغرفة واحدة ضمتنا سويا॥ قبل سويعات॥حرقت نساء الحى فيها بخور الصندل ... اسمينها، ياللسخرية... بيت عرس।ود الريس تفوق عليهم جميعا بالوصول الى هذه الغرفة...كبشا لفداء القبيلةهل تعرفون لماذا كان رجال الحى يلهثون للارتباط بى والزواج منى؟؟؟حتى الراوى ارتجف قلبه...فهو غير معصوم من جرثومة العدوى التى يتنزى بها جسم الكونلم يرد احدهم الارتباط بحسنة بت محمود...بل ارادوا الزواج من ارملة مصطفى سعيدكانوا رجالا ببعد واحد...افق واحدوكان رجلا بالفجميلة انا।؟؟؟..اعرف كم انا جميلة...ولكن جمالى لايلفت انظار هذه القبيلة.... مصطفى سعيد هو الرجل الذى استطاع ان يتذوق شموخى واباىقامتى الفارعة...ويداى النظيفتان... ملامحى الغامضة كلها تفاصيلكانت تباعد بيني وبين الزواج من احدكم... بينما جاءت به الى بابىتظنون اننى لا اعرف نساءه البيضاوات ؟؟؟لا...يا ايها المحلفون الجالسون على منصة الغيباعرف حقيقة واحدة...مصطفى سعيد كان يبحث عنىو عندماقتل آن همند وشيلا غرينود وايزابيلا سيموروجين موريس... بغموضه الافريقى الساحر..كنت انا فى غياهب الآتى و المستحيل....ادرى انه كان يبحث عنىاعرف اننى لا اعنى لكم الا مدفنا اللغز الكبير وحارسا من حراس الجن فى مملكة الصمت والفجيعة...مصطفى سعيدمصطفى سعيد هو حسنه....هو الآخر الذى ولدته امرأة صامتهدموعها صامته ...وفجيعتها صامتةجاءنى ...ليفك طلاسم اللغة الانثوية التى منحته الوجودهل قلت جاءنى..لا بالطبع...انا التى تبدت لهكشراع يتبدى تحت لجة القمرانا التى تمظهرت له بالسكون الصاخبولوحت له بمفتاح الطلسم السر مدى...انا التى تعرفت على نصف تفاحتى ...الضائع...واغلقت عليه شرفات الشوق والمتاهةمصطفى سعيد كان جنوبا يحن الى الشمال ....ولكنى كنت امرأة من كل الاتجاهاترياحى شرقية وامطارى شمالية غاباتى جنوبية ...ورعودى من اقصى الغربتريدون ان تعرفون اين ذهب مصطفى...ولماذا تركنى والولدين والغرفة المسقوفة فى متاريس السؤال؟؟؟وماذا ننتظر نحن انصاف الابطال فى مجاهل الروايات...واواخر فصولها غير تبنى التسآول واحتمالات الاجابة؟؟؟انا افضل الصمت يا سادتى.... فلنمت انا وود الريس والسر والفضول فى غرفة...سقفها صندل وارضها بركة من دم
الأحد، يوليو 12، 2009
اول محاكمة سياسية في تاريخ فرنسا
محاكمة جان دارك ، من كتاب أشهر المحاكمات.
نحن الان في 21 شباط – فبراير من عام 1431 . في ذلك اليوم ، وفي قاعة باردة من قصر روان ، حيث جلس بشكل نصف دائري خمسة واربعون من رجال الكنيسة بدأت محاكمة جان دراك في مركز الدائرة ، وعلى كرسي صغير جلست المتهمة " الساحرة " مكبلة بالاصفاد - أمام هؤلاء الرجال . افتتح الكاهن كوشون المحاكمة بسيل من المتهم صبها على رأس المسكينة وتتراوح بين الشعوذة والفجور . والواقع ان احداً من الحضور لم يكن مخدوعاً بحقيقة الامر . فالتهم التي ذكرت ليست سوى تغطية لما هو أدهى وأكثر خطرا على البعض . لقد طردت جان داراك هذه الانكليزية من اورليان عام 1492 . وبعد شهرين توجت ولي العهد ملكاً على فرنسا تحت اسم شارل السابع مكان الملك الانجليزي هنري السادس .هذا هو سبب محاكمة " الساحرة " وهذا هو ايضاً سبب محاكمتها في روان ، التي تعتبر عاصمة الانكليز في فرنسا ، ومن قبل جماعة تعتبر عملية لانكلترا .عندما طلب منها رئيس المحكمة كوشون ان تقسم على الانجيل بأن تقول الحقيقة في اجابتها عن اسئلة القضاء ، رفضت ان تقسم الا على ما يتعلق ، في هذه الاجابات ، بها وبعائلتها اما فيما يختص بالامور الاخرى ، كالوحى الذي ينزل عليها وينير خطواتها من وقت لاخر ، فقد اجابت بتصميم انها لن تفصح عنه الا لملكها شارل السابع ، حتى ولو كلفها رفضها هذا حياتها .لم يفد اصرار رئيس المحكمة امام ثبات موقف جان . وعندما سألها ان تذكر اسمها والقابها ومكان ولادتها ، اجابت بكل هدوء ان اسمها جان وانها ولدت في دومريمي من أب فلاح وام علمتها الخياطه والحياكة ، اما الالقاب ، فليس لها شئ منها وقد انتهزتها فرصة لتذكر مآسي قريتها مع الجنود الانكليز الذين كثيراً ما كانوا يقومون بأعمال النهب والسلب والحرق فيها ، مما كان يدفع أهلها للنزوح والالتجاء الى اماكن اخرى مجاورة .لم يرق للرئيس ، لكنه احتوى الانفعال . بعدها ، سألها :- مم تشكين ؟- من الاغلال التي تقيد رجلي - هذه الاغلال وضعت لانك حاولت الهرب من السجن - هذا طبيعي . فكل سجين يتمنى الهرب .هنا انتقل الرئيس الى موضوع اخر وسأل المتهمة :- متى بدأت بسماع الاصوات الخفية او ما تسميه الوحي ؟- منذ سن الثالثة عشرة وكنت عندها في حديقة البيت ظهر احد الايام ، انه صوت آت من عند الله لهدايتي الى الطريق القويم.- باي شكل ظهر عليك هذا الصوت ؟- لن أعطي جواباً عن هذا السؤال . كل ما يمكنني قوله هو أن الصوت أمرني بالتوجه الى اورليان لتحريرها من الانكليز وتتويج ملك فرنسا عليها .- هل استقبلك الملك بسهولة ؟- نعم - لماذا ؟- لان الملك ، هو ايضاً ، لديه بعض الايحاءات .- كيف ؟- لا يمكنني الاجابة يمكنك ان تذهب عنده وتسأله .
هنا رفع الرئيس الجلسة لتعقد يوم السبت في 24 شباط فبراير وفي ذلك اليوم ايضاً حاول الرئيس كوشون مرة اخرى ان ينتزع من جان داراك ما عجز عن انتزاعه منها في السابق وهو ان تقسم على ان تقول كل شئ بما في ذلك حقيقة مصدر الوحي واسراره ولكن اصرار جان داراك على موقفها الرافض عمق لديه الخيبة ، وهذا الاصرار على ان علاقتها بربها هي علاقة مباشرة ولا تمر بأي وسيط والكنيسة وسيط جعل الفتاه تقع في الفخ الذي نصبه لها كوشون . هنا وبعد نجاح خطته ، أعطى الرئيس الكلام لعضو المحكمة جان بوبير ، الذي بدأ باستجوابها بما يلي :
- متى سمعت هذا الصوت اخر مرة ؟ - سمعته البارحة واليوم .- في أية ساعة ؟- سمعته ثلاث مرات ، صباحاً وظهراً ووقت القادس .- ماذا كنت تفعلين البارحة عندما اتاك الصوت ؟- كنت نائمة ، والصوت هو الذي ايقظني .- كيف ؟ بهز الذراع ؟- ايقظني دون ان يلمسني .- هل كان الصوت في غرفتك ؟- كلا ، كان في القصر .- هل شكرت الصوت وركعت على ركبتبك ؟- نعم . وطلبت منه ان يساعدني . والان ، يطلب مني هو ان أكون شجاعة . وهنا ، التفتت الى كوشون ، كما لو كانت تنفذ ما طلب منها الصوت في شجاعة ، وقالت له :- احذرك ، انت من تقول انك حاكمي ، مما تفعل . أنا مرسلة من الرب فتنبه للخطر ....كان من الممكن ان يكفهر جو المحكمة لهذا التهديد يصدر بوجه الرئيس من فتاة بسيطة كجان دراك ، لولا أن احتواه كوشون على مضض ، ولولا ان تدخل بوبير على الفور قائلاً لها :- وهل تعتقدين أن قول الحقيقة يغضب الله ؟ لم تعر جان أي اهتمام للسؤال ، بل أكلمت :- لقد أوصاني الصوت ان أبوح به للملك دون سواه . وهذه الليله بالذات ، كلفني برسالة له على قدر كبير من الاهمية بالنسبة اليه . واريد ان تصل اليه .- الا يمكنك اقناع صاحب الصوت ان ينقل الرسالة بنفسه الى الملك ؟- لا أعرف . فهذا يتعلق بارادة الرب .- هنا ، بدأ بوبير يفقد صبره :- أليس لهذا الصوت وجه وعيون ؟- لن أقول لك شيئاً من هذا .- اتعتقدين انك تحت رحمة الرب ؟- ان لم أكن كذلك ، فالرب يحيطني بها ، وان كنت ، فهو يديمها علي .
لقد أدهش الجواب الحضور ، وجلهم من كبار اللاهوتيين . وهذا الجواب ، بجرأته وعمقه وصفائه ، أعطى برهاناُ اخر على ان هذه الفتاه تنعم بسر الهي خارق .لكن المحكمة معقوده ، لا لتظهر اعجابها ودهشتها ، بل لتحاكم جان دراك بتهمة الشعوذة لذلك ، كان لا بد من تبديد ما علق في الأذهان من ايجابيات للفتاة ، وهذا ما فعله كوشون عندما رفع الجلسة .ولما عادت المحكمة والتأمت ، كان لا بد من محو الانطباع السابق المتألق في أذهان الحضور ، هذه المهمه اخذها بوبير على عاتقه : - هل كنت تلعبين مع اولاد قريتك وترعين معهم القطعان ؟- نعم . عندما كنت صغيره .- هل تعرفين شجرة الجن ؟- نعم . وكنت اذهب اليها احياناً مع بعض بنات القريه . لكني لم اجد ايه جنية . كما اني لا اومن بوجود الجن .- هنا ايضاً ، لم يوفق بوبير في الايقاع بالفتاه المسكينة .- هل تودين يا جان لبس ثوب امرأه ؟- لا مانع لدي ، على الرغم من أن ما البسه يعجبني لان الرب لم يعترض عليه .لقد قصد بوبير ان يبرز جريمة جان ، كما كان ينظر الى انذاك ، يلفت انتباه المحكمة الى ما تلبسه جان وهو بزة عسكرية يلبسها المحاربون ، دون سواهم .- هل ينبعث امامك نور عندما يتحدث اليك الصوت ؟- نور وهاج !
هذه الجرأة ، تبديها فتاه بسيطه امام محكمة بهذه الضخامة وذاك المقام ، كلفت جان اجراءات مشددة في سجنها فيوم السبت في 17 اذار – مارس 1431 ، كان قد مضى عليها اسبوع كامل دون ان تخرج من زنزانتها . واذا ما أضيف هذا التشدد الى اجراءات اخرى عرفنا مدى ما تركه موقفها من اثر سئ في نفوس حاكميها . لقد نقلت الى سجن علماني يحرسه جنود انكليز . ومعروف كم حاربت دارك الانكليز . وهذا مخالف للقانون الذي يفرض على من يحاكم كنيسة ان يحجز في سجن كنسي . يضاف الى ذلك ان يجب ان تكون في سجن نسائي ومحروسة من قبل حراس من النساء . ومما يبرز التحيز ، هو انه لم يعين محام للدفاع عنها . ناهيك عن ان اتعاب هيئة المحكمة كانت على عاتق الانكليز دون سواهم . والفضيحة الكبرى في هذه القضية هي ان المحكمة أعلنت ، منذ انعقادها في الجلسة الاولى ، ان جان ستسلم الى الانكليز لتحاكم من قبلهم ، اذا ما قررت المحكمة تبرأتها . كل هذا يعني بوضوح ان المحاكمة برمتها ليست سوى تمثيله يراد بها تغطية الحقيقة وهي مطالبة الانكليز لرأس من اقسمت على اخراجهم من فرنسا . الجلسه الان تعقد في زنزانة السجينة . وفيها تولى جان دي لافونتين الاستجواب مكان بوبير :
- هل لك ان تقيمي حبك للكنيسة وخدماتك لها ؟- أحب الكنيسة واتفانى في دعمها بكل ما اوتيت من قوة ، وأود لو تسمحون لي بحضور القداديس . اما اعمالي ، فأترك لرب السماء تقييمها ، الرب الذي ارسلني الى شارل ، الملك الحقيقي لفرنسا ، وبالمناسبة أقول لكم ان الفرنسيين سينتصرون على الانكليز في معركة حاسمة . تذكروا اني قلت لكم ذلك يوماً .- هل تقبلين حكم الكنيسة مهما كان ؟ - انا اقبل بحكم الرب . ولما كان الرب والكنيسة واحداً ، فلماذا نوقع انفسنا في متاهات السؤوال؟ - هناك كنيسة مظفرة يذوب فيها الرب والقديسون والملائكة . وهناك كنيسة ملتزمة تشمل البابا والكرادلة والاساقفة . هذه الكنيسة معصومة عن اي خطأ لانها بأمره الروح القدس فهل تنصاعين للكنيسة الملتزمة ، الكنيسة الارضية ؟
سؤال محرج . هل ترد بالسلب وتعتبر خارجة على الكنيسة وتحاكم على هذا الاساس ؟ لقد فهمت المأزق . لكنها اختارت طريقها منذ وقت طويل .
- لقد أرسلت الى ملك فرنسا من قبل الرب . والى الرب اقدم حساب ما فعلت وما سافعل .- هل تقبلين بالافصاح عما رفضت الافصاح عنه امام قداسة البابا ؟- بالتأكيد . خذوني امامه وسأقول له كل شيء. كان الجواب واضحاً ومحكماً . لكن المرسوم هو ان تقاد جان دارك امام الانكليز وليس امام البابا . وهذا السؤال يدل على النية المبيته من قبل لافونتين :- هل يكره الرب الانكليز ؟- لا أعلم مشاعر الرب اتجاه الانجليز كل ما اعرفه هو انهم سيطردون من فرنسا ، باستثناء من سيموت منهم على ارضها .- من دفعك الرسم ملائكة بأذرع وأرجل وثياب ؟ هلى يظهرون عليك على هذه الصورة ؟- هكذا هم مرسومون في الكنيسة .- لماذا هم اثنان فقط ؟- لان رايه الجيش المهاجم للانجليز يقودها الرب بواسطة القديسة كاترين والقديسة مارغريت . اللتين قالتا لي : " تسلمي انت هذه الرايه باسم رب السماء " ؟- هل يعتمد الامل في النصر على الراية او عليك بالذات ؟- انه يعتمد على الرب .- لماذا كانت رايتك وحدك حاضرة عند تنصيب الملك وليست رايه سائر القواد ؟- لانها هي التي جاهدت . فهي اذا التي تستحق هذا التكريم .- هل تقبلين خلع لباسك العسكري ولبس ثوب نسائي للذهاب الى القداس ؟- اقبل . ولكني سأعيد بزتي العسكري واعود الى الجهاد حالما اخرج من الكنيسة .
هنا ، وقد اخذ الضيق مأخذه في نفس رئيس المحكمة ، أمر برفع الجلسة . وما هي الا لحظات حتى رأت جان دارك نفسها ثانية في زنزانتها وجهاً لوجه امام حراسها الانكليز .
ثلاثة اشهر مرت والفتاة حبيسة الزنزانة . ثلاثة اشهر عاشت فيها بعذاب نفسي وجسدي فلما أصاب سجيناً اخر . ومع ذلك ، فانها لم تركع . ولما كان يقتضي الانتهاء من هذه القضية خوفاً من تفاقمها وانعكاساتها ، فقد قررت جامعة باريس ، الملتئمة بكامل هيئتها في 15 ايار- ما يو 1431 ، ان تتبنى لائحة من اثنى عشر اتهامياً رئيساً. هذه اللائحة قدمت من قبل كوشون نفسه مرفقه بكتاب من ملك انكلترا . جميع هؤلاء وجهوا الى جان داراك تهمة الشعوذة والهرتقة والوثنية ، كما وجهوا اليها تهمة قتل الانكليز والتعطش للدم المسيحي .
وفي 23 ايار مايو ، طلب من المتهمة العودة عن " اخطائها وتصرفاتها المشينة " لكنها رفضت باصرار " حتى ولو رات النار التي سيحرقونها بها تشتعل " .
24 ايار – مايو في هذا اليوم كان كل شئ قد هي للحكم وللتنفيذ . الحكم بالموت حرقاً . واستكمالاً لفصول المهزلة ، دعي الناس لحضور الجريمة . وعلى رأس هؤلاء ، ملك انكلترا الحقيقي ، اسقف ونشستر وهيئة المحكمة . ومقابل المنصة الرئيسية ، منصة الشرف ، وقفت جان داراك .
بدأ " الاحتفال " بخطاب القاه في وجه المتهمة المحامي غليوم ، صديق كوشون الشخصي :- جان انت ساحرة ومهرتقة وخارجة على الكنيسة . وملكك الذي اراد استرجاع ملكه بواسطة امرأة هو ، في الواقع ، مثيلك . ثم أكمل بلهجة أكثر ليونة :- انا ارثي لحالك . عودي عن اقوالك والا ، فان الحكم سيكون قاسياً عليك .- انك تتعب نفسك كثيراً لتثني عن عزمى ولتحضني على انكار الحق .هنا ، انبرى جاك كالو ، سكرتير ملك انجلترا ، وأخرج من كم سترته ورقة سطر عليها عليها بضعة أسطر ، هي الدليل على ان كل شئ قد هيء مسبقاً، صرخ غليوم ملتفتاً نحو جان :
- وقعي على هذه الورقة والا فانك ستنتهين الى النار .
أذعنت جان بصوت ضعيف . لكن مفاجأة غير متوقعة حصلت . فقد ثار الانكليز الموجودون في المنصة على الرئيس كوشون نفسه وسائر اعضاء المحكمة متهمين اياهم بنقض الاتفاقية والخيانة: لقد اعتبروا ان الورقة التي عرضت على جان دراك للتوقيع ستؤدي ، عند توقيعها ، الى تبرئة المتهمة وعدم تسليمها الى الانكليز . ماذا كانت تحوي هذه الورقة التي وقعتها الفتاه المسكينة بعد ان شنت عليها حرب نفسية رهيبة ؟ انها اعترف منها بالشعوذة ونكران لسماعها صوت الرب كما انها تعهدت بالامتناع عن لبس الثياب العسكرية . أما كوشون ، العميل الامين الاسياده الانكليز ، فقد سارع ، عندما ثارت ثائرة هؤلاء الاسياد ، الى تطمينهم ، وامعاناً في ذلك فقد عجل في اصدار حكمه على جان داراك : السجن مدى الحياة على الخبز والماء لتغسيل خطاياها ولتكف عن اقتراف غيرها .
امتقع لون المسكينة عند سماعها الحكم وعرفت انها وقعت في الفخ الذي نصب لها ، فتوقيعها على الوثيقة لم يكن الهدف منه سوى اهانتها وهدر كرامتها ، لانقاذها ، كما ذكر امامها. اما الانكليز فقد ظلوا على انفعالهم . صحيح ان جان دراك ستمضي بقية ايامها في السجن ، لكن الصحيح ايضاً هي انها ستبقى حية ، في حين دبروا ما دبروا ودفعوا ما دفعوا لتنتهي عدوتهم الى النار وليتخلصوا منها الى الابد .
عادت جان دراك الى زنزانتها لتلبس ، كما تعهدت ، لباس امرأه لكن ، لم تمض سوى ثلاثة ايام حتى شوهدت تعود الى لبس الزي العسكري . فما الذي حدث حتى تنقض السجينة تعهدها ؟ الامر غاية في البساطة ، لقد امرها سجانها الانكليز بذلك بقصد اعادتها الى محاكمة جديدة وبالتالي ، اصدار الحكم بحرقها حية .وهكذا وفي اليوم الرابع للمحاكمة الاول، بعد يوم واحد من نقضها القسري لتعهدها ، عادت المسكينة لتواجه المحكمة والمصير المرسوم ، جرت المحاكمة – المهزلة وحكم على جان دراك بالاعدام حرقاً ، ورضي الانكليز .
خمسة وعشرون عاما مرت على موت جان دراك ففي 7 تموز سنة 1456 ، كان اناس كثيرون يتجمهرون في باحة قصر روان ليستمعوا خاشعين الى حكم اخر يقضي ، هذه المرة باعادة اعتبار الشهيدة . كبار رجال الكنيسة في باريس وريمس وكوتانس ومعهم شقيق جان دراك التأموا في اجتماع تاريخي ليعلن كاهن ريمس ياسمهم ما يلي .
" نعلن باسم الرب ، الحسيب الوحيد على اعمالنا ، ان المحاكمة التي ذهبت جان داراك ضحية انحرافها وعمالتها ، باطلة ، وان الحكم الصادر عنها هو ايضا باطل كما نعلن ان جميع الاتهامات بالشعوذه والهرتقة الموجهة الى الشهيدة باطلة ، هي الاخرى لذلك فاننا نحكم بالغائها جميعاً " .
ما ان انتهى الكاهن من قراءة وثيقة البراءة ، حتى ظهرت علامات الرضى على وجوه الحضور وهمهمات الموافقة على شفاههم . وامعاناً في التكريم ، توجه الجميع الى مقبرة سان - اوين ، حيث انتزع، احتيالاً اعتراف جان دراك بالشعوذه وانكارها لسماع صوت الرب . وهناك قرأ كاهن ريمس حكم البراءة ثانية على مسمع من الحضور . وقد تكرس هذا الحكم من قبل البابا نفسه .
كان هذا تتويجاً لجهود دامت سبع سنوات ، سبع سنوات مليئة باجراءات باعادة محاكمة شاقة ومثيرة . اعيد النظر بكل الوثائق . فندت كل الاقوال ودحضت جميعاً . وقد اشرف على هذه العملية كبار القضاة ورجال القانون من الملك شارل السابع ، ملك جان دراك ، الذي تنبأت المسكينة بانتصاره على الانكليز وبعودته الى عرش بلاده . وقد صدقت النبوءة .
وهكذا انتهت اول محاكمة سياسية في تاريخ فرنسا . كانت محاكمة مثيرة اظهرت بوضوح ما يمكن ان تؤدي اليه عمالة ضعاف النفوس . ان جان دارك اصبحت بطلة وطنية ويطلق اسمها على الساحات والشوارع والمؤسسات في فرنسا وخارجها ، لكن الصحيح ايضاً هو انها ماتت حرقاً ، وهذا المصير ، لمجرد تخيله ، رهيب فكيف به عند المنفذ به ؟ واذا كان من عبره لهذا القضية برمتها ، فهي ان الحق هو المنتصر الاخير في الجولة الاخيرة ذاك هو منطق الامور . ولكن ... كم من الضحايا تسقط وكم من الرؤوس تتدحرج قبل ان تصل الامور الى نهاية منطقها او ، بالأحرى الى منطق نهايتها ؟ قد تكون التضحية بالذات هي القربان الأمثل الذي يقدمه المرء لاحقاق حق او لابراز حقيقة . وهذا في نظر الكثيرين ، قمة العطاء .
اضاءات علي ندوة جمعيه الصحفيين السودانيين –بالسعودية
نوارة الثقافة السودانية الحضور في الغياب
بقلم : مصعب مصطفي الجزولي – المحامي
شهدت قاعة مركز الملك عبد العزيز التاريخي ليلة الخميس الفائتة الندوة التي أقامتها جمعية الصحفيين السودانيين في أطار تدشينها لفعاليات الموسم الثقافي الرابع وجاءت بعنوان (الطيب صالح تجربة روائية رائده)- تحدث فيها عدد من النقاد والباحثين وقدمها الشاعر محمد مدني.
وابتدر الحديث الشاعر والناقد المصري عبدا لله السمطي متناولا تجربة الطيب صالح من خلال روايته موسم الهجرة الي الشمال والتي يري انها تمثل أضاء مجسمه لما يمتلكه الأدب السوداني من وعي ورغم ظهور اسم السودان قبل ذلك من خلال الشعر بفضل شعراء مثل الفيتو ري وجيلي عبدالرحمن وعلي المستوي الفكري واللغوي كان عبد الله الطيب ولكن الطيب صالح كان أكثرهم تعريفا بالسودان من خلال مجال السرد الذي برع فيه حتي حاز علي العالمية فيه ويري أن تجربة الطيب صالح ربما ضاهت كتاب كثيرين مثل نجيب محفوظ وحمد الجاسر وحنا مينا وغيرهم من الروائيين الكبار في الوطن العربي وتحدث عن رواية عرس الذين والتي يري انها غنية ومتشربه بالثقافة السودانية والفلكلور السوداني والتي من خلالها حمل الطيب صالح القريه السودانية الي مصاف العالمية ،ويري أن هذه الرواية سوف تكون معبرة كثيرا و معرفة بالثقافة السودانية اذا تم تحويلها الي عمل سينمائي .وأضاف أيضا بان رواية موسم الهجرة الي الشمال عمل روائي عظيم أبداع فيه الطيب صالح رغم ان فكرة الرواية قد سبقتها فيها أعمال روائيه أخري مثل قنديل أم هاشم وعصفورة من الشرق ومذكرات فتاة جامعية في أمريكا لكن تظل هي الأجود علي الإطلاق كما نوه ان أعمال الطيب صالح تحتاج الي دراسة عميقة لان فيها مايستدعي شرحه وتوضيحه للقراء.
كما قدمت الدكتورة شيراز محمد عبد الحي المعالجة الدراميه لشخصية حسنه بت محمود التي أعدتها الممثلة السودانية تماضر شيخ الدين فهي معالجة لشخصية محورية في رواية موسم الهجرة فقد أجادت الدكتورة شيراز في اداءها بصورة رائعة ورغم ان هذة المعالجة تحتاج لأدوات مسرحيه معينة كما أشارت هي لذلك. وكان المتحدث هذه المرة هو الكاتب والروائي محمد جميل الحائز علي جائزة الطيب صالح التقديرية من مركز عبد الكريم ميرغني عن روايته بر العجم بدء الحديث متسائلا عن قيمة الطيب صالح لنا كسودانيين وماذا قدمنا له كشعب سوداني؟؟مقابل مقدمه لنا من شهره وصيت ...تطرق للحديث عن تجربة الطيب صالح من خلال رواية موسم الهجرة الي الشمال ،معتبرها حدثا كبيرا بامتياز حتي صار يؤرخ لمابعدها وماقبلها كما يعتبرها فارغة في تاريخ الرواية العربية واستطاع الطيب صالح ان يحطم العوالم السردية فيها واشارة فيها لصراع الحضارات علي المستوي الفني والتاريخ الشخصي لبطل الرواية فيه دلالات سياسيه فهو مولود أي البطل في عام 1898وهوبداية الاستعمار ووفاته كانت في عام1956وهوعام الاستقلال وهذه الدلالات أراد الراوي تضمينها في هذا النص وجعل من قرية ود حامد كونا مفتوحا ،فاستطاع ان يجعل من المحلية جسرا للعالمية وان كان قد سبقه لذلك بعض الكتاب مثل النيجيري تشينوا اتشيبي في الاشياء تتداعي وجوزيف كورنراد في قلب الظلام ويري ان التلاقي في كل هذه الأعمال هو المستعمر الذي يسعي الي تحطيم الإنسان المستعمر .كما أشار الي ان هناك من يري بان الطيب صالح ربما اخذ من جوزيف كورنراد في قلب الظلام فكرة روايته ولكن هذا لايسنده واقع ،وأيضا تحدث عن رمزيه خاصة استخدمها الطيب صالح في جميع أعماله وهي ذات دلالات معبره وهي ان ذكر الأب يكون معدوما في أعماله لانه يمثل الحاضر المهزوم فلذلك يلجا لذكر الجد والابن أي انه يتنقل بين الماضي والمستقبل دون التعرض للحاضر المأزوم ومحمد جميل يري ان الحنين هو المرتكز الأساسي لأعمال الطيب صالح بصورة عامه.
وكان اخرالمتحدث في هذه الندوة الصحفي مصطفي يوسف حامد ابتداء حديثه بان ليس هناك شخصيه سودانيه اتفقا حولها جميع السودانيين بمختلف اتجاهاتهم الفكرية غير الطيب صالح وأيضا تطرق لموضع ربما لم يكن مطروقا من قبل النقاد في أعمال الطيب صالح وهو يري ان الطيب لم يكن منتميا سياسيا ولكنه مارس السياسة بزخم في كل أعماله الروائية تقريبا فهو قد تنبأ بالتقاء الغرب والشرق في ظل توافر ظروف محددة فروايته موسم الهجرة ناقشت ذلك وفي دومة ودحامد يدعو الي الاتفاق وانه لاتوجد مبررات للاختلاف وفي ضوء البيت كان البطل مقبولا اجتماعيا فالطيب صالح أذن تناول العولمة في أعماله من وقت بعيد فهو يدعو الي التواصل بين الناس والحوار البناء وقبول الأخر.
ومن الملاحظ في هذه الندوة ان اجل المتحدثين اختزل تجربة الطيب صالح الروائية في (موسم الهجرة الي الشمال)ليس لاعتبارات كلها إبداعيه وقد يكون معهم حق في ذلك ولاسيما وان هذه الرواية قد صنفت من أفضل مائة رواية في القرن العشرين ووضعت حولها الكثير من البحوث والدراسات ونالت من التقريظ مالم تناله رواية أخري ،حتي انها لتمارس نوعا من السطوة الإبداعية التي عاني منها الطيب صالح نفسه كما اعترف ذات مره بذلك ولكن الحديث عناها بإسهاب دون الأخريات لايتماشي مع عنوان وشموليه عنوان الندوة وربما أدي الاهتمام بها دون الأعمال الاخري في وقت ما في حياة الطيب صالح نفسه جعل المبدع داخل الطيب صالح لايستطيع تجاوز هذه الرواية واخشي علي النقاد من انتقال هذه العدوة.وفي تقديري ان الطيب صالح لم يقرا بعد وأتوقع ان النقد القادم سيتناول الطيب صالح بشكل أجمل وأفضل.
عموما الندوة كانت تظاهره ثقافية رائعة تحسب لجمعية الصحفيين التي وكما عودتنا دائما علي مثل هذه الندوات رغم انها لم تسر كما هو مخطط له وذلك باعتزار الراوئي السعودي عبده خال في اللحظات الأخيرة والحضور المتواضع ولكن جهد مقدر وليله رائعة رغم كل الظروف.
نوارة الثقافة السودانية الحضور في الغياب
بقلم : مصعب مصطفي الجزولي – المحامي
شهدت قاعة مركز الملك عبد العزيز التاريخي ليلة الخميس الفائتة الندوة التي أقامتها جمعية الصحفيين السودانيين في أطار تدشينها لفعاليات الموسم الثقافي الرابع وجاءت بعنوان (الطيب صالح تجربة روائية رائده)- تحدث فيها عدد من النقاد والباحثين وقدمها الشاعر محمد مدني.
وابتدر الحديث الشاعر والناقد المصري عبدا لله السمطي متناولا تجربة الطيب صالح من خلال روايته موسم الهجرة الي الشمال والتي يري انها تمثل أضاء مجسمه لما يمتلكه الأدب السوداني من وعي ورغم ظهور اسم السودان قبل ذلك من خلال الشعر بفضل شعراء مثل الفيتو ري وجيلي عبدالرحمن وعلي المستوي الفكري واللغوي كان عبد الله الطيب ولكن الطيب صالح كان أكثرهم تعريفا بالسودان من خلال مجال السرد الذي برع فيه حتي حاز علي العالمية فيه ويري أن تجربة الطيب صالح ربما ضاهت كتاب كثيرين مثل نجيب محفوظ وحمد الجاسر وحنا مينا وغيرهم من الروائيين الكبار في الوطن العربي وتحدث عن رواية عرس الذين والتي يري انها غنية ومتشربه بالثقافة السودانية والفلكلور السوداني والتي من خلالها حمل الطيب صالح القريه السودانية الي مصاف العالمية ،ويري أن هذه الرواية سوف تكون معبرة كثيرا و معرفة بالثقافة السودانية اذا تم تحويلها الي عمل سينمائي .وأضاف أيضا بان رواية موسم الهجرة الي الشمال عمل روائي عظيم أبداع فيه الطيب صالح رغم ان فكرة الرواية قد سبقتها فيها أعمال روائيه أخري مثل قنديل أم هاشم وعصفورة من الشرق ومذكرات فتاة جامعية في أمريكا لكن تظل هي الأجود علي الإطلاق كما نوه ان أعمال الطيب صالح تحتاج الي دراسة عميقة لان فيها مايستدعي شرحه وتوضيحه للقراء.
كما قدمت الدكتورة شيراز محمد عبد الحي المعالجة الدراميه لشخصية حسنه بت محمود التي أعدتها الممثلة السودانية تماضر شيخ الدين فهي معالجة لشخصية محورية في رواية موسم الهجرة فقد أجادت الدكتورة شيراز في اداءها بصورة رائعة ورغم ان هذة المعالجة تحتاج لأدوات مسرحيه معينة كما أشارت هي لذلك. وكان المتحدث هذه المرة هو الكاتب والروائي محمد جميل الحائز علي جائزة الطيب صالح التقديرية من مركز عبد الكريم ميرغني عن روايته بر العجم بدء الحديث متسائلا عن قيمة الطيب صالح لنا كسودانيين وماذا قدمنا له كشعب سوداني؟؟مقابل مقدمه لنا من شهره وصيت ...تطرق للحديث عن تجربة الطيب صالح من خلال رواية موسم الهجرة الي الشمال ،معتبرها حدثا كبيرا بامتياز حتي صار يؤرخ لمابعدها وماقبلها كما يعتبرها فارغة في تاريخ الرواية العربية واستطاع الطيب صالح ان يحطم العوالم السردية فيها واشارة فيها لصراع الحضارات علي المستوي الفني والتاريخ الشخصي لبطل الرواية فيه دلالات سياسيه فهو مولود أي البطل في عام 1898وهوبداية الاستعمار ووفاته كانت في عام1956وهوعام الاستقلال وهذه الدلالات أراد الراوي تضمينها في هذا النص وجعل من قرية ود حامد كونا مفتوحا ،فاستطاع ان يجعل من المحلية جسرا للعالمية وان كان قد سبقه لذلك بعض الكتاب مثل النيجيري تشينوا اتشيبي في الاشياء تتداعي وجوزيف كورنراد في قلب الظلام ويري ان التلاقي في كل هذه الأعمال هو المستعمر الذي يسعي الي تحطيم الإنسان المستعمر .كما أشار الي ان هناك من يري بان الطيب صالح ربما اخذ من جوزيف كورنراد في قلب الظلام فكرة روايته ولكن هذا لايسنده واقع ،وأيضا تحدث عن رمزيه خاصة استخدمها الطيب صالح في جميع أعماله وهي ذات دلالات معبره وهي ان ذكر الأب يكون معدوما في أعماله لانه يمثل الحاضر المهزوم فلذلك يلجا لذكر الجد والابن أي انه يتنقل بين الماضي والمستقبل دون التعرض للحاضر المأزوم ومحمد جميل يري ان الحنين هو المرتكز الأساسي لأعمال الطيب صالح بصورة عامه.
وكان اخرالمتحدث في هذه الندوة الصحفي مصطفي يوسف حامد ابتداء حديثه بان ليس هناك شخصيه سودانيه اتفقا حولها جميع السودانيين بمختلف اتجاهاتهم الفكرية غير الطيب صالح وأيضا تطرق لموضع ربما لم يكن مطروقا من قبل النقاد في أعمال الطيب صالح وهو يري ان الطيب لم يكن منتميا سياسيا ولكنه مارس السياسة بزخم في كل أعماله الروائية تقريبا فهو قد تنبأ بالتقاء الغرب والشرق في ظل توافر ظروف محددة فروايته موسم الهجرة ناقشت ذلك وفي دومة ودحامد يدعو الي الاتفاق وانه لاتوجد مبررات للاختلاف وفي ضوء البيت كان البطل مقبولا اجتماعيا فالطيب صالح أذن تناول العولمة في أعماله من وقت بعيد فهو يدعو الي التواصل بين الناس والحوار البناء وقبول الأخر.
ومن الملاحظ في هذه الندوة ان اجل المتحدثين اختزل تجربة الطيب صالح الروائية في (موسم الهجرة الي الشمال)ليس لاعتبارات كلها إبداعيه وقد يكون معهم حق في ذلك ولاسيما وان هذه الرواية قد صنفت من أفضل مائة رواية في القرن العشرين ووضعت حولها الكثير من البحوث والدراسات ونالت من التقريظ مالم تناله رواية أخري ،حتي انها لتمارس نوعا من السطوة الإبداعية التي عاني منها الطيب صالح نفسه كما اعترف ذات مره بذلك ولكن الحديث عناها بإسهاب دون الأخريات لايتماشي مع عنوان وشموليه عنوان الندوة وربما أدي الاهتمام بها دون الأعمال الاخري في وقت ما في حياة الطيب صالح نفسه جعل المبدع داخل الطيب صالح لايستطيع تجاوز هذه الرواية واخشي علي النقاد من انتقال هذه العدوة.وفي تقديري ان الطيب صالح لم يقرا بعد وأتوقع ان النقد القادم سيتناول الطيب صالح بشكل أجمل وأفضل.
عموما الندوة كانت تظاهره ثقافية رائعة تحسب لجمعية الصحفيين التي وكما عودتنا دائما علي مثل هذه الندوات رغم انها لم تسر كما هو مخطط له وذلك باعتزار الراوئي السعودي عبده خال في اللحظات الأخيرة والحضور المتواضع ولكن جهد مقدر وليله رائعة رغم كل الظروف.
الثلاثاء، يوليو 07، 2009
قراءة في عوالم أبّكر آدم إسماعيل الروائي
رواية الطريق إلى المدن المستحيلة :
تنتظم هذه الرواية في أربعة فصول هي: اللعبة الصغيرة: سيرة أولاد قرف- اللعبة الخطيرة: سيرة المدينة- اللعبة الكبرى: سيرة السراب- لعبة الزمن: سيرة الحلم.والرواية تقوم إذن باللعب والسيرة. فلنسرعْ إلى القول: سيرة البلاد والبشر: السيرة المجتمعية، مهما خلت من أو انطوت على الذاتي. ولنسرع إلى القول أيضاً: إن هذه الرواية تستهدي بما هو أسّ لهذا الفن ولكل فن، وبما ينطوي عليه من نظر إلى الحياة بحلوها ومرها. والعلامة الفارقة للعب هذه الرواية هي السخرية التي تفتقر إليها الرواية العربية بعامة، على الرغم مما أبدعه إميل حبيبي وغازي القصيبي، أو يسعى إليه آخرون مثل محمد أبو معتوق والميلودي شغموم وأمير تاج السر...يقدم الفصل الأول من هذه الرواية عصبة التلاميذ في المدرسة الشرقية الذين يذكّرون بعصبة المسرحية الشهيرة مدرسة المشاغبين. وستتابع الرواية مصائر أولاء عبر التحولات العميقة للمجتمع السوداني من انقلاب عسكري إلى انقلاب.إنهم القادمون من القاع الريفي والمديني، مقابل عصبة (أولاد كموش) من أبناء الذوات، والتي ستتلاشى أمام (أولاد قِرِف) الذين سيقل عددهم في المدرسة، مقابل تكاثرهم في المجتمع. ويتصل بأولاء من أبناء الجنوب السوداني مايان دينق ابن ضابط البوليس وجيمس آيول وبول أشيول. وإذا كان عثمان شربات- من العصبة يستغرب وجود جنوبيين في المدرسة، وإذا كان أيضاً أحمد سالم أبو خميس يستذكر من قريته اشتهار الجنوبي بلقب (الجنقاي) وعمله فقط الرعي أو التحطيب أو الشجار.. فإن ما يؤرق جومو- الذي سيستأثر بالكثير من الرواية. هو أن الجنوبيين مسيحيون، ولذلك يعتزم هداية صديقه جيمس آيول إلى الإسلام، ويستعير منه التوراة، وسيكون لقراءته لها فعل حاسم في تكوينه الروحي.من الكتابة على جدران المراحيض إلى مغازلة فتيات المدرسة الأميرية، والتدخين في الفصل، والتردد على حانة (تام زين) وماخور (زوبا).. تتوالى سيرة أولاد قرف في المدرسة، بقيادة علي إسماعيل (الكضاب) الذي اكتسب لقبه بسبب ما كان يروي للعصبة من قراءاته ومشاهداته قبل أن يتقاعد أبوه وتهدأ تنقلاته. وعشق الكضّاب لزهرة هو أيضاً امتيازه على العصبة. ومثل هذا من غرارات المراهقة سيكون ما بين جومو ونازك ابنة مدير المدرسة، مما سينسج مؤامرات العصبة وزهرة وصديقاتها ونازك وشقيقتها الكبرى سلمى.على الحب بين جو- مختصر جومو ونون- أي نازك- سيقوم رهان الرواية. فقد "انبجس النداء الأنثوي الذي كان يتعرج بين الأوامر الأزلية وكهوف التغييب الأصم، ليجد نفسه دفعة واحدة في البرية". وهذا ما سيشكل عصب حياة العاشقين، ابتداءً من مرض جو بالملاريا إلى مسلسل الرسائل، وشكوى زهرة من المدرسة "أو من السجن الإحنا فيهوه" كشكوى نازك وشقيقتها من المنازل- السجن.بانتقال المدير زين العابدين إلى كسلا- الفصل الثاني- تنعطف الرواية بالعاشقين منعطفهما الحاسم الذي سينعطف بالرواية أيضاً إلى الاشتغال بالتوازي على خط نازك وأسرتهما ومن سيجدّ، وعلى خط جو والعصبة ومن سيجدّ، فيما السخرية تتفجر، وهي التي نرى فيها من قبل (شعب جمهورية قرف) و (جنرالات قرف)، وقراءة العصبة لرسالة نازك إلى جو، استناداً إلى (قوانين الاشتراكية الطبيعية) وتجاوزاً لـ(نزعة الملكية الفردية). ومن قبل نرى (قانون الحضور المنزلي) في بيت نازك، و(طاولة المفاوضات) بين نازك وسلمى التي تحوك مؤامرة حضور حبيبها طارق إلى المنزل.. ثم يأتي وداع المدير في موكب "كموكب ديكتاتور في عيد انقلابه الذي اسمه الثورة" وتأتي خطبة المدير وبلاغته وقد ترقى في الاتحاد الاشتراكي- الحزب الحاكم- من فئوية المدينة إلى أمين المنظمات الفئوية والجماهيرية بمديرية القاش..يلحق جو بالعربة التي تنأى بحبيبته، ويفتضح أمرها، ويقع في المرض، وتفشو في المدينة حالة من العشق الجماعي له، ويغدو ونازك أسطورة، رمزها الحرفان الأولان من اسميهما (nj: نج). وبعد هرب جو من المستشفى إلى مرتع زوبا التي تعمل ساعتها البيولوجية بالتوقيت القمري، ولها شهورها الخاصة، ستعني العاهرات- الشكش بالعاشق المدنف المسرع إلى خيانة الرجال المحتومة. وسيلي عودته إلى المدرسة الاحتفال السنوي الذي يقدم فيه أولاد قرف مسرحية الشماسة، بإشراف الأستاذ عساكر الذي يغطي أمام مدير المدرسة على أفعال العصبة، إيماناً منه بجوهرهم المتمرد النظيف.في الطريق إلى المسرحية تقدم الرواية ما تحمل والدة جو لابنها من رمل قبة الشيخ أبو مفاريك، والحجاب (محاية مركزة) التي كتبها الفكي إساخا (إسحاق)، وكما تقدم قصة خال جو الزعيم الطلابي الذي جاب البلدان، ورفض الزواج الذي يهيئه أهلوه له من خدوج، وتزوج من زميلته في الجامعة، ثم مات في حادث غامض.تستوفي مسرحية الشماسة خمس عشرة صفحة من الرواية. وسيلوّن ما يؤول إليه جو من كتابة المسرح، أسلوبية الرواية، كما تلونها المتناصات من الغناء الشعبي ومن القصة ومن المفردات المحلية التي تستغلق غالباً على غير السوداني، كما يستغلق عليه كثير أو قليل من الحوار المكتوب العامية فقط، وفي هذا كله ما يجدد إشكالية الخصوصية والعامية- بل واللهجية- التي ما فتئت تنتأ منذ (عرس الزين) للطيب صالح إلى آخر رواية كتبها مغاربي.تستقي مسرحية الشماسة قاع المجتمع، وتهتك أسرار المدينة. ويحضر المحافظ العرض فيكون للمدينة (يوم النظافة العالمي) والمبارزة بالحناجر، وتكون هجمته على الناس في خطبة يقابلها الناس بالتصفيق الذي ظنه إعجاباً، لكن العكس هو الحقيقة، كما سيسّر السارد في نادرة من نوادر إفساده للسخرية بفظاظة حضوره.يرجم الشماشة الحقيقيون المسرح، ويغادر المحافظ، وتبرز (الجسارة الأنثوية) باندفاع زهرة وعزة وأنهار إلى الكوارل، ويستوي العرض بإنشاد الجميع، بعدما تألقت أسطورة المدينة في الغناء ندى عبد الواحد، ومن معها في فرقة إفريقيا الجديدة، ثم يأتي بالانقلاب العسكري، فيفر بعض قادة الاتحاد الاشتراكي والمنظمات الفئوية، حتى تبلغهم (شبه جملة) الرئيس القائد التي فلقوا الناس بها، فيعودون وقد خابت المحاولة الانقلابية، وبدأ حملة المحاكمات والإعدامات. وفي المدينة التي ليست غير (كومبارس أو كورس للسيدة الخرطوم) كبقية الأقاليم، يعتقل الأستاذ عساكر، ويقتل، فينعى باسم الاتحاد الاشتراكي وباسم المدرسة، لكن الحيلة لا تنطلي على الطلاب والناس، فيتظاهرون ويرجمون المؤسسات الحكومية، ويُصرع منهم ثلاثة ويختفي طلبة، ويغدو الأستاذ عساكر أغنية على كل الناس.هنا يهرب جو من المدرسة والمدينة، ويبدأ الفصل الثالث بلقائه في القطار بعبد الله إسحاق، وينزل في كوستي، ثم يتابع إلى الخرطوم ويعمل في البناء، ويكتشف مقام نازك من الجريدة التي تنقل أخبار أبيها، فيمضي إلى كسلا، ويرشده صبي إلى بيت المدير "الزول الكلاّم لّمن الرئيس جا". وعلى الرغم من أن جو لم يلتق نازك، فخبره يتناهى للمدير الذي يأمر بإبعاد المتبطلين من المدينة، وكان قد بدأ بمسلسل (الانفتاح الأحلامي) منذ انتقلت البلاغة من دهاليز المدرسة إلى دوائر المنظمات الفئوية، وصار المجد والسؤدد اللذان تغنى بهما في عهد التدريس، أكثر تعييناً: رشوى وصفقات وأطيان، ستتدرع بالدين وتكبر وترمح بابنه صلاح من موظف كبير في الرعاية الاجتماعية إلى موظف في بنك الجماعة (الإسلامية) التي باتت شريكاً في الحكم، وستشكل (حزب اللافتة)، فينضم المدير إليه وقد أقلعت به وبسواه شركة البركات للتجارة والاستيراد، والتي ستتطور من شركة محدودة إلى غير محدودة إلى ذات فرع وراء البحار.من (الشك المنهجي) في المدرسة يتطور الحال بالمدير إلى (الاعتقال التحفظي للمنقولات الخاصة) ببنيته، إثر افتضاح أمر جو ونازك، إلى متابعة الجراثيم (مطالعة البنتين) والفيروسات (رسائلهما) إلى سلم السلطة والمال والمجلل باليافطة الدينية.. هكذا ترسم سيرورة المدير سيروة المجتمع السوداني. وبالموازاة مع متابعة الرواية لهاتين السيرورتين تتابع شأن جو وصداقاته الجديدة مع بائع الترمس عبد الله إسحاق، الذي يجنّ، ومع الديكوريست عامر الذي سيهرب بعد اعتقال جو. كما تتابع الرواية بالتوازي وبالاشتباك مصائر أولاد قرف، فأبو خميس صار واعظاً، وشربات صار ضابط شرطة، يحاول أن يتجنب ضرب المتظاهرين، وشطة صار هداف الدوري، وبطيخة صار تاجراً لا يبخل على الأسر التي تتهاوى بتهاوي البلاد، وندى عبد الواحد صارت (شهبرة لهبرة) ونجمة الأغاني الهابطة التي يرى جو أنها أغان تصعد من القاع، والهبوط السوء هو فيما تصعد إليه.يتصل جو بذويه في الخرطوم، وتنضاف إلى شخصيات الرواية الخادمة عويضة في بيت وابن الخال ماجد عبد الرحمن الذي ستعري السخرية تقدميته كناشط في الجبهة الاشتراكية التقدمية، ومعبر عن (البرجوازية الاعتباطية). وستدفع القراءة وكتابة المسرح ومعمعة العيش بجو، مثلما يدفع به حب نازك ومراسلاتهما، إلى تكوين حزبه الشخصي من أولاد قرف المتكاثرين في قاع المجتمع. كما سيشكل مع علي إسماعيل وأنهار وآخرين جماعة الرصيف (اين رسمي أبو علي؟)، إلى أن تأتي القاصمة في الفصل الرابع.فنازك مضت إلى مصر لتتابع الدراسة مع شقيقها الدكتور عماد النقيض لصلاح. وفي عودة لعماد ونازك تغرق الباخرة ويقضيان، فتنظم ذكرى نون سنة بعد سنة زمن الرواية التي كانت من قبل تنظمه بالشهور والأيام. وعبر ذلك سيُسجن جو وعلي إسماعيل لحين، ويكتب جو المسرحية التي تحمل الرواية عنوانها، بينما يهاجر علي إسماعيل، ويكتب لصديقه عن الغزاة الداخلين كالغزاة الخارجيين. وبكوابيس جو- كوابيس السودان تنتهي الرواية بما يتوج المسار المروع على أي مستوى.
* * *
إذا كانت الرواية بذلك كله تقدم- كما كتب صنع الله إبراهيم على غلافها الأخير- المشهد السوداني المعاصر برؤية ساخرة، فمن المهم أن نشير إلى غياب فعل الحرب في الجنوب فيما قدمت الرواية، ومن ذلك- روائياً- غياب الطلاب الجنوبيين الذين ابتدأت بهم، ومن الجلي أيضاً أن التقية جعلت الكاتب يتحاشى تعيين الأسلمة التي عرفها السودان منذ عهد النميري. ولكن الأهم هو أن أبكر آدم إسماعيل قدم عملاً متفرداً، ليته يحظى بمراجعة لغوية توفر عليه تشويش الأخطاء الإملائية والنحوية.
رواية الطريق إلى المدن المستحيلة :
تنتظم هذه الرواية في أربعة فصول هي: اللعبة الصغيرة: سيرة أولاد قرف- اللعبة الخطيرة: سيرة المدينة- اللعبة الكبرى: سيرة السراب- لعبة الزمن: سيرة الحلم.والرواية تقوم إذن باللعب والسيرة. فلنسرعْ إلى القول: سيرة البلاد والبشر: السيرة المجتمعية، مهما خلت من أو انطوت على الذاتي. ولنسرع إلى القول أيضاً: إن هذه الرواية تستهدي بما هو أسّ لهذا الفن ولكل فن، وبما ينطوي عليه من نظر إلى الحياة بحلوها ومرها. والعلامة الفارقة للعب هذه الرواية هي السخرية التي تفتقر إليها الرواية العربية بعامة، على الرغم مما أبدعه إميل حبيبي وغازي القصيبي، أو يسعى إليه آخرون مثل محمد أبو معتوق والميلودي شغموم وأمير تاج السر...يقدم الفصل الأول من هذه الرواية عصبة التلاميذ في المدرسة الشرقية الذين يذكّرون بعصبة المسرحية الشهيرة مدرسة المشاغبين. وستتابع الرواية مصائر أولاء عبر التحولات العميقة للمجتمع السوداني من انقلاب عسكري إلى انقلاب.إنهم القادمون من القاع الريفي والمديني، مقابل عصبة (أولاد كموش) من أبناء الذوات، والتي ستتلاشى أمام (أولاد قِرِف) الذين سيقل عددهم في المدرسة، مقابل تكاثرهم في المجتمع. ويتصل بأولاء من أبناء الجنوب السوداني مايان دينق ابن ضابط البوليس وجيمس آيول وبول أشيول. وإذا كان عثمان شربات- من العصبة يستغرب وجود جنوبيين في المدرسة، وإذا كان أيضاً أحمد سالم أبو خميس يستذكر من قريته اشتهار الجنوبي بلقب (الجنقاي) وعمله فقط الرعي أو التحطيب أو الشجار.. فإن ما يؤرق جومو- الذي سيستأثر بالكثير من الرواية. هو أن الجنوبيين مسيحيون، ولذلك يعتزم هداية صديقه جيمس آيول إلى الإسلام، ويستعير منه التوراة، وسيكون لقراءته لها فعل حاسم في تكوينه الروحي.من الكتابة على جدران المراحيض إلى مغازلة فتيات المدرسة الأميرية، والتدخين في الفصل، والتردد على حانة (تام زين) وماخور (زوبا).. تتوالى سيرة أولاد قرف في المدرسة، بقيادة علي إسماعيل (الكضاب) الذي اكتسب لقبه بسبب ما كان يروي للعصبة من قراءاته ومشاهداته قبل أن يتقاعد أبوه وتهدأ تنقلاته. وعشق الكضّاب لزهرة هو أيضاً امتيازه على العصبة. ومثل هذا من غرارات المراهقة سيكون ما بين جومو ونازك ابنة مدير المدرسة، مما سينسج مؤامرات العصبة وزهرة وصديقاتها ونازك وشقيقتها الكبرى سلمى.على الحب بين جو- مختصر جومو ونون- أي نازك- سيقوم رهان الرواية. فقد "انبجس النداء الأنثوي الذي كان يتعرج بين الأوامر الأزلية وكهوف التغييب الأصم، ليجد نفسه دفعة واحدة في البرية". وهذا ما سيشكل عصب حياة العاشقين، ابتداءً من مرض جو بالملاريا إلى مسلسل الرسائل، وشكوى زهرة من المدرسة "أو من السجن الإحنا فيهوه" كشكوى نازك وشقيقتها من المنازل- السجن.بانتقال المدير زين العابدين إلى كسلا- الفصل الثاني- تنعطف الرواية بالعاشقين منعطفهما الحاسم الذي سينعطف بالرواية أيضاً إلى الاشتغال بالتوازي على خط نازك وأسرتهما ومن سيجدّ، وعلى خط جو والعصبة ومن سيجدّ، فيما السخرية تتفجر، وهي التي نرى فيها من قبل (شعب جمهورية قرف) و (جنرالات قرف)، وقراءة العصبة لرسالة نازك إلى جو، استناداً إلى (قوانين الاشتراكية الطبيعية) وتجاوزاً لـ(نزعة الملكية الفردية). ومن قبل نرى (قانون الحضور المنزلي) في بيت نازك، و(طاولة المفاوضات) بين نازك وسلمى التي تحوك مؤامرة حضور حبيبها طارق إلى المنزل.. ثم يأتي وداع المدير في موكب "كموكب ديكتاتور في عيد انقلابه الذي اسمه الثورة" وتأتي خطبة المدير وبلاغته وقد ترقى في الاتحاد الاشتراكي- الحزب الحاكم- من فئوية المدينة إلى أمين المنظمات الفئوية والجماهيرية بمديرية القاش..يلحق جو بالعربة التي تنأى بحبيبته، ويفتضح أمرها، ويقع في المرض، وتفشو في المدينة حالة من العشق الجماعي له، ويغدو ونازك أسطورة، رمزها الحرفان الأولان من اسميهما (nj: نج). وبعد هرب جو من المستشفى إلى مرتع زوبا التي تعمل ساعتها البيولوجية بالتوقيت القمري، ولها شهورها الخاصة، ستعني العاهرات- الشكش بالعاشق المدنف المسرع إلى خيانة الرجال المحتومة. وسيلي عودته إلى المدرسة الاحتفال السنوي الذي يقدم فيه أولاد قرف مسرحية الشماسة، بإشراف الأستاذ عساكر الذي يغطي أمام مدير المدرسة على أفعال العصبة، إيماناً منه بجوهرهم المتمرد النظيف.في الطريق إلى المسرحية تقدم الرواية ما تحمل والدة جو لابنها من رمل قبة الشيخ أبو مفاريك، والحجاب (محاية مركزة) التي كتبها الفكي إساخا (إسحاق)، وكما تقدم قصة خال جو الزعيم الطلابي الذي جاب البلدان، ورفض الزواج الذي يهيئه أهلوه له من خدوج، وتزوج من زميلته في الجامعة، ثم مات في حادث غامض.تستوفي مسرحية الشماسة خمس عشرة صفحة من الرواية. وسيلوّن ما يؤول إليه جو من كتابة المسرح، أسلوبية الرواية، كما تلونها المتناصات من الغناء الشعبي ومن القصة ومن المفردات المحلية التي تستغلق غالباً على غير السوداني، كما يستغلق عليه كثير أو قليل من الحوار المكتوب العامية فقط، وفي هذا كله ما يجدد إشكالية الخصوصية والعامية- بل واللهجية- التي ما فتئت تنتأ منذ (عرس الزين) للطيب صالح إلى آخر رواية كتبها مغاربي.تستقي مسرحية الشماسة قاع المجتمع، وتهتك أسرار المدينة. ويحضر المحافظ العرض فيكون للمدينة (يوم النظافة العالمي) والمبارزة بالحناجر، وتكون هجمته على الناس في خطبة يقابلها الناس بالتصفيق الذي ظنه إعجاباً، لكن العكس هو الحقيقة، كما سيسّر السارد في نادرة من نوادر إفساده للسخرية بفظاظة حضوره.يرجم الشماشة الحقيقيون المسرح، ويغادر المحافظ، وتبرز (الجسارة الأنثوية) باندفاع زهرة وعزة وأنهار إلى الكوارل، ويستوي العرض بإنشاد الجميع، بعدما تألقت أسطورة المدينة في الغناء ندى عبد الواحد، ومن معها في فرقة إفريقيا الجديدة، ثم يأتي بالانقلاب العسكري، فيفر بعض قادة الاتحاد الاشتراكي والمنظمات الفئوية، حتى تبلغهم (شبه جملة) الرئيس القائد التي فلقوا الناس بها، فيعودون وقد خابت المحاولة الانقلابية، وبدأ حملة المحاكمات والإعدامات. وفي المدينة التي ليست غير (كومبارس أو كورس للسيدة الخرطوم) كبقية الأقاليم، يعتقل الأستاذ عساكر، ويقتل، فينعى باسم الاتحاد الاشتراكي وباسم المدرسة، لكن الحيلة لا تنطلي على الطلاب والناس، فيتظاهرون ويرجمون المؤسسات الحكومية، ويُصرع منهم ثلاثة ويختفي طلبة، ويغدو الأستاذ عساكر أغنية على كل الناس.هنا يهرب جو من المدرسة والمدينة، ويبدأ الفصل الثالث بلقائه في القطار بعبد الله إسحاق، وينزل في كوستي، ثم يتابع إلى الخرطوم ويعمل في البناء، ويكتشف مقام نازك من الجريدة التي تنقل أخبار أبيها، فيمضي إلى كسلا، ويرشده صبي إلى بيت المدير "الزول الكلاّم لّمن الرئيس جا". وعلى الرغم من أن جو لم يلتق نازك، فخبره يتناهى للمدير الذي يأمر بإبعاد المتبطلين من المدينة، وكان قد بدأ بمسلسل (الانفتاح الأحلامي) منذ انتقلت البلاغة من دهاليز المدرسة إلى دوائر المنظمات الفئوية، وصار المجد والسؤدد اللذان تغنى بهما في عهد التدريس، أكثر تعييناً: رشوى وصفقات وأطيان، ستتدرع بالدين وتكبر وترمح بابنه صلاح من موظف كبير في الرعاية الاجتماعية إلى موظف في بنك الجماعة (الإسلامية) التي باتت شريكاً في الحكم، وستشكل (حزب اللافتة)، فينضم المدير إليه وقد أقلعت به وبسواه شركة البركات للتجارة والاستيراد، والتي ستتطور من شركة محدودة إلى غير محدودة إلى ذات فرع وراء البحار.من (الشك المنهجي) في المدرسة يتطور الحال بالمدير إلى (الاعتقال التحفظي للمنقولات الخاصة) ببنيته، إثر افتضاح أمر جو ونازك، إلى متابعة الجراثيم (مطالعة البنتين) والفيروسات (رسائلهما) إلى سلم السلطة والمال والمجلل باليافطة الدينية.. هكذا ترسم سيرورة المدير سيروة المجتمع السوداني. وبالموازاة مع متابعة الرواية لهاتين السيرورتين تتابع شأن جو وصداقاته الجديدة مع بائع الترمس عبد الله إسحاق، الذي يجنّ، ومع الديكوريست عامر الذي سيهرب بعد اعتقال جو. كما تتابع الرواية بالتوازي وبالاشتباك مصائر أولاد قرف، فأبو خميس صار واعظاً، وشربات صار ضابط شرطة، يحاول أن يتجنب ضرب المتظاهرين، وشطة صار هداف الدوري، وبطيخة صار تاجراً لا يبخل على الأسر التي تتهاوى بتهاوي البلاد، وندى عبد الواحد صارت (شهبرة لهبرة) ونجمة الأغاني الهابطة التي يرى جو أنها أغان تصعد من القاع، والهبوط السوء هو فيما تصعد إليه.يتصل جو بذويه في الخرطوم، وتنضاف إلى شخصيات الرواية الخادمة عويضة في بيت وابن الخال ماجد عبد الرحمن الذي ستعري السخرية تقدميته كناشط في الجبهة الاشتراكية التقدمية، ومعبر عن (البرجوازية الاعتباطية). وستدفع القراءة وكتابة المسرح ومعمعة العيش بجو، مثلما يدفع به حب نازك ومراسلاتهما، إلى تكوين حزبه الشخصي من أولاد قرف المتكاثرين في قاع المجتمع. كما سيشكل مع علي إسماعيل وأنهار وآخرين جماعة الرصيف (اين رسمي أبو علي؟)، إلى أن تأتي القاصمة في الفصل الرابع.فنازك مضت إلى مصر لتتابع الدراسة مع شقيقها الدكتور عماد النقيض لصلاح. وفي عودة لعماد ونازك تغرق الباخرة ويقضيان، فتنظم ذكرى نون سنة بعد سنة زمن الرواية التي كانت من قبل تنظمه بالشهور والأيام. وعبر ذلك سيُسجن جو وعلي إسماعيل لحين، ويكتب جو المسرحية التي تحمل الرواية عنوانها، بينما يهاجر علي إسماعيل، ويكتب لصديقه عن الغزاة الداخلين كالغزاة الخارجيين. وبكوابيس جو- كوابيس السودان تنتهي الرواية بما يتوج المسار المروع على أي مستوى.
* * *
إذا كانت الرواية بذلك كله تقدم- كما كتب صنع الله إبراهيم على غلافها الأخير- المشهد السوداني المعاصر برؤية ساخرة، فمن المهم أن نشير إلى غياب فعل الحرب في الجنوب فيما قدمت الرواية، ومن ذلك- روائياً- غياب الطلاب الجنوبيين الذين ابتدأت بهم، ومن الجلي أيضاً أن التقية جعلت الكاتب يتحاشى تعيين الأسلمة التي عرفها السودان منذ عهد النميري. ولكن الأهم هو أن أبكر آدم إسماعيل قدم عملاً متفرداً، ليته يحظى بمراجعة لغوية توفر عليه تشويش الأخطاء الإملائية والنحوية.
الاثنين، يوليو 06، 2009
متاهة قوم سود ذووثقافة بيضاء
متاهة قوم سود...ذوو ثقافة بيضاءما وددت أن أكون غير ذلك الرجل الذي يرقد تحت جلديوالذي لابد أن أعرفه بقلم د. الباقر العفيف ترجمة الخاتم عدلانخلفية الدراسة :تشتعل في السودان حرب هي الأطول عمراً في أفريقيا، وربما في العالم كله. استمرت هذه الحرب ثلاثين عاماً، قتل فيها 1،9 مليوناً وشرد 5 ملايين. وقد قتل منذ أن استولت هذه الحكومة على الحكم عام 1989م، بسبب الحرب والمجاعة الناتجة عنها، عدد أكبر مما قتل في الحروب البوسنية والرواندية والصومالية مجتمعة . وفي محاولاتهم لفهم جذور الحرب، اتبع المؤرخون والمحللون السياسيون السودانيون، منهجين. الجيل الأول من هؤلاء ركز بصورة أساسية علي القوى الاستعمارية، ومخططاتها المحسوبة لفصل الجنوب عن الشمال ببذر بذور الكراهية في الجنوب. و لكن وبعد أكثر من أربعة عقود من الحكم الوطني ما تزال الحرب قائمة فحسب، بل تفاقمت, واتخذت سيماؤها الدينية الكامنة, شكلها الواضح والمكتمل. وقد دفع هذا الواقع أجيالاً جديدة من السودانيين للتفكير في الأمر بصورة مختلفة. وهنا برز المنهج الثاني، لينقل مركز الاهتمام من العدو "الخارجي" إلى العدو "الداخلي" عندما يحاول الوصول إلى جذور الحرب، باعتبارها نزاعاً بين الهويتين الرئيسيتين في البلاد: الشمال والجنوب. وهناك الآن اتفاق واسع بين السودانيين، شماليين وجنوبيين علي حد سواء، أن بلادهم تعاني أزمة الهوية الوطنية. وأصبحت الحرب بالنسبة لهم وبصورة جوهرية، حرباً للرؤى، كما عبر عن ذلك تعيراً بليغاً، فرانسيس دينق ، الشخصية السودانية الجنوبية البارزة . وقد سعى الشمال الذي يشعر بأنه عربي ومسلم، إلى تعريف البلاد كلها على هذا الأساس. وهو لم يكتف فقط بمقاومة كل محاولات القطاع غير العربي لتوصيف السودان باعتباره جزءً من أفريقيا السوداء . بل بذل جهداً خارقاً لاستيعاب الجنوب من خلال سياسات التعريب والأسلمة، وسعى إلى تحويل الهوية الجنوبية إلى انعكاس مشوه للذات الشمالية. ولكن الجنوب، الذي نظر إلى المشروع كنوع من الاستنساخ الثقافي، قاوم هذه الاتجاهات دون هوادة. ولكن هذه الدراسة تذهب خطوة أبعد، وتبحث، على مستوي اعمق، عن جذور هذه الحرب.أنها تسلط الأضواء على النزاع داخل الهوية الشمالية التي تقود إلى النزاع الأكبر بين الهويتين الجنوبية والشمالية.أنها تحاول الكشف عن العلاقة بين الانشطارات التي سببتها النخبة الشمالية الحاكمة علي مستوى البلاد، وتصدعات النفس الشمالية ذاتها، وتحديد ما إذا كانت الأولى، هي في نفس الوقت ، عرضاً للثانية وعلامة عليها. وهكذا فإن هذه الدراسة تحاول إنجاز تحول أخر، بنقل الانتباه من الازدواجية الخارجية التي تميز الانقسام الشمالي/ الجنوبي، إلى الازدواجية الداخلية التي تعاني منها الذات الشمالية. تعريف الهوية:-يعرف قاموس وبستر الجديد، للغة الإنجليزية، الهوية باعتبارها "تماثل الخصائص الجينية الأساسية في عدة أمثلة أو حالات أو تماثل كل ما يحدد الواقع الموضوعي للشيء المعين: تماثل الذات، الواحدية ، تماثل تلك الأشياء التي لا يمكن التمييز بين آحادها إلا بخصائص عرضية أو ثانوية. الإدراك الناتج عن التجربة المشتركة، هو أحد حالات هذا التماثل. أو وحدة الشخصية واستمرارها: وحدة وشمولية الحياة أو الشخصية أو حالة التوحد مع شئ موصوف، مزعوم أو مؤكد أو حيازة شخصية مدعاة" . إذا شئنا تحديد هوية الشخص، فربما نحتاج لمعرفة اسمه أو اسمها، لونه، خلفيته الاثنية أو الثقافية، والموقع الذي يحتله وسط الجماعة. هناك، إذن ، وجهان للهوية، أحدهما أصلي، بدائي، ومعطى، والأخر مصنوع ومختار . فالهوية في نفس الوقت ذاتية وموضوعية، شخصية واجتماعية، ومن هنا طبيعتها، المتفلتة ، العصية على التحديد. ويملك الأفراد تشكيلة واسعة من الهويات الممكنة. إذ يمكن أن تكون لهم هويات عرقية أو اثنية، قومية أو دينية، أو حتى هويات خاصة بالمدن التي يقيمون فيها . ويرتبط الحديث حول الهويات الشخصية، ارتباطا وثيقاً، بمجال الخطاب الجينوي. ومع إن الخصائص البيولوجية هي خصائص موضوعية، إلا أن الهويات الفردية تعني شيئاً أكثر من ذلك. فهي تشتمل على دلالة ذاتية لوجود مستمر وذاكرة منسجمة ومترابطة منطقياً . الدلالة الذاتية للهوية هي الإحساس بالوحدانية والاستمرارية الشخصية ، الإحساس بالانتماء إلي منظومة راسخة من القيم التي تكون الاتجاه العقلي والأخلاقي للمرء، وتعطى الأفراد خصائصهم المتفردة. إنها تمكن الفرد من تحقيق حياة ممتلئة وكثيفة. في مثل هذه اللحظات يمكن أن يقال أن الشخص حقق ذاته أو ذاتها. وصار "متصالحاً مع جسده أو جسدها". وعلى وئام مع بيئته أو بيئتها ومع نظامه أو نظامها الرمزي. ولكن الذي يقوم هذه الدلالة الذاتية، هو الخصائص الموضوعية، والتي يمكن التعرف عليها من قبل الآخرين. الهوية دينامية أيضاً ومستجيبة للظروف المتغيرة. وهي قابلة للتحول مع التقنيات والنظم الثقافية والسياسية المتغيرة . وهي استراتيجية. فالناس يتبنون هويات معينة لأسباب استراتيجية مثل "التمكين" وقبل كل هذه العوامل وبعدها، هناك الإرث التاريخي لأجدادنا الذي "يحط بثقله في تحديد من نحن وماذا يمكن أن نكون . الهوية إذن إدعاء للعضوية يستند إلى كل أنواع النمطيات مثل العرق، الجنس ، النوع، الطبقة ، الطائفة، الدين، الثقافة ... الخ . إنها الطريقة التي يعرّف بها الناس أنفسهم، ويعرفهم بها الآخرون، على أساس من الأنماط السابقة . تعريف التماهي :-Identificationقاموس العلوم الاجتماعية يعرف التماهي باعتباره "الميل للتقليد،و/ أو عملية تقليد سلوك شئ ما. وربما يدل كذلك على عملية التمازج العاطفي، أو حالة هذا التمازج الناجزة، مع هذا الشيء ذاته." . وقد استخدم س. فرويد، هذا المصطلح في علم النفس، لأول مرة عام 1899. إذ قال أن "التماهي هو التعبير المبكر عن الرابطة العاطفية مع شخص أخر". يتماهي الفرد مع شخص أخر "كمثال للذات " بوصفه شخصاً يريد أن يكونه، أكثر مما يريد أن يمتلكه. وهذا ما يجعله مهماً في سلوك المجموعات. وهو يفسر حاجة الفرد ومقدرته علي الارتباط، وقوة الروابط العاطفية. المشار إليها، كخصائص جوهرية للبشر. وهو يذكر في نفس الوقت" الأصل الطفو لي لعملية التماهي، ويفترض أن هذا الأصل الطفولي هو الذي يفسر بقاءها على مستوي اللاوعي، وقوتها كعامل تحفيزي، وتظاهراتها اللاعقلانية والنكوصية في بعض الأحيان. ولكن التماهي بالنسبة إليه ليس مجرد محاكاة، بل هو بالأحرى تمثل يستند إلى سلسلة سببية متشابهة .ن. سانفورد يعارض مقولات فرويد ويقول أن التماهي، علي عكس ما يقول فرويد ، هو عملية واعية ، وأن المحاكاة هي اللا واعية، ويعرف ج. ب سيوارد، التماهي بأنه "استعداد عام لمحاكاة سلوك أحد النماذج" ويتحدث فرويد عن ثلاثة مستويات للتماهي. وتقول فرضيته أن التماهي يتخذ أولاً شكل الارتباط العاطفي بشيء ما. ثم يصبح بديلاً عن الرابطة الجنسية، وكأنما يتخذ شكل امتصاص أو تشرب أو تمثل الشيء في الذات. ثم يؤدي في النهاية إلى بروز إحساس جديد بخاصية مشتركة مع شص أخر ، أو مجموعة أخري. ويميز شيلر بين نوعين من أنواع التماهي، هما الايديوباثي أي الذاتي؛ والهتروباثي، أي الغيري. يحدث التماهي الايديوباثي من خلال "اضمحلال الذات الأخرى وامتصاصها من قبل الذات المتماهية"، بينما في التماهي الهتروباثي "تتضاءل الذات المتماهية أمام هيمنة وجيشان النموذج" .تكوين الذات:المفهوم الكلاسيكي يقول أن الذوات الاجتماعية تمثل معطيات أصلية، أو بدئية، موروثة مثل الخصائص البيولوجية. ولكن هذا المفهوم يخلي الساحة الآن لمفهوم أخر هو أن الهويات تتكون وتصنع اختيارياً ، وهي في حالة مستمرة من التكوين . ولكن اختيارات الناس لهوياتهم محكومة ومحدودة بالعوامل المعطاة مثل ملامحهم، أسرهم ، جماعاتهم، تواريخهم، ثقافاتهم...الخ, تكوين الشخصية ، بالنسبة لاريكسون ، عملية يستطيع الفرد من خلالها :"أن يحكم على نفسه على ضوء الطريقة التي يعتقد أن الآخرين يحكمون عليه من خلالها، مقارنين اياه بأنفسهم، وينمط حيوي بالنسبة لهم، ولكنه في نفس الوقت يحكم على الطريقة التي يتصورنه بها على ضوء تصوره هو لذاته بالقياس إليهم،وبالقياس إلى الأنماط التي أصبحت هامة بالنسبة إليه" ."يقول خبراء علم النفس الاجتماعي، إن تماهي الفرد مع أية مجموعة، مثلاً، الطبقة الاجتماعية، أو الجماعة العرقية أو الاثنية،هو في الغالب الأكثر شمولاً من كل العمليات النفسية المرتبطة مباشرة بالسلوك الاجتماعي .التماهي مع المجموعة المهيمنة مثلاً يحدث عندما "يستبطن (الفرد) منظومة الأدوار الخاصة بالمجموعة، ويعتبر نفسه أحد أفرادها" وهذا يحدث من خلال التمثل الثقافي. ويعبر ديفيد ليتين عن ذلك بقوله:"التمثل الثقافي شبيه باعتناق الدين، وكما توضح أدبيات التحولات الدينية بصورة قاطعة، فإن ما يعتبر مسلكاً برغماتياً بالنسبة لهذا الجيل،يعتبره الجيل الذي يليه أمراً طبيعياً. ولذلك فإن الأطفال الذين ينشئون في ظل الجماعات الدينية، سيلجأون، مدفوعين بضغوط السلطات الدينية، إلى توبيخ آبائهم على ما يعتبرونه مسلكهم المنافق" . وهذا الرأي يشابه مفهوم دي فواه عن الهويات المصنوعة" كهويات منحرفة". فهي تدل بالنسبة إليه "على نفعية بلغت مبلغ الشطط" وتمثل علامة على "الاختلال الداخلي" ، الذي يحدث في شروط اجتماعية محدده تمارس تأثيراً هائلاً على الإدراك الذاتي للهوية الشخصية . فرغم طبيعتها المصنوعة، فإن "مكونات الفرد تستطيع إدراج الفرد في سياقها بل حتى استعماره" .في ثنايا تكوين الهويات الاجتماعية، هناك دائماً مجموعة داخلية، تمثل الهوية الاجتماعية المبتغاة، ومجموعة هامشية، تحتاج إلى الموازنة حتى تتماهى مع النموذج. وفي مثل هذه الحالات، فإن الأولى تمثل اللب، وتحتل مركز الصدارة من تلك الهوية الاجتماعية، بينما تمثل الثانية الدائرة الخارجية وتحتل الهامش. الأولى مستحوذة على الامتيازات، والثانية تبحث عن ذلك. الأولى تملك صلاحيات إضفاء الشرعية على الثانية أو حرمانها منها. ويلجأ شارلس تيلور إلى استخدام مصطلحي "التعرّف، والغيرية". ويقول أن هويات البشر "تتكون جزئياً بالتعرف أو غيابه، أي بالانتباه إلى غيرية الآخرين" .وعلى سبيل المثال، بينما تمثل الطبقات الوسطي والعليا، مركز الهوية الأمريكية، فإن السود واليابانيين ...الخ الأمريكيين يمثلون تخوم هذه الهوية. ويحتكر المركز الحق في الاعتراف أو عدمه، بهذه المجموعات. ويمكن للتوتر بين المركز والتخوم أو الهوامش أن يظل مكتوماً، أو فاعلاً علي مستويات أدنى في الأوقات العادية والسلمية. وتبدو عباءة الهوية وكأنما هي قادرة على نشر أجنحتها ومد ظلالها على كل المجموعات التي تكون الأمة. ولكن المركز يلجأ في لحظات التوتر إلي استغلال صلاحيات الاعتراف أو إساءة استخدامها. ويمكن حينها أن يسحب المظلة عن أية مجموعة هامشية إذا رأى أن الضرورة تستدعى ذلك. وقد حدث هذا بالفعل في الحرب العالمية الثانية، حينما تم احتجاز اليابانيين الأمريكيين في معسكرات الاعتقال، لأن ولاءهم لأمريكا صار موضع شك من قبل مركز الهوية الأمريكية، ويمكن الاستدلال على الأسلوب الانتقائي للمركز في استخدام صلاحيات الاعتراف وسحب الاعتراف، بأن الأمريكيين الألمان لم يتم اعتقالهم، بالرغم من أن ألمانيا كانت هي القوة الرئيسية في دول المحور الأوربية. ولذلك قرر المركز أن يسحب الاعتراف عن الأمريكيين اليابانيين أثناء الحرب، وإعادته إليهم بعدها. ويمكن أن تقول نفس الشي عن بريطانيا، حيث تمثل الهوية الإنجليزية مركز الهوية البريطانية. فمن الملاحظ أن مصطلح "إنجليزي" يستخدم كثيراً من قبل المجتمع الإعلامي ندما يكون المقصود "بريطاني"، وهو ما يسبب الضيق للوطنيين باسكوتلاندة وويلز. وتلاحظ الجماعات السوداء البريطانية أيضاً أن وسائل الإعلام البريطانية المركزية تطلق على الرياضيين الأفرو كاريبيين صفة "بريطانيين" عندما يكسبون الميداليات لبريطانيا، وصفة "كاريبيين" عندما يخسرون.هذه الأمثلة توضح التوترات بين المركز والهامش داخل كل هوية، كما تشير إلى ديناميات وعمليات الاعتراف وسحب الاعتراف التي تشتغل بين المركز والهامش.
تغيير الهوية:-مستنداً على نموذج ابتدعه توماس شيللنج، يحاول ليتين تفسير تحولات الهوية عن طريق "منظومات" السلوك وما يترتب عليها من "ميول". وتحدث منظومات السلوك عندما يتكون سلوك الناس أو أفعالهم مستندة إلى، ومدفوعة بتوقعاتهم لما يمكن أن يفعله الآخرون. وعندما تفكر أعداد كبيرة من الناس في المجموعة، أن أعضاءها الآخرين سيفكرون بطريقة معينة، وسيتصرفون وفق ذلك التفكير، فإن المجموعة"تميل" أو "تنتقل" فجأة من نظامها المعتاد قبل نمط السلوك الجديد، إلى نظام آخر جديد. ولتوضيح كيفية "ميل" المجموعات واستوائها يورد ليتين المثال التالي:" خذ حالة واحد أو اثنين من الأفرو –أمريكيين يشتريان منزلين بضاحية "بيضاء" مستقرة. فجأة تفكر العائلات البيضاء، وقد اندفعت كل منها بالخوف من أن تكون آخر أسرة بيضاء بالضاحية، في بيع منازلها. ولكن الأفرو أمريكيين هم وحدهم الراغبون في الشراء. وبسرعة خاطفة "تتحول" أو "تميل" الضاحية من بيضاء إلى أفرو- أمريكيين" .تتحول الهوية بنفس الطريقة، أي تستوي وتنتظم في سياق متخيل . ويعطينا ديفيد ليتين، في دراسته الميدانية للجالية الروسية بأستونا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتقلص حدوده، مثالاً واضحاً على تحول الهوية. وقد قام بشرح الجهود التي بذلها الأفراد الروس، وقد وجدوا أنفسهم غرباء وسط مجتمعات كانوا يهيمنون عليها في يوم من الأيام، للتأقلم مع الواقع الجديد. وقد اجتهد الروس باستونيا للحصول على الجنسية الأستونية. فبدأوا يدرسون اللغة الأستونية التي لم يشعروا بضرورة دراستها قبل انهيار الاتحاد، إذ كان الأستونيون هم المجبرون على دراسة اللغة الروسية. ويستنتج ليتين أن رغبة هؤلاء الناس في الحفاظ على سلامة عائلاتهم، وفي تفادي الإبعاد، أعطتهم حافزاً لتحويل الهوية. وهذا بدوره يضع الأساس لصنع هوية أستونية لأحفادهم، وهذا يعني إنهم كمجموعة، يتحركون نحو "انقلاب" هويتهم . تعيش المجتمعات عادة في توازن. وفي هذه الحالات تشعر الجماعات أن العالم ثابت ثباتاً مطلقاً. حينها تكون الهويات بمأمن من الشكوك، ولا تكون هناك حوافز للتغيير، ويشترك الجميع في تصور ضمني لمن يكونون. وتضطلع النخب الثقافية والسياسية، لكل مجموعة،بإصباغ المعني على هذا التوازن، بإنتاج المعتقدات، والمحاذير، والمبادئ ، والأساطير والنظم الرمزية. في هذه المرحلة يمكن وصف المجموعة بأنها حققت ذاتها، أي إنها تعيش في انسجام مع بيئتها، وتري العالم بأم عينها. ولكن الحوادث والاضطرابات يمكن أن تزلزل التوازن، وتشيع عدم الاستقرار وسط الجماعة، وتقود إلى أزمة هوية، وتدفع بعض الناس إلى استكشاف هويات جديدة. في هذه الحالة غالباً ما تنقسم النخبة الثقافية والسياسية إلى أولئك الذين يحاولون الدفاع عن الوضع القائم، وأولئك الذين يحاولون خلق منظومة جديدة، تحقق توازناً جديداً
تغيير الهوية:-مستنداً على نموذج ابتدعه توماس شيللنج، يحاول ليتين تفسير تحولات الهوية عن طريق "منظومات" السلوك وما يترتب عليها من "ميول". وتحدث منظومات السلوك عندما يتكون سلوك الناس أو أفعالهم مستندة إلى، ومدفوعة بتوقعاتهم لما يمكن أن يفعله الآخرون. وعندما تفكر أعداد كبيرة من الناس في المجموعة، أن أعضاءها الآخرين سيفكرون بطريقة معينة، وسيتصرفون وفق ذلك التفكير، فإن المجموعة"تميل" أو "تنتقل" فجأة من نظامها المعتاد قبل نمط السلوك الجديد، إلى نظام آخر جديد. ولتوضيح كيفية "ميل" المجموعات واستوائها يورد ليتين المثال التالي:" خذ حالة واحد أو اثنين من الأفرو –أمريكيين يشتريان منزلين بضاحية "بيضاء" مستقرة. فجأة تفكر العائلات البيضاء، وقد اندفعت كل منها بالخوف من أن تكون آخر أسرة بيضاء بالضاحية، في بيع منازلها. ولكن الأفرو أمريكيين هم وحدهم الراغبون في الشراء. وبسرعة خاطفة "تتحول" أو "تميل" الضاحية من بيضاء إلى أفرو- أمريكيين" .تتحول الهوية بنفس الطريقة، أي تستوي وتنتظم في سياق متخيل . ويعطينا ديفيد ليتين، في دراسته الميدانية للجالية الروسية بأستونا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتقلص حدوده، مثالاً واضحاً على تحول الهوية. وقد قام بشرح الجهود التي بذلها الأفراد الروس، وقد وجدوا أنفسهم غرباء وسط مجتمعات كانوا يهيمنون عليها في يوم من الأيام، للتأقلم مع الواقع الجديد. وقد اجتهد الروس باستونيا للحصول على الجنسية الأستونية. فبدأوا يدرسون اللغة الأستونية التي لم يشعروا بضرورة دراستها قبل انهيار الاتحاد، إذ كان الأستونيون هم المجبرون على دراسة اللغة الروسية. ويستنتج ليتين أن رغبة هؤلاء الناس في الحفاظ على سلامة عائلاتهم، وفي تفادي الإبعاد، أعطتهم حافزاً لتحويل الهوية. وهذا بدوره يضع الأساس لصنع هوية أستونية لأحفادهم، وهذا يعني إنهم كمجموعة، يتحركون نحو "انقلاب" هويتهم . تعيش المجتمعات عادة في توازن. وفي هذه الحالات تشعر الجماعات أن العالم ثابت ثباتاً مطلقاً. حينها تكون الهويات بمأمن من الشكوك، ولا تكون هناك حوافز للتغيير، ويشترك الجميع في تصور ضمني لمن يكونون. وتضطلع النخب الثقافية والسياسية، لكل مجموعة،بإصباغ المعني على هذا التوازن، بإنتاج المعتقدات، والمحاذير، والمبادئ ، والأساطير والنظم الرمزية. في هذه المرحلة يمكن وصف المجموعة بأنها حققت ذاتها، أي إنها تعيش في انسجام مع بيئتها، وتري العالم بأم عينها. ولكن الحوادث والاضطرابات يمكن أن تزلزل التوازن، وتشيع عدم الاستقرار وسط الجماعة، وتقود إلى أزمة هوية، وتدفع بعض الناس إلى استكشاف هويات جديدة. في هذه الحالة غالباً ما تنقسم النخبة الثقافية والسياسية إلى أولئك الذين يحاولون الدفاع عن الوضع القائم، وأولئك الذين يحاولون خلق منظومة جديدة، تحقق توازناً جديداً
الثلاثاء، يونيو 30، 2009
الأعراف القبلية في المناقل بين لوزة القطن وأبناء أبي رغال الوطنيين؟؟؟؟
الأعراف القبلية في المناقل بين لوزة القطن وأبناء أبي رغال الوطنيين؟؟؟؟
بقلم :مصعب مصطفي الجز ولي- المحامي
melgzoli@yahoo.com
بدأت في الأيام الفائتة ولربما اتية تليها كثيرا من اللغط والاخبار والاراويج عن صدامات وصراعات قبلية بمنطقة المناقل التي ظلت منذ الأزل منطقة جذب وانصهار للقومية السودانية وقد سمت علي النعرات الضيقة ولاتعرف الا الولاء للوطن الكبير وبها تجمع سكاني لايقبل نسيجه تفككا ولذلك فان أي أصوات تنادي بالعودة القهقري هي أصوات نشاذ غير مسموعة وسوف يذهب صداها أدراج الرياح وهذا السهل المنبسط شهد استقرار منذ زمن بعيد وتعايش بين قبائله المختلفة لم يسبق له مثيل والدليل علي ذلك وجود قري قديمة يرجع تاريخها لمئات السنين.
ومن جانب أخر فان الظلم الذي حاق بقري امتداد المناقل والإهمال والصمت المريب الذي تبديه الجهات المسئولة كل ذلك جعل البعض يتساءل في حرقة وألم هل الحكومة لاتتعامل الا مع من يحمل السلاح؟؟؟؟
وخاصة وان محلية المناقل التي تعد من كبري محليات ولاية الجزيرة والتي يقارب سكانها المليون نسمة وتضم (650) قرية تقريبا لا تتمتع بالكهرباء منها سوي (28 قرية) ،أما البقية فهي في ظلام دامس منذ الأزل وما أن حان موعد الانتخابات حتي بدا أبناءها الرغاليون (نسبة إلي أبي رغال القرشي دليل أبرهة لهدم الكعبة)يتاجرون بقضايا هولاء المواطنين الكادحين الذين يئنون تحت وطاءة الفقر وذلك من اجل الكسب السياسي الرخيص .
ورغم ذلك فان الجميع في تلك المنطقة ضد حمل السلاح ويدينون أي صوت ينادي بحمله ولو همسا ولكن نخشي أن يؤدي التمادي والظلم والإهمال لتهيئة المناخ لذوي الأجندة الخبيثة لاستغلال هذه الثغرة ومحاولة النفاذ منها والنار من مستصغر الشرر.
وعلي الغلاة القبائليين أن يعملوا علي تحمل المسئولية المجتمعية بكل تبعاتها وفواتيرها الباهظة والالتزام الأخلاقي والأدبي تجاه انسان تلك المنطقة وانتشاله من ثالوث الفقر والمرض والجهل بدلا من الارتماء في أحضان القبلية التي طفت علي السطح بصورة تدعو إلي الاندهاش والاستغراب كما أنها لايسندها منطق ولا يدعمها واقع ولا تقضيها المصلحة العامة وان تدلت علي شئ أنما تدل علي فقدان بوصلة القومية لدي تلك القيادات أو الكيانات وعدم النضج السياسي طالما انها اتخذت كأداة لتصفية الحسابات السياسية وعلي مواطني تلك المنطقة أن يفوتوا الفرصة علي أصحاب الأجندة الغامضة حتي لايتخذوا منهم دروع بشرية لتحريضهم لإشعال الشرارات الأولي فيكونوا (المحرقة) بينما يضع هم أيديهم في المياه الباردة.
وعلي الجميع وخاصة قيادات الموتمر الوطني الذين يستغلون مواطني تلك المنطقة لأغراضهم الضيقة أن أرادوا لهذه المنطقة المشاركة في صنع الإحداث أن يصححوا مفاهيمهم البائدة وان يقدموا مايقنع الناس وينفعهم وخاصة ان مواطني المنطقة قد تجاوزوا كافة الولاءات التقليدية كما ان زمن استغفال الجماهير واستغلالهم قد مضي بعد سقوط الأقنعة وانكشاف الزيف وان يبتعدوا عن انتهاج نهج (أبي رغال القرشي) الذي كان دليل أبرهة لهدم الكعبة وخاصة وان حرمة دم المسلم اشد من حرمة هدم الكعبة كما جاء في حديث مامعناه(لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون علي الله من اراقة دم مسلم)وإذا كان هولاء لايفهمون ذلك آما آن للمواطنين المغرور بهم ان يفهموا؟؟؟؟؟
بقلم :مصعب مصطفي الجز ولي- المحامي
melgzoli@yahoo.com
بدأت في الأيام الفائتة ولربما اتية تليها كثيرا من اللغط والاخبار والاراويج عن صدامات وصراعات قبلية بمنطقة المناقل التي ظلت منذ الأزل منطقة جذب وانصهار للقومية السودانية وقد سمت علي النعرات الضيقة ولاتعرف الا الولاء للوطن الكبير وبها تجمع سكاني لايقبل نسيجه تفككا ولذلك فان أي أصوات تنادي بالعودة القهقري هي أصوات نشاذ غير مسموعة وسوف يذهب صداها أدراج الرياح وهذا السهل المنبسط شهد استقرار منذ زمن بعيد وتعايش بين قبائله المختلفة لم يسبق له مثيل والدليل علي ذلك وجود قري قديمة يرجع تاريخها لمئات السنين.
ومن جانب أخر فان الظلم الذي حاق بقري امتداد المناقل والإهمال والصمت المريب الذي تبديه الجهات المسئولة كل ذلك جعل البعض يتساءل في حرقة وألم هل الحكومة لاتتعامل الا مع من يحمل السلاح؟؟؟؟
وخاصة وان محلية المناقل التي تعد من كبري محليات ولاية الجزيرة والتي يقارب سكانها المليون نسمة وتضم (650) قرية تقريبا لا تتمتع بالكهرباء منها سوي (28 قرية) ،أما البقية فهي في ظلام دامس منذ الأزل وما أن حان موعد الانتخابات حتي بدا أبناءها الرغاليون (نسبة إلي أبي رغال القرشي دليل أبرهة لهدم الكعبة)يتاجرون بقضايا هولاء المواطنين الكادحين الذين يئنون تحت وطاءة الفقر وذلك من اجل الكسب السياسي الرخيص .
ورغم ذلك فان الجميع في تلك المنطقة ضد حمل السلاح ويدينون أي صوت ينادي بحمله ولو همسا ولكن نخشي أن يؤدي التمادي والظلم والإهمال لتهيئة المناخ لذوي الأجندة الخبيثة لاستغلال هذه الثغرة ومحاولة النفاذ منها والنار من مستصغر الشرر.
وعلي الغلاة القبائليين أن يعملوا علي تحمل المسئولية المجتمعية بكل تبعاتها وفواتيرها الباهظة والالتزام الأخلاقي والأدبي تجاه انسان تلك المنطقة وانتشاله من ثالوث الفقر والمرض والجهل بدلا من الارتماء في أحضان القبلية التي طفت علي السطح بصورة تدعو إلي الاندهاش والاستغراب كما أنها لايسندها منطق ولا يدعمها واقع ولا تقضيها المصلحة العامة وان تدلت علي شئ أنما تدل علي فقدان بوصلة القومية لدي تلك القيادات أو الكيانات وعدم النضج السياسي طالما انها اتخذت كأداة لتصفية الحسابات السياسية وعلي مواطني تلك المنطقة أن يفوتوا الفرصة علي أصحاب الأجندة الغامضة حتي لايتخذوا منهم دروع بشرية لتحريضهم لإشعال الشرارات الأولي فيكونوا (المحرقة) بينما يضع هم أيديهم في المياه الباردة.
وعلي الجميع وخاصة قيادات الموتمر الوطني الذين يستغلون مواطني تلك المنطقة لأغراضهم الضيقة أن أرادوا لهذه المنطقة المشاركة في صنع الإحداث أن يصححوا مفاهيمهم البائدة وان يقدموا مايقنع الناس وينفعهم وخاصة ان مواطني المنطقة قد تجاوزوا كافة الولاءات التقليدية كما ان زمن استغفال الجماهير واستغلالهم قد مضي بعد سقوط الأقنعة وانكشاف الزيف وان يبتعدوا عن انتهاج نهج (أبي رغال القرشي) الذي كان دليل أبرهة لهدم الكعبة وخاصة وان حرمة دم المسلم اشد من حرمة هدم الكعبة كما جاء في حديث مامعناه(لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون علي الله من اراقة دم مسلم)وإذا كان هولاء لايفهمون ذلك آما آن للمواطنين المغرور بهم ان يفهموا؟؟؟؟؟
الأربعاء، يونيو 24، 2009
مشروع الجزيرة مابين دهشة هيكل وامال لويد واطماع الاقطاعين الجدد
مشروع الجزيرة مابين دهشة هيكل وأمال لويد وأطماع الإقطاعيين الجدد
قام المستعمر بسن قانون تسجيل الأراضي الذي بموجبه تم تسجيل مشروع الجزيرة وقام المشروع علي مساحة تقدر بحوالي 2.200.000فدان وتوزع ملكيتها كالأتي:
1/ الحكومة تمتلك 1.300.000فدان
2/ الملاك الاهالي900.000فدان (الملك الحر في الجزيرة حوالي518.000فدان و382.000فدان في المناقل وبقيام امتداد المناقل في عام 1958م وامتداد عبد الماجد كمشروع اعاشي في عام1963م أصبح المشروع يسمي فيما بعد بمشروع الجزيرة والمناقل.
وقد استبشر مواطنو الجزيرة خيرا بقيام هذا المشروع وقد عكس شغف المواطنين وفرحتهم بقيام هذا المشروع الصحفي المصري (محمد حسين هيكل ) نقله الاستاذ حسن نجيله في كتابه (ملامح من المجتمع السوداني) عندما كان هيكل مرافقا للمندوب السامي البريطاني اللورد(جورج لويد) عند زيارته للسودان لافتتاح خزان مكوار أو سنار في يناير من سنة 1926م عندما رأي هيكل الحسود الضخمة من المواطنين تتدفق نحو هذه القرية لتشهد افتتاح الخزان فهنا رفع حاشد الدهشة وهتف ماذا أري؟؟؟ماهذة الألوف المؤلفة وهنا بدا يتساءل هيكل هل كل أولئك الناس قد كانوا يسعون لرؤية الماء ينزل في ترعة الجزيرة؟ فلندع هيكل ودهشته جانبا ونستمع لخطاب اللورد لويد عند افتتاح الخزان الذي جاء فيه(ويجب أن يكون من نتائج هذا المشروع ليس فقط ازدياد رفاهية المزارعين بل يجب أن يعود بفائدة عاجلة لرأس المال الكبير الذي انفق في إنشائه) كان المستعمر يري بان هذا المشروع في حدة الادني سوف يحقق لإنسان المشروع الرفاهية غير مايعود من إرباح ولكن هذه الآمال سرعان ماتبخرت وأصبح مزارع المشروع يزداد فقرا علي فقره في ظل الوضع الماثل من ارتفاع التكلفة والجبايات التي لأسقف لها وضعف التمويل القائم علي أسس ظالمة وتدني العائد فالحكومات الوطنية لم تنشء مشروع الجزيرة بل إضافة فقط حكومة عبود امتداد المناقل ولكنها ساهمت مجتمعة في تدهور المشروع الذي بدا في التدهور في مطلع السبعينات من القرن الماضي وذلك بتغيير الظروف الدولية والسياسية بصفة عامة بعد قرار (نميري)بالتوسع الزراعي الأفقي ونتج عن هذا القرار ظهور عدة مشاكل في المشروع أهمها:
1/ تدني الأحوال المعيشية للمزارعين بسبب التضخم وتبعية الاقتصاد السوداني للرأسمالية الدولية وبلغ التدهور ذروته في مطلع الثمانينيات عند دخول صندوق النقد والبنك الدولي في البرنامج الاقتصادي لإعادة تعمير المشاريع المروية في الفترة من عام 1978م الي عام1981م والبرنامج الثلاثي للفترة من 1981م الي1985م وأخيرا انتهجت حكومة الإنقاذ سياسة السوق الحر وتحرير الأسعار ووضعت برنامجها الثلاثي للأعوام 1990م-1991م تهدف الخطة الي إلغاء دور الحكومة في القطاع الزراعي وخصخصة القطاع الاقتصادي كهدف استراتيجي مما كان له أثره الواضح في اهتمام بالتوسع الأفقي دون الاهتمام بتحسين علاقات الإنتاج لصالح المزارعين وقد زاد الطين بله بإصدار قانون مشروع الجزيرة لسنة2005م الذي صحب إصداره الكثير من التعتيم والعجالة وعزل الرأي العام عن المشاركة في مداولاته مع الإصرار علي استباق الزمن لعرض المشروع علي المجلس الوطني والتغيير الذي أحدثه هذا القانون في أمر الملكية مقارنة مع كل ماسبقه من قوانين يعني في ظاهره انجاز لصالح المزارع بتمليكه الحواشة وبرغم ماوجد من قبول من قادة اتحاد المزارعين وبعض الاخرين لشئ في النفوس فما هو ألا تزيين لأمر سمج وقبيح وخدعة كبري سيكون لها مابعدها من انعكاسات مدمرة علي وضع المزارع الذي يئن تحت وطاة الفقر ممايضطره تحت ضغط الحياة التي يعيشها الي اللجوء مكرها الي الوقوع في الفخ المعد له والمتمثل في الحق المكفول له بموجب أحكام هذا القانون وهو حق بيع الحواشة لتؤول من بعده لطبقة الإقطاعيين الجدد وهي طبقة طفيلية متسارعة النمو في الوسط الزراعي علي حساب الغالبية المسحوقة من المزارعين ليتحقق بذلك الهدف المقصود في نهاية المطاف من المخطط المرسوم لتدمير المشروع وهتك النسيج الاجتماعي بالمشروع وعلي الدولة أن تعي الدور المناط لها القيام به في هذه المرحلة الحرجة من عمر المشروع أن أرادت رفع الغبن عن كاهل مزارعي المشروع الذين لم يتمردوا يوما علي الوطن ولم يخرجوا عن الطاعة ويرفعوا السلاح وحينما فعلوا ذلك كان في وجه المستعمر فقط (ثورة عبد القادر ودحبوبة) فعلي الدولة أن تقوم بتعويض الملاك (ملك حر) في الوقت الحاضر أسوة بماهو حاصل في مشروع مروي وسكر النيل الابيض وغيرها مثل مناطق البترول وإعادة النظر في هذا القانون الذي خلق فجوة إدارية واضحة بإسناد أمر التمويل الي المزارع قليل الثقافة في التعامل مع البنوك مما يعرضه الي أن تباع حواشته بواسطة البنك وهناك الكثير من الماخذ علي هذا القانون التي يجب تداركها وعليها أيضا وضع إصلاح زراعي يؤمن انتفاع طويل الأمد لجمهور المزارعين .
وأخيرا بقراءة لواقع المشروع فقد زادت نسبة الفقر وسط المزارعين وضعف ارتباطهم بالارض رغم انه تاريخي متوارث من الأجداد حيث أصبحوا يحافظون عليها كشكل تاريخي مما دفع أعدادا كبيرة من المزارعين وأبنائهم للهجرة الداخلية أو خارج الوطن.
قام المستعمر بسن قانون تسجيل الأراضي الذي بموجبه تم تسجيل مشروع الجزيرة وقام المشروع علي مساحة تقدر بحوالي 2.200.000فدان وتوزع ملكيتها كالأتي:
1/ الحكومة تمتلك 1.300.000فدان
2/ الملاك الاهالي900.000فدان (الملك الحر في الجزيرة حوالي518.000فدان و382.000فدان في المناقل وبقيام امتداد المناقل في عام 1958م وامتداد عبد الماجد كمشروع اعاشي في عام1963م أصبح المشروع يسمي فيما بعد بمشروع الجزيرة والمناقل.
وقد استبشر مواطنو الجزيرة خيرا بقيام هذا المشروع وقد عكس شغف المواطنين وفرحتهم بقيام هذا المشروع الصحفي المصري (محمد حسين هيكل ) نقله الاستاذ حسن نجيله في كتابه (ملامح من المجتمع السوداني) عندما كان هيكل مرافقا للمندوب السامي البريطاني اللورد(جورج لويد) عند زيارته للسودان لافتتاح خزان مكوار أو سنار في يناير من سنة 1926م عندما رأي هيكل الحسود الضخمة من المواطنين تتدفق نحو هذه القرية لتشهد افتتاح الخزان فهنا رفع حاشد الدهشة وهتف ماذا أري؟؟؟ماهذة الألوف المؤلفة وهنا بدا يتساءل هيكل هل كل أولئك الناس قد كانوا يسعون لرؤية الماء ينزل في ترعة الجزيرة؟ فلندع هيكل ودهشته جانبا ونستمع لخطاب اللورد لويد عند افتتاح الخزان الذي جاء فيه(ويجب أن يكون من نتائج هذا المشروع ليس فقط ازدياد رفاهية المزارعين بل يجب أن يعود بفائدة عاجلة لرأس المال الكبير الذي انفق في إنشائه) كان المستعمر يري بان هذا المشروع في حدة الادني سوف يحقق لإنسان المشروع الرفاهية غير مايعود من إرباح ولكن هذه الآمال سرعان ماتبخرت وأصبح مزارع المشروع يزداد فقرا علي فقره في ظل الوضع الماثل من ارتفاع التكلفة والجبايات التي لأسقف لها وضعف التمويل القائم علي أسس ظالمة وتدني العائد فالحكومات الوطنية لم تنشء مشروع الجزيرة بل إضافة فقط حكومة عبود امتداد المناقل ولكنها ساهمت مجتمعة في تدهور المشروع الذي بدا في التدهور في مطلع السبعينات من القرن الماضي وذلك بتغيير الظروف الدولية والسياسية بصفة عامة بعد قرار (نميري)بالتوسع الزراعي الأفقي ونتج عن هذا القرار ظهور عدة مشاكل في المشروع أهمها:
1/ تدني الأحوال المعيشية للمزارعين بسبب التضخم وتبعية الاقتصاد السوداني للرأسمالية الدولية وبلغ التدهور ذروته في مطلع الثمانينيات عند دخول صندوق النقد والبنك الدولي في البرنامج الاقتصادي لإعادة تعمير المشاريع المروية في الفترة من عام 1978م الي عام1981م والبرنامج الثلاثي للفترة من 1981م الي1985م وأخيرا انتهجت حكومة الإنقاذ سياسة السوق الحر وتحرير الأسعار ووضعت برنامجها الثلاثي للأعوام 1990م-1991م تهدف الخطة الي إلغاء دور الحكومة في القطاع الزراعي وخصخصة القطاع الاقتصادي كهدف استراتيجي مما كان له أثره الواضح في اهتمام بالتوسع الأفقي دون الاهتمام بتحسين علاقات الإنتاج لصالح المزارعين وقد زاد الطين بله بإصدار قانون مشروع الجزيرة لسنة2005م الذي صحب إصداره الكثير من التعتيم والعجالة وعزل الرأي العام عن المشاركة في مداولاته مع الإصرار علي استباق الزمن لعرض المشروع علي المجلس الوطني والتغيير الذي أحدثه هذا القانون في أمر الملكية مقارنة مع كل ماسبقه من قوانين يعني في ظاهره انجاز لصالح المزارع بتمليكه الحواشة وبرغم ماوجد من قبول من قادة اتحاد المزارعين وبعض الاخرين لشئ في النفوس فما هو ألا تزيين لأمر سمج وقبيح وخدعة كبري سيكون لها مابعدها من انعكاسات مدمرة علي وضع المزارع الذي يئن تحت وطاة الفقر ممايضطره تحت ضغط الحياة التي يعيشها الي اللجوء مكرها الي الوقوع في الفخ المعد له والمتمثل في الحق المكفول له بموجب أحكام هذا القانون وهو حق بيع الحواشة لتؤول من بعده لطبقة الإقطاعيين الجدد وهي طبقة طفيلية متسارعة النمو في الوسط الزراعي علي حساب الغالبية المسحوقة من المزارعين ليتحقق بذلك الهدف المقصود في نهاية المطاف من المخطط المرسوم لتدمير المشروع وهتك النسيج الاجتماعي بالمشروع وعلي الدولة أن تعي الدور المناط لها القيام به في هذه المرحلة الحرجة من عمر المشروع أن أرادت رفع الغبن عن كاهل مزارعي المشروع الذين لم يتمردوا يوما علي الوطن ولم يخرجوا عن الطاعة ويرفعوا السلاح وحينما فعلوا ذلك كان في وجه المستعمر فقط (ثورة عبد القادر ودحبوبة) فعلي الدولة أن تقوم بتعويض الملاك (ملك حر) في الوقت الحاضر أسوة بماهو حاصل في مشروع مروي وسكر النيل الابيض وغيرها مثل مناطق البترول وإعادة النظر في هذا القانون الذي خلق فجوة إدارية واضحة بإسناد أمر التمويل الي المزارع قليل الثقافة في التعامل مع البنوك مما يعرضه الي أن تباع حواشته بواسطة البنك وهناك الكثير من الماخذ علي هذا القانون التي يجب تداركها وعليها أيضا وضع إصلاح زراعي يؤمن انتفاع طويل الأمد لجمهور المزارعين .
وأخيرا بقراءة لواقع المشروع فقد زادت نسبة الفقر وسط المزارعين وضعف ارتباطهم بالارض رغم انه تاريخي متوارث من الأجداد حيث أصبحوا يحافظون عليها كشكل تاريخي مما دفع أعدادا كبيرة من المزارعين وأبنائهم للهجرة الداخلية أو خارج الوطن.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
