" الإجراءات التي أتخذها ليست إلا تدبيرا جذريا للإسراع في تفجير الحقيقة والوصول للعدالة".ولكن لدي شغف واحد: تنوير الذين تم حجبهم في الظلام، وباسم الإنسانية معاونة هؤلاء الذي عانوا الكثير ولهم حق التمتع بالسعادة.رسالتي رسالة احتجاج نارية وما هي الا مجرد صرخة روحي.دعوهم يتجرؤن ويجلبونني أمام محكمة قانونية، وليتم التحقيق معي في وضح النهار! " إميل زولا ،"إنى أتهم! "(1898)

الثلاثاء، يوليو 21، 2009

امثال سودانية

التسويها بايدك تغلب اجاويدك
الباب البجيب الريح سدو واستريح
الماشاف البحر تخلعوا الترعة
المال تلتوا ولا كتلتوا
القلم ما بزيل بلم
القرد في عين امه غزال
سمح الغنا في خشم سيدو
الولادة صغرة والمشي صباح
قلبي على جناى وقلب جناي على حجر
درب السلامة للحول قريب
تعيس الحظ يلاقي العضم في الفشفاش
البيرقص ما بيغطي دقنو
بليلة مبشر ولا زبيحة مكشر
الما كلوا الدبيب يخاف من جر الحبل
الخير في الملعون زي الشرة في القندول
الجمرة تحرق الواطيها
المايهدي الكريم تعبان
البفكك من اكل التوم قل اكلو
الراجل افجخي بصلة قبل ما يبقي اصلة
رزقاً تكوسلوا ورزقا يكوسلك

الاثنين، يوليو 20، 2009

قراءة في (موسم الهجرة إلى الشّمال) لـ الطيّب صالح ... آمال عوّاد رضوان

الطّيّب صالح هجيرُ صرخة في موسمِ الهجرة
قراءة في (موسم الهجرة إلى الشّمال) لـ الطيّب صالح
آمال عوّاد رضوان

قراءةٌ شاركتُ بها في ندوةٍ أدبيّة خاصّةٍ أقامَها الصّالونُ الثقافيُّ العربيّ في النّاصرةِ، عن الرّوائيِّ الرّاحلِ الطّيب صالح، وذلك يوم الاثنين الموافق 23-3-2009 ، حولَ سيرته الذاتية ومسيرتِهِ الأدبيّةِ وإنجازاتِهِ الإبداعيّةِ والرّوائيّةِ!
نبذة قصيرة عن سيرة الطيب صالح: (1929- 2009)
من مواليد السودان، مارس التدريس في السودان ثم هاجر عام 1952 إلى لندن، فعمل في الإذاعة البريطانيّة، وعمل خبيرًا بالإذاعة السودانيّة 1967، ونالَ شهادةً في الشّؤونِ الدّوليّةِ في إنجلترا، وتولّى منصبَ مستشارٍ في مقرِّ اليونسكو في باريس، وشغلَ منصبَ ممثّلِ اليونسكو في دول الخليج ومقره قطر في الفترة (1984 – 1989).
مِن روائعِهِ الأدبيّةِ: "موسمُ الهجرةِ إلى الشّمال)، و(ضوّ البيت)، و(عُرسُ الزّين)، و(مريود)، و(دومة ود حامد)، و(بندر شاه).
استطاعَ أن يُثريَ المكتبةَ العربيّةَ والمؤتمرات الثّقافيّةَ والمحافلَ الفكريّةَ بإبداعاتِهِ الرّوائيّةِ ومقالاتِهِ، وقد دعتْ بعضُ الجمعيّاتِ والمؤسّساتِ الثّقافيّةِ السّودانيّةِ إلى ترشيحِ الطّيّبِ صالح لجائزةِ نوبل للآدابِ، إذ صُنّفتِ الرّوايةُ كواحدةٍ مِن أفضلِ مئةِ روايةٍ في القرنِ العشرين، ونالتِ العديدَ مِنَ الجوائزِ الّتي تناولتْ لقاءَ الثّقافاتِ وتفاعلَها. وقد ساهمَ النّاقدُ الرّاحلُ رجاء النقّاش في تعريفِ القارئِ العربيِّ بها، لتصبحَ فيما بعد إحدى المعالمِ المُهمّةِ للرّوايةِ العربيّةِ المعاصرةِ.
في التسعينيّات، مَنعتِ السّلطاتُ السّودانيّةُ تداولَ الرّوايةِ "موسم الهجرة إلى الشمال"، بحجّةِ تضمّنِها مَشاهد ذات طابعٍ جنسيّ. وقد صدرَ حولَ الرّوايةِ مؤلَّفٌ عامٌّ بعنوانِ "الطّيّب صالح عبقريّ الرّوايةِ العربيّة"، لمجموعةٍ مِن الباحثينَ في بيروت، تناولَ لغتَهُ وعالمَهُ الرّوائيَّ بأبعادِهِ وإشكالاتِهِ 1976.
مصطفى سعيد شخصيّةٌ محوريّةٌ في الرّواية كملخّص:
شخصٌ غريبٌ لا يملكُ القدرةَ على المحبّةِ والتّعاطفِ الإنسانيِّ، علاقتُهُ بأمِّهِ وببلدِهِ كانَ ينقصُها الحبُّ والحنانُ والانتماءُ والعطاءُ ولغةُ التّحاورِ، يقولُ: "مثلَ جبلٍ ضربتُ خيمتي عندَهُ، وفي الصّباحِ قلعتُ الأوتادَ، وأسرجتُ بعيري، وواصلتُ رحلتي". وعندما بلَغَهُ نبأُ وفاتِها وقد كان مخمورًا قالَ: "لم أشعرْ بأيِّ حزنٍ، كأنَّ الأمرَ لا يعنيني في كثيرٍ أو قليلٍ".
كانَ يُحرّكُهُ قلبُهُ الأجوفُ رغمَ امتلاكِهِ عقليّة فذّة، كانَ جميلُ الطّلعةِ ذكيّا، تَدفعُهُ نزواتُهُ الجنسيّةُ والمادّيّةُ، وقد انسجمَ بشكلٍ فائقٍ ومذهلٍ في الحياةِ الأوروبيّةِ، خاصّةً في ملاحقةِ النّساءِ، جاعلاً مِن شقّتِهِ معبدَ إغراءٍ وإغواءٍ بأعوادِ البخورِ وأكاذيبَ غضّةٍ عن النّيلِ والأساطير.
تزوّجَ مصطفى سعيد غريبُ الأطوارِ المتطرّفُ مِن جين، الفتاةِ المتحرّرة بتطرّف، وشكّلا ثنائيًّا غريبًا في مواجهةِ الثّقافاتِ بتناقضاتِها، وانتهى بهِ الأمرُ إلى إغمادِ الخنجرِ في صدرِها، بحسبِ رغبتِها.
وقد أدركَ القاضي أنّ المأساةَ الحقيقيّةَ لمصطفى سعيد تتلخّصُ في قولِهِ: "إنّكَ يا مستر سعيد، رغمَ تفوّقِكَ العلميّ رجلٌ غبيّ. إنّ في تكوينِكَ الرّوحيِّ بقعةً مظلمةً. لذلك فقد بدّدتَ أنبلَ طاقةٍ يمنحُها اللهُ للنّاس. طاقةُ الحبّ".
وبعدَ سجْنٍ دامَ سبعُ سنواتٍ تركَ لندن، واستقرَّ في بلدٍ ريفيٍّ على ضفّةِ النّيلِ مع غموضِهِ وأسرارِهِ، وتزوّجَ مِن فتاةٍ ريفيّةٍ وأنجبَ طفليْن، وكانَ عنصرًا إيجابيّا فاعلاً رغمَ انطوائيّتِهِ وتكتّمِهِ، إلاّ أنّهُ كانَ محبوبًا، وقد حاولَ الانسجامَ معَ الحياةِ الرّيفيّةِ مِن جديد، مُخادعًا نفسَهُ بمرارةٍ، حيثُ التقى الكاتبَ ليَشيهِ بعضَ خيوطِ أسرارِهِ وهو مخمورًا، فيتكلّمُ الانجليزيّةَ والشِّعرَ بطلاقةٍ، ثم يختفي فجأةً إمّا انتحارًا أو غرقًا، أو ربّما هروبًا وانسحابا، مِن عجْزِهِ على غزوِ أوروبّا، وبسببِ استعمارِهِ فكريًّا واستعمارِ بلادِهِ، فقد آثرَ الهروبَ، وترَكَ أسرارَهُ بجانبِ مدفأةٍ تحملُ ما تحملُ مِن دلالاتٍ، إمّا الدّفءَ أو الاحتراقَ أو.... !
مميّزاتُ إبداعِ الطّيّب صالح في مواسِمِ الهجرةِ إلى الشّمال:
*الفكرةُ المركزيّةُ في الرّوايةِ: تحدّثَ عن قضايا إنسان العالم الثّالثِ وهمومِهِ وآلامِهِ، وأفراحِهِ وإحباطاتِهِ، بجوهرِهِ الطّيّبِ وظاهرِهِ الخبيثِ، ببساطتِهِ وتعقيداتِهِ، الّذي حاولَ عقلُهُ استيعابَ حضارةِ الغربِ بقدرتِهِ على الفعلِ والإنجازِ، وكذلكَ تحدّثَ عن أثرِ التّطوّراتِ العالميّةِ حولَ قضيّةِ الهجرةِ والمهاجرينَ، مِن خلالِ السّردِ المُتباينِ بينَ أمكنةٍ وأزمنةٍ أوروبيّةٍ وإفريقيّةٍ، محاوِلاً أن يكونَ وسيطًا بينَ هذهِ الثّقافاتِ، رغمَ العقباتِ المتلاحقةِ وصراعِ الحضاراتِ المشتعلِ.
*أحدثَ ثورةً على الرّوايةِ العربيّةِ وهيكليّةِ السّردِ الموسومةِ بصراعاتٍ حادّةٍ، وقد وطّدَ بلباقةٍ بينَ المزْجِ التّجريبيِّ التّحديثيِّ، وبينَ التّقليديِّ القديمِ، فلم يجترَّ التّراثَ الرّوائيِّ، بل اهتمَّ بشكلٍ ومضمونٍ مغايِرٍ، فصوّغَها بعنايةٍ شعريّةٍ فائقةٍ، وبإبداعٍ متكاملٍ مشبَعًا بالحياةِ والصّورِ المتحرِّكةِ المفاجئةِ تتنقلُ بينَ الهدوءِ والصّخبِ، والتّشويقِ والتّوثيقِ، وبينَ التّصويرِ والسّردِ.
*الشّخصيّاتُ الرّوائيّةُ النّابضةُ بالحياةِ اختلقَها بفنّيّةٍ رائعةٍ في نصوصِهِ الرّوائيّةِ، فجعلَها متجدّدةً وفقًا لمقتضياتِ الزّمانِ والمكانِ والأحداثِ، مُصوِّرًا بعينِ شفافيّتِهِ البارعةِ أعماقَ همومِها اليوميّةِ، وتفاصيلَ العلاقاتِ بينَ البشرِ والأشياءِ، مِن أجلِ التّغلّبِ على صراعِها المريرِ، وقد هيّأَ لها الأجواءَ المبتكرةَ وأشكالَ حياةٍ تُناسبُها، مازجًا بينَ ألوانِ الواقعِ مِن جهةٍ، وخيالِهِ ورؤيتِهِ مِن جهةٍ أخرى.
*أسلوبُهُ يتّسمُ بنضوجٍ فكريٍّ وانفتاحٍ كبيرٍ على الإدراكِ الذّاتيِّ، فجاءَ مُثيرًا متلاحقًا جريئًا ومميّزًا في طرْقِ مواضيعَ مسكوت عنها، وخاصّةً العلاقات بينَ الرّجُلِ والمرأة، وطرْحِ المشاكلِ بطريقةٍ متفرِّدةٍ في التّعبيرِ وبعُمقٍ فكريٍّ وفنّيٍّ راقٍ، وذلكَ لخبرتِهِ العميقةِ في التّنقّلِ المستمرِّ، ومعرفتِهِ بقضايا وطموحاتِ أُمّتِهِ، وقد لمَسَ التّناقضاتِ بينَ البيئاتِ المختلفةِ، فزادتْهُ التصاقًا وتمسُّكًا ببيئتِهِ الحميمةِ.
*اللّغةُ عذبةٌ مُوحِيةٌ تتوهّجُ بالمشاهدِ المحلّيّةِ البسيطةِ، وخاصّةً بأثَرِ البيئةِ السودانيّةِ الرّيفيّةِ، وبالتّالي بتشكيلِها اللّغويّ ونسيجِها الشّعريِّ الأخّاذِ، ممّا جعلَها تُلامسُ الواقعَ إلى حدٍّ قريبٍ، وقدِ انسابتْ بحرّيّةٍ وبمهارةٍ واستفاضةٍ في أدقِّ التّفاصيلِ المتداخلةِ.
الرّوايةُ تناولتْ عدّةَ محاور:
*الرّسالةَ الأساسيّةَ والجوهريّةَ الّتي يُنادي بها هي التّناغمُ بينَ الحياةِ والأحياءِ، مِن خلالِ تأصيلِ المحبّةِ والتّسامحِ في المجتمعاتِ والعائلاتِ، لمواجهةِ صعوباتِ الحياةِ وصراعِ الحضاراتِ.
*تناولتِ الاستعمارَ والهيمنةَ الغربيّةَ على الدّولِ الأفريقيّةِ، والنّظرةَ المتعاكسةُ لصورةِ العربيِّ القادمِ مِن بلاد السِّحرِ والغموضِ بعيونِ الأوروبيِّ ، والأوروبيُّ المستعمِرُ بعيونِ الشّرقيِّ، وخاصّةً آثارَ الاستعمارِ على المتعلِّمينَ في الغربِ.
*تناولتِ الصِّدامَ بينَ الحضاراتِ والثّقافاتِ وبينَ ثنائيّاتِ التّقاليدِ الشّرقيّةِ والغربيّةِ، وبينَ الشّخصيّاتِ المُتلبِّسةِ بغموضِها وتناقضاتِها.

* تناولتِ الوضعَ الاجتماعيَّ للمرأةِ وختانَ المرأةِ وحرّيّةَ تقريرِ المصيرِ، والّذي انتهى بقتلِ عجوزِ الشّهوةِ، ومن ثمّ بالانتحار. يقول:
"فلاتة والمصريّون وعرب الشام أليسوا مسلمين مثلنا؟ لكنهم ناس يعرفون الأصول يتركون نساءهم كما خلقهن الله،، أما نحن فنجزُّهُنَّ كما تُجزُّ البهيمة".

*تناولتْ الكثيرَ مِن القضايا السّياسيّةِ والاجتماعيّةِ، ومثّلَها بالرّجلِ والمرأةِ والموتِ والحياةِ، موحِيًا إلى أزمةِ الصّراعِ الكثيفِ بينَ استعمارِ الحضاراتِ، وبينَ ما تُخلِّفُهُ مِن انتكاساتٍ وأزماتٍ حياتيّةٍ.
*تناولتِ الموتَ كسلطانٍ بأنواعِهِ وطرُقِهِ، مِن وفاةٍ وقتلٍ وانتحارٍ، بمعانيهِ ودوافعِهِ، بدلالاتِهِ بالنّسبةِ للأنثى وللرّجلِ، مِن ذلٍّ وضعفٍ ورفضٍ وخطيئةٍ وإثمٍ وكبرياءَ وعنفٍ وتضحيةٍ وانتقامٍ.
*تناولتِ الارتباطَ بالوطنِ والرّيفِ:
فقد اختزنَ عقلُهُ موسوعةً مِن الألفاظِ والأمثالِ الشّعبيّةِ، وحنينًا مفصِّلاً لأبسطِ الأمورِ، كرائحةِ التّربةِ والثّمارِ وأصواتِ النّخلِ والطّيرِ والنّسيمِ، ولم تُفلحِ الغربةُ في محْوِها مِن ذاكرتِهِ، بل تردّدتْ في أقوالِ شخصيّاتِهِ (المونولوج والدّيالوج).
فيحدّثُنا عن بيتِ جدِّهِ: «خليطٌ مِن روائحَ متناثرةٍ، رائحة البصل والشطة والتمر والقمح والفول واللّوبيا والحلبة والبخور الّذي يعبق دائمًا في مجمر الفخار الكبير.
وعن أدواتِ التّجميلِ عندَ النّساءِ في القريةِ، وأكثرُها سودانيّة خالصة، الكحل والدّلكة والدّهن والكبرتة والرّيحة والحناء.
وعن الفركة والقرمصيص والبرش الأحمر المنازل المطليّة بالطّين الأسود
وعن ملابسِ الرّجالِ: مِن ثيابٍ فضفاضةٍ، وعباءةٍ سوداءَ، وملابسِ العروسِ في ليلةِ زفافِهِ.
عبدالرحمن عبدالله نقدالله وآخرين ضد جهاز الأمن العام.
المحكمة العليا
الدائرة الدستوريـة
الدائرة :
سعادة السيد/ محمــد محمــود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا رئيساً.
سعادة السيد/ جــون أونقــي كاسيبــــا قاضي المحكمة العليا عضواً.
سعادة السيد/ الطيـــب أحمــد محمـــد قاضي المحكمة العليا عضواً.
سعادة السيد/ إمـــام البــدري علــــي قاضي المحكمة العليا عضواً.
سعادة السيد/ تاج الســر محمــد حامـــد قاضي المحكمة العليا عضواً.
سعادة السيد/ هاشـم حمـزة عبد المجيــــد قاضي المحكمة العليا عضواً.
سعادة السيد/ عبد الله العــوض محمــــد قاضي المحكمة العليا عضواً.

الأطراف :
عبد الرحمن عبد الله نقد الله وآخرين طاعنون
// ضد //
جهاز الأمن العام مطعون ضده
(م.ع/ع.د/7/1998م)
المبادئ:
إجراءات جنائية - مقابلة المعتقل لمحاميه - يحكمه قانون الإجراءات - م 83(3) إجراءات جنائية.
قانون الأمن الوطني - سلطة الاعتقال التحفظي - طرق التظلم فيه.
1- مقابلة المعتقل لمحاميه أمرها بيد قاضي الجنايات تحت المادة 83(3) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م عند فتح الدعوى الجنائية.
2- تنص المادة 36 من قانون الأمن الوطني لسنة 1994م علي سلطة الاعتقال التحفظي ، كما نصت لائحته علي حقوق المعتقل وطرق التظلم المتاحة للمعتقلين وهي :
(أ ) التظلم إلي رئاسة جهاز الأمن مباشرة حول معاملة المعتقل أو أسباب بقائه بالمعتقل أو عدم مراعاة ضوابط الاعتقال - (المادة 9 - 5).
(ب) التظلم عن طريق المستشار القانوني للجهاز الذي عليه التعليق القانوني على الشكوى ورفعها لرئاسة الجهاز (المادة 41- 2).


(ج) التظلم للقاضي المختص من عدم مراعاة ضوابط الاعتقال المذكورة في اللائحة (المادة 51 - 2).
إن التظلم بهذه الطرق شرط مسبق لتصريح الدعوى الدستورية.
3- الدائرة الدستورية ، وإن كانت محكمة ابتدائية من ناحية أنها تنظر في الدعاوى ، إلا أنها ليست محكمة ذات سلطات لإصدار أوامر تحفظية . إذ لا يرد نص في قانون القضاء الدستوري والإداري بالإجراءات التحفظية أو الوقتية . وإن كانت المادة 11 من القانون تنص علي اتباع نصوص قانون الإجراءات المدنية في الدعاوى الدستورية إلا أن ذلك يتبع في نظر الدعوى والفصل فيها ، والفرق واضح حيث أن الإجراءات الوقتية في قانون الإجراءات المدنية تكون في أمور تبحث لأول مرة خلافاً للدعاوى الدستورية التي تكون مسبوقة بحقوق يتبعها إدعاء بحماية الحقوق الدستورية أمام الدائرة الدستورية . واتخاذ الإجراءات الوقتية يعني التدخل في القرارات أو الأفعال الصادرة من جهة أخري قبل الفصل في المشروعية التي هي أساس الرقابة القضائية ، فضلاً عن أن قانون الإجراءات لا يسمح بإجراء وقتي قبل تصريح الدعوى.
الحكم:
تقدم عشرون مواطناً بعريضة لحماية حق دستوري بموجب المادة الرابعة من قانون القضاء الدستوري والإداري لسنة 1996م . وجاء في عريضة دعواهم انهم تعرضوا للاعتقال من سلطات الأمن دون فتح بلاغ في مواجهة أي منهم . ويري مقدمو العريضة أنهم حرموا من حقوقهم الدستورية في الحرية والأمان وحظر الاعتقال التعسفي والمحاكمة العادلة الناجزة ، وان في ذلك حرماناً من الحقوق التي يكفلها لهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب . كما يرون أن بقاءهم رهن الاعتقال دون فتح بلاغ في مواجهتهم ينتهك ذات حقوقهم في الحرية والأمان والمحاكمة العادلة وهي حقوق تكفلها المواد 20 و 30 و 32 من الدستور الشامل لسنة 1998م.
يمثل مقدمي العريضة مجلس إدعاء مكون من ثمانية محامين . ويقود مجلس الإدعاء الأستاذ/ أبيل الير ، بينما خاطب المحكمة في شأن تصريح الدعوى الأستاذ/ محمود حاج الشيخ . وهو يذهب إلي أنه ليس للمدعين وسائل للتظلم إذ لا يحوي قانون الأمن الوطني لسنة 1994م - في رأيه - نصاً حول التظلم . أما اللائحة التي صدرت بموجبه ، فيرى أنها لا تشمل حق المعتقل في التظلم من اعتقاله أصلاً . وأبرز ثلاثة مستندات وهي خطابات موجهة إلي وزير العدل تحوي مطالبات بالآتي :
(أ ) مقابلة المعتقلين
(ب) توضيح أسباب الاعتقال
(ج) توضيح مكان الاعتقال.
وكان الرد بشأن الخطاب الوارد في الفقرة ( أ ) أن الاختصاص ينعقد للقضاء . وبشأن (ب) أن الطلب حول لجهة الاختصاص . ولم يصدر رد علي (ج).
ويري مجلس الإدعاء أنه ليست هنالك وسيلة أخرى للتظلم وفق متطلبات المادة 4 (ج) من قانون القضاء الدستوري والإداري وأن الدعوى صالحة للتصريح.
وحسناً فعل مجلس الإدعاء حين أشار إلي العهود والمواثيق الدولية التي تحمي حقوق المواطنين المدنية والسياسية والنصوص الدستورية التي تحمي ذات الحقوق . وواقع الأمر أن الدول المختلفة درجت علي تضمين محتوي هذه العهود والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية الحريات والحقوق المدنية والسياسية في دساتيرها . ولقد فعل دستور السودان الشيء نفسه في المواد التي أشار إليها مجلس الإدعاء . علي أن تطبيق هذه النصوص يكون عن طريق القوانين الداخلية ، وهي في هذه الحالة قانون الإجراءات الجنائية وقانون الأمن الوطني ولائحته.
وإذا نص قانون الأمن الوطني لسنة 1994م في المادة 36 منه علي سلطة الاعتقال التحفظي ، فقد نصت لائحته علي حقوق المعتقل ومن بينها :
(أ ) أن يعامل بما يحفظ كرامة الإنسان وأنه لا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً (المادة 9 - 1).
(ب) أن له الحق في إبلاغ أسرته إذا كان ذلك لا يؤثر على سير التحري في القضية (المادة 9 - 2).
(ج) أن يخطر الضابط المختص الشخص المعتقل بأسباب اعتقاله (المادة 11 - 1).
وهذه هي الأمور التي طالب بها مقدمو العريضة.
علي أن ذات اللائحة حوت طرق التظلم المتاحة للمعتقلين وهي :
1- التظلم إلي رئاسة جهاز الأمن مباشرة حول معاملة المعتقل أو أسباب بقائه بالمعتقل أو عدم مراعاة ضوابط الاعتقال (المادة 9 - 5).
2- التظلم عن طريق المستشار القانوني للجهاز الذي عليه التعليق القانوني على الشكوى ورفعها لرئاسة الجهاز (المادة 14 – 2).
3- التظلم للقاضي المختص من عدم مراعاة ضوابط الاعتقال المذكورة في اللائحة 0 ويجوز للقاضي بعد النظر الإيجازي أن يصدر الأمر الذي يراه مناسباً لدفع المظلمة (51 - 2).
ويضاف إلــي ذلك أن للقاضي المختص ســلطة تفتيش الحراسات بعد إبلاغ الجهة المسئولة عن الحراسة (المادة 51 - 1).
المستندات المقدمة لا تفيد بأن المعتقلين تظلموا إلي هذه الجهات . وتشترط المادة 4 (ج) من أجل تصريح الدعوى أن لا تكون أمام مقدم العريضة طريقة أخري للتظلم . هذا بينما أمامنا ثلاثة طرق للتظلم وفق القانون وهي التظلم إلي رئاسة جهاز الأمن ، أو مستشاره القانوني ، أو القاضي المختص . ولم يطرق مقدمو العريضة باب هذه الجهات.
ويضيف مقدمو العريضة أن سلطة القاضي لا تشمل حق المعتقل في التظلم من اعتقاله أصلاً . وتكون هذه الحجة مقبولة إن لم يعط القانون سلطة الاعتقال التحفظي أصلاً . أما وقد أعطى القانون سلطة الاعتقال التحفظي صراحة في المادة 36 من قانون الأمن الوطني لسنة 1994م ، فإن مناهضة الاعتقال تكـون بالوقوف علي أسباب الاعتقال . وقد فرضت اللائحة علي الضابط المسئول أن يخطر المعتقل بأسباب اعتقاله فيما ذكرنا . كما أعطت اللائحة حق التظلم في ذلك إلي الجهات التي ذكرناها وهي رئاسة الجهاز أو مستشاره القانوني أو القاضي المختص.
ثم أن اللائحة أعطت القاضي المختص سلطة واسعة وهي أن يصدر الأمر الذي يراه مناسباً لدفع مظلمة الشخص المعتقل.
أما مقابلة المعتقل لمحاميه فأمرهـا بيد قاضي الجنايات تحت المادة 83(3) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م عند فتح الدعوى الجنائية.
وإذا لم يطرق مقدمو العريضة أبواب التظلم المتاحة التي سردناها فإن دعوى حماية الحق الدستوري لا تكون ناضجة للتصريح ونري لذلك رفض العريضة.

الأمر : تشطب العريضة.

محمد محمود أبوقصيصة
قاضي المحكمة العليا
رئيس الدائرة الدستورية
13/8/1998م
جون أونقي كاسيبا الطيب أحمد محمد

إمام البدري علـي تاج السر محمد حامد

هاشم حمزه عبد المجيد عبد الله العوض محمد
قتل زوجته ودفنها في بئر وأعدمته المحكمة
بالقرائن الظرفية
===================================================================


في السوابق القضائية
القرائن وأثرها في الإثبات
الأدلة في القانون لها أهميتها القصوى ومنها
يبني القاضي قناعته التي توصله إلى الحكم
النهائي ولم يحددها القانون الحالي على سبيل
الحصر خلافاً للقوانين السابقة التي كانت
تحدد الأدلة في الإثبات.
الأدلة المتعارف عليها في الإثبات أنواع شتى
ومن بين تلك الأنواع ما تسمى بالقرائن وقد
عرفها القانون بأنها: (الإمارة الدالة على
إثبات أي واقعة أو نفيها بناء على الغالب من
الأحوال
السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن أن تؤسس
إدانة جنائية بناءً على القرنية؟
ومتى يتضح الأمر بصورة جلية إليكم هذه
الواقعة التي أرست مبدأ قانونيا مهما في مجال
العمل القانوني وأجابت عن السؤال المطروح
تتلخص وقائع القضية في أن المتهم الزوج اعتاد
هو وزوجته أن يتناولا وجبتي الغداء والعشاء
في منزل والد الزوجة المقتولة ويقع المنزل
بالقرب من منزل الزوجين وبعد ذلك ينصرفا
سوياً إلى مكان عمله في الحقل.
في اليوم المشؤوم حضر الزوج لتناول غذائه
كالعادة في منزل والد زوجته وحينها سأله
الوالد عن ابنته ولماذا لم تأت مع زوجها
فأجابه بأن ابنته (لمت عفشها وساقت ليها راجل
وهربت) وكرر الوالد سؤاله لكن دون جدوى بعد
يوم من ذلك شاهد والد الزوجة بطارية مضاءة في
مكان مربط (حمار) المتهم منتصف الليل وعاد
الصباح فشاهد الوالد في نفس المكان كلبا
(يشمشم) في الأرض بطريقة غير مألوفة تحرك
الوالد إلى المكان فوجد آثار حفر كما لاحظ أنه
قريب من صريف (القطية) التي يسكن فيها المتهم
وزوجته كما لاحظ أيضاً أن الصريف به فتحة
جديدة الإغلاق وبها آثار دماء كل ما لاحظه
الوالد من آثار الحفر والصريف المؤدي على عش
الزوجية وآثار الدماء واجتمع رأيهم على إزالة
الثرى من الحفرة وبالفعل بدؤوا العمل وفي
أثناء ذلك حضر الزوج المتهم الذي كان قد ذهب
إلى مركز الشرطة بقصد الإبلاغ عن هروب زوجته
وليس هذا فحسب وإنما اتهامه لها بسرقة مبلغ
مالي منه وعندما وجدهم يحفرون سألهم بارتباك
ماذا تفعلون؟
فلم يجبه أحد وبعد برهة قليلة وقبل أن يتبين
شيء من الحفرة ذكر لهم المتهم بأن في الحفرة
شخص وعند سؤاله من أحدهم كيف عرفت ذلك؟ سكت
الزوج لثوان ثم أجاب قائلاً بأن من في الحفرة
هي زوجته وبعد لحظات انتهى الحفر بالوصول إلى
جثة مقطعة ومحترقة تعرفوا عليها بأنها جثة
زوجة المتهم.
هرب الزوج المتهم بعد العثور على جثة الزوجة
إلا أنه تم القبض عليه بواسطة الشرطة وحينها
أفاد بأنه لم يلتقي زوجته ولا يعلم قاتلها
وأردف قائلاً بأنه لم يغادر المنزل منذ لحظة
هروبها منه وهي ترتدي ثوبا أسودا وحذاء قامت
الشرطة بتفتيش منزل المتهم فوجدت الثوب
الأسود والحذاء الذين ذكرهما الزوج المتهم
كما عثر على حبل ملطخ بالدماء وكذلك سكينا
وسيفا كما لاحظ أفراد الشرطة الذين قاموا
بعملية التفتيش آثار دماء على الصريف.
ثبتت الوقائع السابقة أمام المحكمة وبناءً
عليه أدانت الزوج وحكمت عليه بالإعدام شنقاً
وأيد الحكم من المحكمة العليا كذلك أرست مبدأ
مهما وهو البينة الظرفية يمكن أن تؤسس عليها
وحدها إدانة جنائية بشروط وهي أن تتبنى حلقات
البينة الظرفية وراء مرحلة الشك ؟ وأن يؤدي
استقراء تلك الحلقات إلى استنتاج معقول واحد
هو جرم المتهم وارتكابه للجريمة المنسوبة
إليه وأخيراً أن لا يتعارض استقراء تلك
البينة إلى استنتاج يتفق وبراءة المتهم بمعنى
أن البينة الظرفية (القرينة) يجب أن تثبت
بدرجة علمية بصورة تؤدي إلى فهم وأحداث وهو
جرم المتهم لا غيره.
سابقة شركة البدوي للإنتاج الفني ضد خضر بشير أحمد.
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / جون وول ماكيج قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة / فريدة إبراهيم أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محي الدين سيد طاهر قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطـــراف :
شركة البدوي للإنتاج الفني طاعنة
//ضـــد//
خضر بشير أحمد مطعون ضده
النمرة : م ع/ ط م/ 1132/1999م
قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م – تسجيل المصنف اختياري وليست إجباري – شروط انتقال حقوق المؤلف الأدبية والمالية .
1- تسجيل مصنفات وفق قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م اختياري ، ويعتبر التسجيل هذا فقط بينة مبدئية على نشأة المصنف أو تأليفه إذا نشأ نزاع , وقد جاء هذا القانون مخالفاً لما ورد في قانون حق المؤلف لسنة 1974م والذي كان يشترط تسجيل المصنف لتمتع أي مؤلف الحقوق المقررة في القانون .
2- يشترط لصحة تنازل المؤلف عن حقوقه الأدبية والمالية أن يكون التنازل مكتوباً وبتوقيع مالك الحقوق أو من ينوب عنه وأن يسجل هذا التنازل بمكتب مسجل المصنفات وأن يتضمن التنازل بيان الحق المتنازل عنه ومدة التنازل ومكان استقلال ذلك الحق ومقدار مكافأة المؤلف .
المحامون :
الأستاذ / محمد الفاتح إسماعيل عن الطاعن
الأستاذ / طارق الأمين العوض عن المطعون ضده
الحكــــم
تتلخص الوقائع أن المطعون ضده أقام الدعوى المدنية رقم 1353/97 ضد الطاعنة وآخرين أمام محكمة الخرطوم الجزئية وقد جاء في دعواه بأن المدعي كفنان قام بتلحين وأداء أغنية (خدعوك) وقام بتسجيلها بصوته بالإذاعة السودانية في 7/7/1977م على الشريط رقم 126 وأنه في عام 1997م قامت المدعى عليها الأولى بتسجيل صوتي مثبت على شريط بعنوان (جواب للبلد) على صوت المدعى عليه الثاني محمود عبد العزيز والمدعى عليها الثالثة حنان بلو بلو دون تفويض أو تعاقد , وقد قامت المدعى عليها الأولى بنشر وتوزيع الشريط المذكور عن طريق البيع التجاري حيث وزعت من الشريط 20ألف نسخة على دفعتين وتقدر قيمة الشريط الواحد حسب سعر البيع 4.500 جنيهاً , وقد جاء في الدعوى بأن الأغنية المثبتة في الشريط المذكور قد طرأ عليها تغيير أحدث تحريفاً وتشويهاً بعد تسجيلها فيه بصوت المدعى عليه الثاني والثالث وقد تضرر المدعي من هذا الاعتداء مادياً وطلب بتعويض مالي 30 مليون جنيه وقدرت قيمة الدعوى بـ90 مليون جنيه – تقدم محامي المدعى عليها الأولى والثاني بمذكرة دفاعهم في الدعوى مشيراً إلي أن المدعي تنازل عن لحن أغنية (خدعوك) بموجب التنازل المؤرخ في 8/9/1996م وقبض المقابل أمام شهود وقد قام المدعى عليه الأول بتسجيل التنازل عن اللحن لدى مجلس المصنفات وطالب بشطب الدعوى ، وقد أقر المدعى عليهما للمدعي بتلحين الأغنية وقيامهما بتسجيل صوتي مثبت على البوم (جواب للبلد) بصوت المدعى عليه الثاني وأن المدعى عليها الأولى تعاقدت مع المدعي على استغلال اللحن تجارياً ، كما أنكرت المدعى عليها الأولى عدد النسخ المطبوعة للحن ودفعت أن سعر النسخة الواحدة 2.100 جنيهاً , وناهض طلبات المدعي والتمس شطب الدعوى .
المدعى عليها الثالثة أعلنت بالنشر وأحتفظ بإصدار الأمر المناسب ضدها في نهاية الدعوى لدي غيابها عن الجلسة المعلن لها . محكمة الموضوع حددت الإقرارات ونقاط النزاع وسمعت بينات الطرفين وأصدرت حكمها بشطب الدعوى .
استؤنف الحكم أمام محكمة الاستئناف وقد أصدرت الأخيرة قرارها بإلغاء حكم محكمة الموضوع وأمرت المدعى عليها الأولى بدفع مبلغ واحد مليون دينار كتعويض للمدعي كما أمرت بأن يدفع المدعى عليه الأول رسوم الدعوى وأتعاب اتفاقية مقدارها مائة ألف دينار سوداني . وأن تسلم أشرطة الأغنية التي تمت طباعتها للمطعون ضده الأول . ضد هذا القرار يطعن أمامنا محامي المدعى عليها الأولى وقد تقدم بطلبه في القيد الزمني المحدد قانوناً كما تحصل على الإذن اللازم وبذلك يكون الطعن مستوفياً للشروط القانونية لقبوله شكلاً وقد أتيحت الفرصة للمطعون ضده للرد وقد أرفق أمامنا رده .
تتلخص أسباب الطعن في خطأ محكمة الاستئناف ومخالفتها للقانون بتقديرها أن المطعون ضده هو المالك المسجل لأغنية (خدعوك) حيث أنه مالك للحن وحق الأداء فقط وأن نص الأغنية مملوك للشاعر المرحوم حسين محمد حسين وبما أن المطعون ضده لم يسجل اللحن ومعه الأداء أمام مجلس المصنفات فإنه لا يجوز الحماية اللازمة وفقاً لقانون حماية حق المؤلف لسنة 1996م وأن التسجيل الصوتي للمطعون ضده للأغنية عام 1977م على الشريط رقم 126ق م لا يعطيه الحق في الحماية المفروضة كما أن المحكمة العليا أخطأت لأنها قررت بأنه طالما أن التوقيع من غير المالك فإنه غير صحيح وأغفلت عن من ينوب عنه وفقاً لنص المادة 15/2 من قانون حماية حق المؤلف سنة 96 حيث أن من وقع عن المالك هو وكيله . كما أفاد بأن العقد لم يأتي خلواً من مدة الاستغلال بل نص بأنها 3 سنوات كما أن مكان الاستغلال هو إقليم السودان وأن الكاسيت قد طبع بالخارج إلا أنه وزع بالسودان كما أن التنازل لم يكن على سبيل التخصيص . كما جاء في الأسباب أن تعويض المطعون ضده بلا مسوغ حيث أن المطعون ضده لم يثبت الضرر أو ما فاته من كسب ولم يشر إلي ضرر أصاب سمعته الفنية كفنان كما أن المحكمة لم تضع في اعتبارها المصروفات التي تكبدها الطاعن في طباعة الشريط وحق الشحن والتخليص ومصروفات البيع والتوزيع والجمارك والضرائب والزكاة حيث قررت أن كل عائد البيع هو ربحا وكسبا وسائل عن كيفية تسليم الشرائط الأخرى التي تكون ضمن المنوعات للطاعن وأين هذه هي الشرائط .
كما أضاف إلي الأسباب بأن قضية الادعاء خلت عن المطالبة بأي أتعاب اتفاقية إلا أن المحكمة العليا قضت بهذه الأتعاب الاتفاقية كما خالف القانون بأن أمر بدفع رسوم الدعوى وقد صرحت الدعوى بدون رسوم . كما أضاف بأن الشريط يحمل نصوصاً فنية أخرى عبارة عن 8 أغنيات أخرى بخلاف أغنية "خدعوك" ولم تتعرض المحكمة لتكلفتها على حساب تكلفة وبيع 7500 نسخة منه وطالب بإلغاء الحكم المطعون فيه وتأييد حكم محكمة الموضوع .
هذا وقد جاء في رد محامي المطعون ضده بأنه لم يثبت أن المطعون ضده قد وقع على عقد التنازل كما أن التنازل لم يتم أمام جهة رسمية ولم يسجل عقد التنازل لدى مكتب مسجل المصنفات الفنية , لم يوضح العقد الشروط الجوهرية للتنازل فيما يتعلق بمدة الاستغلال والمكافأة . كما أفاد بأن الأغنية قد سجلت باسم المطعون ضده بالإذاعة وفقاً لقانون حق المؤلف سنة 74 كما أوضح ما جنته الطاعنة من أرباح وراء استغلالها للحن المطعون ضده وطالب في النهاية بشطب الطعن برسومه .
للفصل في هذا الطعن لابد لنا من الإجابة على عدد من الأسئلة.
أولها , متعلق بملكية لحن وأداء أغنية "خدعوك" والتي هي محل نزاع أمامنا , وقد جاء في أسباب الطعن بأن المطعون ضده لم يقم بتسجيل هذه الأغنية لدي مسجل المصنفات الفنية وفقاً لقانون حق المؤلف سنة 1996م وبالتالي فإنه لا يتمتع بالحماية اللازمة في ذلك القانون وهو بذلك يتقدم بدفع قانوني بالرغم من إقراره في دفاعه الموضوعي أمام محكمة الموضوع بأن المطعون ضده هو صاحب لحن وأداء الأغنية المذكورة وإلا لماذا أتعب نفسه بالذهاب إليه في منزله ليوقع له تنازلاً عن الأغنية .
وباطلاعنا على المادة 23(1) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة سنة 1996م يتضح لنا بأن تسجيل المصنفات أساساً اختياري . ويعتبر التسجيل هذا فقط بينة مبدئية على نشأة المصنف أو تأليفه إذا نشأ نزاع أو اتخذت إجراءات قانونية بشأنه وهذا لا يعني استبعاد الأدلة الأخرى لإثبات ملكية المصنف وقد جاء هذا القانون مخالفاً لما ورد في قانون حق المؤلف لسنة 1974م والذي كان يشترط تسجيل المصنف لتمتع أي مؤلف بالحقوق المقررة في القانون على أن يكون التسجيل وفقاً لأحكام ذلك القانون أنظر المادة (14) من القانون المشار إليه , أما قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة سنة 1996م فقد فرق بين حالتين حالة أن يكون الشخص هو المالك الأصلي للمصنف وفي هذه الحالة فإن التسجيل اختياري والحالة الثانية هي حالة أن يقوم صاحب الحق في المصنف بالتنازل عن حقه في استغلال المصنف لآخر وفي هذه الحالة يكون تسجيل عقود التنازل أو الإحالة لمستعمل المصنف إجبارياً وفقاً لنص المادة 23 فقرة (2) من قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة سنة 1996م ويعتبر ذلك ابتداءً هو دليل الإثبات القانوني لاستغلال المصنف بواسطة المستعمل إذا نشأ نزاع أو اتخذت إجراءات قانونية .
والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه هو مدى صحة وقانونية تنازل المطعون ضده عن حقه في لحن وأداء أغنية "خدعوك" للطاعن ؟
لقد أفاد الطاعن في دعواه أمام محكمة الموضوع بأن المطعون ضده قد تنازل له عن حقه في لحن وأداء أغنية "خدعوك" بموجب مستند دفاع (1) وقانون حق المؤلف سنة 1996م يشترط لصحة التنازل ونقل الحق الآتي :
أولاً : أن يكون التنازل مكتوباً وبتوقيع مالك الحقوق أو من ينوب عنه .
ثانياً : أن يتم تسجيل هذا التنازل بمكتب مسجل المصنفات .
ثالثاً : أن يتضمن التنازل بيان الحق المتنازل عنه ومدة التنازل ومكان استغلال ذلك الحق ومقدار مكافأة المؤلف وأي شروط ضرورية أفضل لحق المؤلف .
باطلاعنا على مستند دفاع (1) يتضح لنا أنه لم يبين لنا بوضوح الحق المتنازل عنه ان كان كلمات الأغنية أم لحنها حيث جاء فيه تنازلت بطوعي واختياري وحالتي المعتبرة شرعاً عن الأغنية – اللحن المذكور أعلاه دون أي توضيح لهم . أن المستند لم يحدد مدة التنازل أو مكان الاستغلال أو مقدار مكافأة المؤلف أضف إلي ذلك عدم تسجيل ذلك التنازل وهو شرط إجباري لدي مسجل المصنفات الفنية وفقاً لقانون حق المؤلف سنة 1996م وبالنسبة لتوقيع المالك يقر الطاعن وشهوده بأن المالك (خضر بشير) للحن وأداء الأغنية لم يوقع على مستند التنازل حيث كان مصاباً بكسر في الحوض والترقوة كما أنه لا يبصر حسب إفادة شاهد الدفاع الرشيد حاج الأمين , وشاهد الدفاع سليمان زين العابدين أقر بأن التوقيع في خانة الشخص المتنازل هو توقيعه هو ، وأنه قد قام بالتوقيع لأن المدعى عنده رجفة ونظره ضعيف وشاهد الدفاع الرشيد الحاج لا يتذكر بأنه تمت قراءة مستند دفاع (1) على المدعى كما لا يتذكر بأن المدعى خضر بشير قال للشاهد سليمان زين العابدين وقع لي " أنظر ص 62 من المحضر " ورغم ذلك وقع ذلك الشاهد دون أي توكيل من المدعى سوى ادعائه . قانون المعاملات المدنية 1984م يشترط لصحة الوكالة أن يكون محضر الوكالة كتابة كما كانت الوكالة متعلقة بتصرف يتطلب القانون كتابته أنظر المادة 417 فقرة (3) , ونصل من ذلك بأن توقيع الشاهد سليمان ، على عقد التنازل بصفته وكيلاً عن المطعون ضده غير صحيح قانوناً لأن قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م يشترط لحماية انتقال الحقوق الأدبية والمالية أن يتم التنازل أو النقل كتابة المادة 15(1) من القانون المشار إليه .
ومن هنا نصل إلي أن التنازل بمقتضى مستند دفاع (1) باطل لأن القانون يشترط الكتابة بالنسبة للوكالة التي بمقتضاها تم توقيع التنازل .
والسؤال الثالث هو هل تم اعتداء على حق المطعون ضده باستغلال الطاعنة لحقه في لحن وأداء أغنية "خدعوك" تجارياً ، الإجابة بالإيجاب وفقاً لجميع البيانات التي يكشف عنها محضر الدعوى والتي أشارت إليها محكمة الاستئناف في حكمها .
والسؤال الرابع هل التعويض المحكوم به مبالغ فيه.
لقد ثبت أمام محكمة الموضوع استغلال الطاعنة لأغنية "خدعوك" وقد قبضت من جراء ذلك كسباً مادياً على حساب المطعون ضده بطباعة وتوزيع اللحن في أشرطة الكاسيت المسموعة بحيث جاءت جميع الأرباح خالصة للشركة الطاعنة ، وكان المطعون ضده قد طالب بتعويض مقداره 90مليون إلا أن محكمة الاستئناف قضت له بتعويض مقداره مليون دينار ونحن نرى بعد الوضع في الاعتبار المنصرفات التي لم يتطرق لنا بها الطاعن في البينات التي قدمها ويعتبر قد فشل في تقديمها حيث أنه يعلم بمطالبة المطعون ضده في دعواه وقام بمناهضتها بدون أي بيانات أن التعويض مناسب أما بالنسبة للأتعاب الاتفاقية للمحاماة فإن الطعن لم يقم بإثباتها وعليه نقرر إلغاء الحكم بها مع الحكم بالأتعاب المادية على أن يلزم الطاعن برسوم التقاضي فإعفاء الطاعن من سداد رسوم الدعوى باعتباره فقيراً لا يعني عدم الحكم بها في مواجهة المدعى عليه الذي خسر دعواه على أن تكون في حدود المبلغ المحكوم به . ولا أمر فيما يتعلق برسوم هذا الطعن .
وبالنسبة للأمر الصادر بتسليم الشرائط فإننا نقرر أن يستبدل به أمراً بإيقاف تعدي الطاعن بنسخ أو طباعة الأغنية في أي من أشرطة الكاسيت الخاصة به ومصادرة أي شريط به هذه الأغنية قامت الطاعنة بعمله .
القاضي : فريدة إبراهيم احمد
التاريخ : 28/6/2000م
القاضي : محي الدين سيد طاهر القاضي جون وول ماكيج التاريخ : 29/7/2000م التاريخ : 6/8/2000م

الأحد، يوليو 19، 2009

قصائد قتلت أصحابها ........


الشاعر هو طرفة بن العبد
أولا : نبذه عنه :

قُتِلَ وعمره 26 عاما
كان شاعرا المعيا كان يدخل على الملوك ويسجل أروع القصائد حتى إن بعضهم يجعل معلقته
بعد معلقة امريء القيس مباشرة وبعضهم الف فيها مصنفات بديعة
لأنها من اخطر وابلغ وامهر المعلقات على الاطلاق
وهو صاحب البيت المشهور ..
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة = على النفس من وقع الحسام المهندِ
فما هو سبب قتلة ؟؟
وسبب قتله هجاؤه لعمرو بن هند
واعتقد ان المتتبع للتاريخ يعرف من هو عمرو بن هند الذي كانت تخافه
الطير في الدهناء
فماذا قال في عمر بن هند ؟؟
تمنى انه بقرة يستفاد من ضرعها ,,,
فقال :
فليت لنا مكانـاً ملـك عمـر
رغـوث حـول قبتـنـا تـخـور
من الزامرات أسبل قادمها
وضـرتـهـا مـركـبــة تــــذور
يشاركنـا لنـا رخـلان فيهـا
وتعلوها الكباش فمـا تنـور
لعمرك إن قابوس بن هند
ليخلـط ملكـه حمـق كثيـر
طبعا اكرمه عمرو بن هند والبسة واعطاة رسالة هو وخاله المتلمس
والاثنين ماكانوا يقرون وحصلوا واحد قرأ رسالة المتلمس
فوجد فيها اذا جاءك حامل الرسالة فاقطع أربعه وراسه فهرب المتلمس ونصح طرفة
بأن يفتح رسالته ولكنه رفض ووذهب بها الى ملك البحرين الذي قتلة ...


2 - وضاح اليمن

كان هذا الشاعر ممن يتهورون في شعرهم وبالذات الغزلي فقد تغزل **وجة الوليد بن عبد الملك
فقال فيها لما سافرت

صدع البين والتفرق قلبي .. وتولت أم البنين بلبي
ثوت النفس في الحمول لديها .. وتولى بالجسم مني صحبي
ولقد قلت والمدامع تجري .. بدموع كأنها فيض غرب
جزعاً للفراق يوم تولت .. حسبي الله ذو المعارج حسبي
وقال لما مرضت
حتام نكتم حزننا حتاما .. وعلام نستبقي الدموع علاما
إن الذي بي قد تفاقم واعتلى .. ونما وزاد وأورث الاسقاما
قد أصبحت أم البنين مريضة .. نخشى ونشفق أن يكون حماما
يارب أمتعني بطول بقائها .. واجبر بها الارمال والايناما
واجبر بها الرجل الغريب بأرضها .. قد فارق الاخوال والاعماما
كم راغبين وراهبين وبؤٍ .. عصموا بقرب جنابها إعصاماً
بجناب ظاهرة الثنا محمودةٍ .. لا يستطاع كلامها إعظاما

فلما سمع الوليد ذلك عزم على قتله
فامر بان يؤخذ ويوضع في صندوق ويدفن حيا

وفى رواية اخرى //
حيث تقول الرواية انها هي خباءته في الصندوق
وعندما حضر الوليد لم يسألها سوي الصندوق واجابته وهي تتوجس شرا فأخذ الصندوق
ولم يفتحه بل امر بدفنه بما فيه
ومن يومها لم يظهر وضاح اليمن


3- الشاعر دوقلة المنبجي
هناك عدد من الشعراء الذين قادتهم قصائدهم إلى الموت, ولأن قتل كل شاعر يختلف عن شاعر آخر, وكذلك قصيدته, فإن الأوجع يبقى أكثر دليلاً, وربما الأكثر تأثرا, وخاصة إذا عرفنا أن شاعرنا قد كتب طوال حياته قصيدة واحدة ــ يتيمة ــ وهذه القصيدة كانت ثمنا لحياته, القصيدة القاتلة هنا هي اليتيمة, تلك القصيدة التي ذاع صيتها بهذا الاسم بعد أن سميت بأسماء أخرى كدعد , ولعل تسميتها باليتيمة لكونها وحيدة لا شبيه لها نظرا لقوة سبكها وروعة تشبيهاتها ومعانيها وسلاسة صياغاتها ووضح مقاصدها ، فالقصيدة اليتيمة تضم ستين بيتاً, وهي للشاعر دوقلة المنبجي, وفيها يقول :


هــل بالطلــول لــسائــل ٍ ردُّ
أم هـــل لهـــا بـتكلّم ٍ عهـدُ

دَرَس الجديدُ ، جديدُ معهدها
فــكأنمـــا هــي ريطــة جردُ

من طول ما تبكي الغيوم على
عَـــرَصــاتِهــا ويقهقــه الرعدُ

وتــلُـــثُّ ســـاريـــةٌ وغاديـــةٌ
ويــــكرُّ نحــــسٌ خلفه سعدُ

تـــلــقـــاءَ شــاميــةٍ يمانيــة
لــهــا بــمــورِ تُــرابـها سَردُ

فكست بــواطنها ظواهرهـــا
نــــوراً كـــأن زهـــاءه بـــــرد

فوقفت أسألها ، وليس بهـــا
إلا الــمهـــا ونـــقــانــق رُبد

فتبادرت درر الشؤون عــلــى
خـدّي كـــمـا يتـــنــاثر العقد

لهفي على(دعد)وما حفلت
بـالاً بــحــرِّ تلــهفـــي دعــدُ

بيضـاء قـــد لبس الأديم بها
ء الحسُن ، فهو لجِلدها جِلـــد

ويــزيـــنُ فـــوديها إذا حسرت
ضــافـــي الغدائر فاحمٌ جَعــد

فــالوجـه مثل الصبح مُبيضٌّ
والشعــر مــثــل الليل مسودُّ

ضــدّانِ لـمـا استجمعا حسُنا
والضــدُّ يــظهــر حُسنه الضــدُ

وكـــأنهـــا وسنَــى إذا نظرت
أو مـدنـف لــمَّــا يُفِـق بـــعـــد

بــفتــور عيــن ٍ مــا بهـا رمَدٌ
وبـــهـــا تُــداوى الأعين الرمدُ

وتــريـــك عِـــرنـيـناً يــزيّــنـه
شـمــمٌ ، وخــداً لــونــه الوردُ

وتــجيــل مسواك الأراك على
رتـل ٍ كــأن رضـــابــه الشهـد

والــصـــدر مــنهــا قــد يزينه
نــهــدٌ كــحــقِّ العاج إذ يبدو

والمعصمانِ ، فما يـرى لهمـا
مـــن نــعمــةٍ وبــضاضةٍ زنــد

ولـــهـــا بـنــان لـــو أردت له
عــقـــداً بــكفـــك أمكن العقد

وكـــأنمــا سُـــقيــت ترائبها
والنحـــرُ مـــاءَ الــورد إذ تبــدو



واسترسل في ذكر أوصافها إلى أن قال :

مــا عابها طــول ولا قِــصَـــر
فـــي خلقهــا ، فقوامها قصـد

إن لم يكن وصل لــديك لـنــا
يشفي الصبابة ، فليكن وعــد

قــد كــان أورق وصلكــم زمناً
فــذوى الـــوصــال وأورق الصد

لله أشــواقــي إذا نــزحــــت
دار بـــنـــا ، وطـــواكـــم البعــد

إن تـــتهمــي فـتهامة وطني
أو تــنجــدي ، يكن الهوى نجدُ

وزعمـــت أنـك تضمرين لـنـا
وداً ، فــهــلاّ يــنفــع الــــــودُّ !

وإذا المحب شكـا الصدود ولم
يـــعطـف عليـــه فقتلــه عمد

نختصُّها بالود ، وهي علــى
مــالا نــحــب ، فــهكذا الوجـــد

أو مـــا تــرى طمــريَّ بينهما
رجـــل ألــــحّ بـــهــزلـــه الجـد

ولـــقــد علمــتُ بأننـــي رجلٌ
فــي الصالحــاتِ أروحُ أو أغـدو

سلمٌ على الأدنى ومرحمـــةٌ
وعــلى الحـــوادث هــادن جَلدُ

مـتـجلبــب ثـوب العفاف وقــد
غــفــل الــرقيـب وأمــكـن الوِردُ

ومجانبٌ فــعـل القبيح ، وقـــد
وصــل الحبيب ، وساعد السعد

ليــكــن لــديــكِ لسائـل ٍ فــرجٌ
أو لــم يكـــن.. فليحسن الـردُّ
شعر: أبكر آدم إسماعيل


صوت الوتر السادس


قمرٌ لبابٍ واحدٍ
ومهاجرٍ بالعشقِ، منقطعٍ لدربٍ قاصدٍ،
القلبُ زكته الخيولُ يوم الرحيل فكان ميلادُ المطر،
هكذا…
سحبٌ، دخان،
برقٌ، رذاذ،
وزفير ماعزتى وراء "التكل"
النار والأبنوس، مدفأتي..
وعصيدة الدخن العتيقة "والكَوَل"
بكاء أخي الصغير،
سروالي الممزق من مطاردة السحالي والورل.
وزجاجة السمن المخبأ في السياج، ولم يزل،
في صدر أمي أميناتٌ أن تسوى قطعة الجاتوه من دخن العصيدة والحليب
وأنا أحدد طاقة الإمكان في كتب الدراسة والحديث،
ومزاعم الحلوى،
وهو هوة الضرائب
والعشى الليلي، ونقص الفايتمين.
سألتُ أمي:
كم توازي قطعة الجاتوه من دخن العصيدة؟
لم تجبني .. ساعةً،
ففتحتُ عيني موقظاً في الجهر زندقة التوقع قائلاً:
"إني أرى شجراً يسير"
أراه في سطر المدى
وأرى المدينة في احتراق جحيمها
وبفوقها عربٌ تدق خيامها بين المطامير، العمارات، الشوارع..
ليس ثمة من سؤالٍ عن مواقيت الرحيل.
وأرى التفاصيل العويصة في اشتعال السوق،
في كيميا التحلل والذبول.
والنوق ترتع، ثم ترجع، ثم تبعر فوق أسفلت الشوارع،
والنعامة تستغيث،
وتدفن رأسها في شنطة البوليس،
وأراك هاربةً من الدكان يا أماه.
أرى...
أرى...
"يا ولد، أمسك لسانك .. يا مشوطن"
أو لا أرى..
وسكت ممتشقاً رؤاى،
أراقب الملكوت، دوران الكواكب
والنواميس العظيمة والوري..
عشرون قصَرِت الخطى
والشمس تطلع، ثم تغرب،
ثم تطلع، ثم تغرب،
ثم تطلع ، ثم تغرب،
ثم تطلع بعد عام..
ويفوت عامٌ آخرُ حتى المساء..
هناك يكبر في دمى نبض الفصول.
الخرطوم (1)
الدرس الأول: التاريخ
المهدى نخاسٌ شهير
"شوله"
عبداللطيف: لم يكن في مسرح الوطن الجميل،
بل كان منهمكاً يخطط لانقلاب عسكريٍ..
كي يعيد إلى أميّةَ أصلها القرشى والنسب النبيل.
عبدالفضيل:
كان نشالاً ولصا موغلا في الاحتراف
"نقطة، سطر جديد"
الخليل:
كان يسكن فيّلا،
ويبيع أغنية تزيف طعم البلاد،
ويقاسم السلطان قعدته الخليعة، واحتمالٌ أن يكون مجنداً في الأمن..
احتمال!!
ومهيرة:
بائعة المريسة،
أول سلطة للغيب تمتهن الغناء المستغيث دعارةً،
وتمارس التعريص في الليل البهيم،
ونكون أولاد الحرام!
طوبى لنا!
فالله في هذي المدينة ضابطٌ في الجيش،
وبطانة الشعراء من جنس الطحالب والكلاب
ولا تثق بالجامعة
واللافتات اللامعة
والوزن والشعر المقفي والصدور القانعة
أرفق بنفسك من غباء اليافعين
ومن تفاصيل التدحرج للوراء،
إن الوراء مقسمٌ بين القيامةِ والعدم،
بين الترقب والذهول..
والليلُ أوغل حين طال لكي يطول.
الدرس الثاني: السلطان
بأي أشكال العبارة انتهينا سيدي،
تجد انبهارك في الخضوع..
لك القيام
لك الجلوس
لك التهجد والصيام.
لك الفطور
لك الغداء.. لك العشاءُ وما تبقى من فتات
وكل ما فينا من التبجيل ..
ما يوازي خوفنا الأبدي منك.
تربَتْ يداك..
تربت يداك..
أنا صبيّ،
أعشق الكتب الأناقة والجلوس على الرصيف.
وتجاوز الوجع المعلب في الجرائدِ، كلهم مثلى:
يحبون التغاضي عن إجابات التساؤل في عيون الشارع المسكون بالحمى
ورائحة العرق.
تربت يداك بجهلهن، بجهلنا، بطفيلة هيفاء تنضح بالندى
بشقائق النعمان ترفل، أو تبدل حليها تبعاً لمرسوم النهار وتنجلي في الليل،
تربت يداك بزندها والمعصمِ.
فأرسم لنا
خطاً رقيقاً، أو صراطاً نحو أفقك!
كي نجيئك عابرين دماءنا
والبحر فليكن الصديد
والجرحُ أغنيةٌ تجددُ في فضاء الذاكرة،
طوبى "لسِّت الشاي"
طوبى لها والموت لي
فأموت منقسماً إلى شيئين:
حنجرتي الصياح، وللولادة في فصول الجنس آلية جديدة.
ليس لي أدنى احتفاء بالرحيل مع انتظارك، فلتكن.
في الأفق.. أو عندي..
ورائي..
ليس لي وجعٌ لأسألك المضامد والدواء،
ليس لي قلبٌ ليدخله الشجن
ليس لي إلا أنا،
وأنا المسافرُ في غدٍ من برزخٍ
وإن غداً حتماً لناظره قريب.
الخرطوم (2)
كان الصباح بهياً كوجه "سلمى"
في أول ساعةٍ تُصبُر فيها شمس أفريقيا..
وأنا..
حذائي مثقلٌ بالطين والوسخ، الشوارع والهروب..
لغتي حوار بالبنادق في زوايا العهر في زمن عجيب..
في تقاسيمي سرابٌ داخليٌ.. مُضغةٌ من انبهار رابضٍ خلف الجدار
وغارقٍ في شبر ماء..
وأكون طاحون الهواء،
ومهبطاً للحابلين، النابلين،
مركّباً من خصلتين تدلتا فوق الجبين،
مرارة الرقص المداري المحاصر بالتصحر،
واستراتيجيا الصراع.
وأدور في فلك الجهات الأربع.
أحتاجُني وطنا جديداً أو إلهاً عادلاً
بين الرصيف وبين هاتيك السماء-
أو سمِّها ذات البروج.
وأريد وجهاً أخراً
لحبيبةٍ تجتاز بي
نهر الضبابات المتاخم للخروج..
أكونها بالحب أول خارجٍ من حبل مشنقة العصور الغاربة.
لأدوزن الوجع المخبأ في غضون الأزمنة، لوناً لعشقٍ غامقٍ..
متشردٍ في ليل أوعية القرون..
أو لا أكون ..
وهكذا .. للشمس في عليائها سفر الدعاء
وضراعة الشجر الحزين إلى النبي..
أنا وطيفكَ في ديالكتيك عشقِ صامتٍ،
ودمى توزع في النهارات الصبية ثم ضاع..
ثم ضاعَ على ملايين الفراسخ من ترانيم الجياع.
وعلى العبارات المسماة انتقاءً بالحدائق، والهوى، والمهرجان..
بيني وبينكَ ريحُ أفق محتوى …
بيني وبينك ألفُ بحرٍ قاصدٍ .. صخبُ.. قصيدُ.. وألف امرأةٍ نشيد.
يا أيها الوطن المحاصر بالعبارات التوابل والوعيد.
من أين يبتدئ انتماؤك للجذور؟
أم ليس للجذر انتماءٌ للتشكل في امتداد الحيز في البصر الحسير؟
إذ كلما صعدت إلى عينيك أغنيةٌ لها معناك-
أسقطك انتماؤك للجذور؟
أم ليس للجذر انتماءٌ للتشكل في امتداد الحيز في البصر الحسير؟
إذ كلما صعدت إلى عينيك أغنيةٌ لها معناك-
أسقطك انتماء في وعاء البرجواز..
وكلما أوجزت ترتيب الحكايات القديمة في المسافة،
احتواك الريح، أو ألقى حذاءك في عميق الارتواز..
فإلى متى..
ستظل رابعة الأثافي موقعاً حتماً لمنطق سيركَ الأزلي؟
وإلى متى…
سيظل صبرك واحتمالك مستبداً بالهوى خلف الشبابيك العصية؟ فليكن..
بيني وبينك ما تبقى من مدادٍ في دمي،
وسموم زندقة العصافير التي ..
شربَتْكَ في زمن الغناء..
أرتاحُ فيك على الفصول القادمة،
وأفوتُ عندك كل يومٍ..
مثقلاً بالهم والحمى..
أراقب طلعة الشمس البهية،
أو أمارسك انسجاماً - حرفة التنجيم في طرف الشوارع - كي أوزع من
ألاقي - خلقك المشحون بالسحنات - في كل المنافي، كي أنام.
وأنامُ في صفٍ طويل..
متوسداً نعلى .. أكونك يا رماد الحب ملتحفاً ترابك حاضناً تلك السماء،
وفاتحاً بابي كبيراً للرياح القادمة.
متوسماً فيك الشفاعة الضراعة
والمواجيد العظيمة والقرِى..
وأشيل سرك راحلاً بين الغيوم،
يا أيها الوطن المحاصر بالهموم..
للشمس في عليائها سفرُ الدعاء،
وضراعة الشجر الحزين إلى النبي
أنا وطيفك في ديالكتيك عشقٍ صامتٍ
ولوجه سلمى والنهارات الصبية ما سيأتي من غناء
شكراً لكم يا سيدي..
وغداً نعود.

مبدعات سودانيات

المناحات السودانية هي من أبلغ أدب الرثاءإذ
تفيض بالحزن والوفاء وانكسار القلب.
ومن(كبد)الشاعرة السودانية (فقوسة) تدفقت
مناحة حِليل موسي يا حِليل موسي ... حِليل
موسي.. للرجال خوسة (أي سكين).يوم جاناالحصان
مجلوب... فوق ضهره السرج مقلوب... أبكنُّوا يا
بنات حيّ ووب. حِليل موسي وسّدوه الطوب ... ود
أمّي ياسِرِير يا برير ... ود أمّي ياصباح
الخير ...عزّايتو مابتنوم الليل ... خربانة
الدنيا دار الميل... مابياكل الملاح أخدر
(أخضر) ... ومابيشرب الخمر يسكر... عَجَب عيني
يوم رِكب دفر... شال صيتو لي بنات بربر...
في تعبيرها عن الألم قالت (فقوسة)... أبكنُّو
يا بنات حى ووب. وقال (ود ضحوية) . أخو الأخوان
غُطَا الكاشفات نِهار حىّ ووب. أى يوم الحرب.
وقال (الحردلو) ... إبكنَّك بنات والدك وبت
والديك ... وقالَن ووب علينا وطال حُزُنَّا
عليك ...
ولكن لم تشتهر (فقوسة) كما اشتهرت الشاعرة
(حمدة) التي قالت ... وقانا لفحة الرمضاءِ وادٍ
... سقاه مضاعفُ الغيثِ العميمِ ... حللنا
دوحَهُ فحنا علينا ... حنوَّ المرضعاتِ على
الفطيمِ ... تروع حصاهُ حالمةَ العذارَى
فتلمسُ جانبَ العقدِ النظيمِ ...
لن يسطع نجم الشاعرات (فقوسة) و (بت ,ولكن
المكاوي) و(بت مسيمس) و (شريفة بت حاج بلال)أو
الشاعرة (مندامت) التي أبدعت مناحة (ياسمّاع
بعيد)، حتي تتحوّل ثقافة السودانية الشفهية
إلى ثقافة مكتوبة. وهذا ينطبق كذلك على شعراء
المسادير في البادية السودانية. وبعض
المسادير يزيد عن ألف بيت

السبت، يوليو 18، 2009

اين كنت في يوم 6/ابريل 1985

وانا هنا أتسال وكغيري من أبناء جيلي الذين لم نعايش تلك الثورة...لماذا لم تكن ضمن مقرر التاريخ السوداني فما حدث فيها لايقل بل اكبر من ما أحدثته الثورة المهدية لان الالتفاف والتفاعل الشعبي فيها اكبر فالتاريخ السوداني رغم علمنا بأنه سمج وفيه الكثير من التناقض وإغفال الحقائق فلا يتصور شخص بأنه يمكن أن يغفل عن إيراد أعظم ثورتين في تاريخ الشعوب الواعية......
اليوم الأول:
لااذكر في ذلك اليوم سوي مشهد الطفل مجدي هو يركض نحونا لاهثا ونحن وقوفا في باب الصف الرابع الابتدائي ،في تلك المدرسه النائية من مدارس قري الجزيرة .
في شنو؟؟؟استاذ قسم الله معاهو المعلمين جنب مكتب المدير خاتين الرادي في نصهم ،سمعتو قاليهم الحكومة انقلبت ،لم نرفع حاجب الدهشة الاعندما اردف قائلا:وكمان المدير قاليهم الليله ما تخلسوا من الطلبة ريال السبت ...وعندها احتفينا علي طريقتنا الخاصة من طلوع فوق الكنب والشبابك مصحوبا بالصياح الطفولي البرئ ليس بابريل طبعا ولكن بالاعفاء من ريال السبت لان ذلك يعني لنا في ذلك الوقت(شراء الفول والطعمية والتسالي) من حاجة أم هانئ القابعة امام باب المدرسة بعد افكونا للفطور....
اليوم الثاني:
في هذا اليوم الذي كان عاديا لنا وكغيره من ايام الله في هذه القرية ونحن نجر ارجلنا في تثاقل في ذهابنا نحو المدرسة في كامل غبشتنا ..ولم يكن هناك مايدل علي ان هناك ثورة وهذا طبعا ربما يرجع لعدة أسباب أهمها البعد عن مركز الأحداث وهناك سبب أخر وربما هو الأهم بما ان قريتنا تقع في مشروع الجزيرة التي كان به تاثير اهم نقابتين هما نقابة المزارعين والعمال اللتين كانتا غيابا عن العصيان النقابي وذلك لضعفهما وموالاة قيادتهما لنظام الحاكم...لذالك كانت أصداء الثورة باردة هنا اللهم الابعض الثرثرات هنا وهناك....
ومااذكرة وظل قابعا في ذاكرتي كل ما جاءت سيرة ابريل ...هو منظر استاذ الدين ذواللحيه الكثة وهو يدخل علينا في هذا اليوم علي غير ماعادته باسما وهاشا حتي انه لم ينتظر ان نرد عليه السلام وبدء يكتب علي السبورة
قصيدة وطلب منا كتابتها وترديدها معه ومن بعد حفظها والويل والثبور لمن لم يحفظها واذكر منها:
نميري الخائن الغادر
سافر منا ماجانا
سكن هناك في مصر
سكن في قصر عابدينا
وهناك أسئلة عدة يجب ان تثار تتعلق بانتفاضة ابريل ولابد من تمليكنا الحقائق نحن الجيل الذي لم يعايش الثورة من كل مايملك دليل ممن عاصر تلك الفترة...نريد ان نعرف...
من الذي حرق وثائق ومستندات جهاز امن الدولة؟؟؟
هل هو المجلس العسكري الانتقالي؟؟؟
ولماذا لم يتكلم المدعي العام عنها؟؟؟
ومن هم المستفيدون من ذلك؟؟؟
ومن الذي اختار النائب العام واين دور نقابة المحامين في اختياره وخاصة أنها كانت في مقدمة ساحات النضال ضد النظام المايوي؟؟؟
ولماذا تحالفت الأحزاب الطائفية في ابريل مع الحركة الاسلامية ضد الحركة النقابية؟؟؟
وهل بداية الثورة الفعلية كانت هي ابتسامة وثبات الشهيد/ محمود محمد طه وهو يقاد الي المقصلة التي ساهمت في كسر حاجز الخوف لدي الشعب وهب لاقتلاع الدكتاتورية من جذورها .؟؟؟؟
وهل كانت الحكومة الانتقالية مايو .تو ماهو البرهان علي ذلك؟؟؟
ليت ينخرط الكل في المساهمة في التوثيق لهذه الثورة بالاجابة علي هذه الاسئلة وغيرها حتي نتمكن من استخلاص العبر منها ونستفيد من الاخطاء التاريخية في ابريل التي نهشت واطلقنا عليها الرصاص في طفولتها الباكرة وتفرقت ايدي سبا والكل يدعي انه له الشرف في تفجيرها ويدعي البطولات الكاذبة؟؟؟؟؟؟
التحية للشرفاء والشهداء
لمن صنعوا التغيير
ولمن سيصنعون الغد المشرق

الأربعاء، يوليو 15، 2009

معلقة نحن والردي-لصلاح احمد ابراهيم يرثي فيها الشفيع احمد الشيخ

Post #1الشاعر صلاح أحمد إبراهيم wroteon February 25, 2009 at 9:08pm
ا ذكيََّ العودِ بالمطرقةِ الصمّّاءِ والفأسِ تشظّى
وبنيرانٍ لها ألفُُ لسانٍ قد تلظّى
ضُُعْْ على ضوئِك في الناس اصطباراً ومآثْر
مثلما ضُُوََّّعََ في الأهوال صبََراً آلُ "ياسر"
فلئن كنتََ كما أنتََ عبِقْْ
فاحترقْْ!
***
يا منايا حوّّمي حول الحمى واستعرضينا وأصْْطَفي
كلّ سمح النفس، بسّّامِ العشياتِ الوفي
الحليمََ، العفِّّ ، كالأنسامِ روحاً وسجايا
أريحيِِّّ الوجه والكفِّّ افتراراً وعطايا
فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي
بضميرٍٍ ككتابِّّ اللهِ طاهرْْ
أنشُُبي الاظفارََ في اكتافِه واختطفي
وأمانُ الله مِنّّا يا منايا..
كلّما اشتقتِ لميمونِ المُُحيّّا ذي البشائْْر
شرّّفي
تجدينا مثلاً في الناس سائرْْ
نقهر الموتََ حياةً ومصائرْْ
***
هذه أجنابنا مكشوفةُ فليرمِ رامي
هذه أكبادُُنا..لُكْْها وزغرد يا حقودْْ
هذه أضلاعُُنا مثلومةُ وهي دوامي
وعلى النُُطع الرؤوس
فاستبدِّّ يافؤوس
وادخلي أبياتنا واحتطبي
وأديري يا منايانا كؤوساً في كؤوسْْ
من دِمانا واشربي
ما الذي أقسى من الموتِ ؟ فهذا قد كََشفْْنا سرّه، وخَبََرنا أمرَه
واستسغْنا مُُرّّه
صدئت آلاتُُه فينا ولا زلنا نُعافرْ
ما جََزِعْنا إن تشهَّانا ولم يرضَ الرحيلْ
فله فينا اغتباقُُ واصطباح ُومََقِيلْ
آخرُ العمرِ، قصيراً أم طويلْ:
كفن ُ من طرفِ السوقِ وشبرُ في المقابرْْ
ما علينا .. إنْ يكن حزناً فللحزنِ ذُبالات ُ مضيئه
أو يكن قصداً بلا معنى فللمرءِ ذهابُ بعد جيئه
أو يكن خِيفةَ مجهولٍ فللخوفِ وقاءُ ُ ودريئه
من يقينٍ ومشيئه
فهََلُمّي يا منايانا جحافلْ
تجدينا لك اندادُُ المحافِلْ
القِرى منا وفينا لكِ ، والديوان حافِل
ولنا صبر ُ على المكروهِ – إن دامََ –جميل
***
هذه أعمالُنا مرقومةُ ُ بالنورِ في ظهرِ مطايا
عبََرت دنيا لأخرى ، تستبقْ
تنتهي عُمراً فعُمرا
ما انحنتْ قاماتُنا من حِمْلِ أثقال الرزايا
فلنا في حَلكِ الأهوالِ مَسْرى
وطُرُق
فإذا جاء الردى كََشّرََ وجهاً مُكْْفهراً
عارضاً فينا بسيفِ دمويّ و دَرََق
ومُصّرا
بيدٍ تحصُدنا لم نُبدِ للموتِ ارتعاداً وفََرقْ
نترك الدنيا وفي ذاكرةِِ الدنيا لنا ذِكرُ ُ وذكرى
من فِعالٍ وخلُق
ولنا إرثُ من الحكمة والحِلم وحُبِ الآخرين
وولاءُ حينما يكذبُ أهليه الأمين
ولنا في خدمة الشعب عَرَق
هكذا نحن ففاخرِْنا ، وقد كان لنا أيضاً سؤال وجواب
ونزوعُُ للذي خلف الحجاب :-
برهةُ ُ من سرمدِ الدهر أقِمنا ومشينا
ما عرفنا بِمَ أوفيمَ أتينا وانتهينا
وخَبْرنا تَفَه الدنيا وما في بَهْرَجِ الدنيا الحقير
عَرَضاً فانٍ لفانين فما نملكه يفلِتُ من بين يدينا
أو ذهبنا دونه حين بَقى
فكلما كان لدينا صار مِلْكاً لسوانا ، وغَرور
لغريرٍ غافلٍ يختالُ في الوهمِ الهويني
في حبورْ
رُبّ من ينهلُ من بحرِ الغُوايات ظَمِي
والذي يملكُ عينينَ ولا لُبّ -عمي
والذي تسحرهُ الدنيا ولم يدرِ المصير
أبلهُُ يمرحُ في القيدِ وفي الحُلمِ يسير
ريثما توقظه السقطةُ في القاعِ ولا يعرفُ أيْنا
كلُ جيلٍ بعده جيلُ ويأتي بعد جيلْ
بَليتْ جِدتُه، مُرتَقِباً في غبطةٍ أو غفلةٍ أو قلقِ
فقعةَ الأمالِ في جيل بديلْ
طالعٍ أو طامعٍ مُستَبِقِ
أمس قد كنا سقاةَ القومِ بالكأس المريرْ
وغداً يحملنا أبناؤنا كي نستقى
فالذي تُخلى له مَضْيَفةُ الدنيا سيُدعى لرحيلْ
حين يبدو قادمُ في الأفق
وكلا الذاهب والقادمُ في دفترها ابنُ سبيلْ
***
كلُّ طفلٍ جاء للدنيا أخي من عدمِ
مشرقُ الوجْنةِ ضحّاك الثنايا والفم
يُسْرجُ الساعاتِ مُهراً لاقتحامِ القممِ
سابحاً في نشوةٍ للهَرَمِ
فإذا صاح به الموتِ أقدمِ
كان فوتُ الموتِ بعضَ المستحيلْ
عجبي من رِمةٍ ترفلُ بين الرممِ
نسيَتُ سوءَ مآلِ الأممِ
وسَعَتْ في باطلٍ عُقباهُ غيرُ الالمِ
ومُطيفِ الندمِ
والسأمِ
غصةُ الموتِ ، وإن مُدَّ لها في فسحةِ العمر قليلْ
فالذي يعقبه القبرُ ، وإن طالَ مَدىً ليس طويلْ
والسؤال الحقُ : ماذا بعدُ ، ماذا بعدُ ؟ ماذا بعدُ في هذا السبيلْ
يرتجيه الآدمي ؟
أإذا مِتنا انتهينا للأبد
غير ما يَمسِكُ دهرُُ أو طبيعهْ
أم بدأنا من جديد
كيف أو أين سؤال هائل لن نستطْيعَه
أفَمَن يذهبُ عنّا سيعودْ
مثلما تزعمُ شيعه
ثم هل عاد أحد؟
أم له في داره الأخرى خُلودْ
بعد أن يسترجَع الله الوديعهْ
بكتابٍ وأمدْ
ضلّ من يبحث في سر الوجود
بالذي أنكر أو فيه اعتقد
فاجعل الموتَ طريقاً للبقاء
وابتغِ الحقَ شريعه
واسلِك الفضلَ وقل يا هؤلاء
خاب قومُ جحدوا الفضل صنيعه
إن للفضل وإن مات ذووه لضياء
ليس يخبو – فأسالوا أهل النهى
رُب ضوءٍ لامعٍ من كوكبٍ- حيث انتهى
ذلك الكوكبُ آلافاً وآلافا سنينا
***
يا رياحَ الموتِ هُبي إن قدرتِ اقتلعينا
اعملي أسياخك الحمراء في الحي شمالا ويمينا
قطّعي مِنا الذؤابات ففي الأرض لنا غاصت جذور
شتتينا ، فلكم عاصفةُ مرّت ولم تَنس أياديها البذور
زمجري حتى يُبحَّ الصوتُ ، حتى يعقبَ الصمت الهدير
اسحقينا وامحقينا
تجدينا.. نحن أقوى منك بأساً ما حيينا
وإذا يبعث فيهم كلَّ ما يبرِقُ فينا
فلنا فيهم نشور
****
طفلنا حدّق في الموتِ ملياً ومِرارا
ألفَ الأحزانَ تأتينا صِغاراً وكبارا
ومَرَى الدمعَ غزيراً ، ورعى النوم غِرارا
ورأى والدَه يخطرُ للموتِ ونعشاً يتوارى
لن يراه مرةً ثانيةً قطُ إِلى يوم الحساب
ذاكِراً عنه حناناً وحديثاً وابتساماتٍ عِذاب
كشموشٍ لا يني يأملُ أن تشرق من بابٍ لباب
كل يوم ولنا في البيت مأتم
وصغير ذُبحت ضحكتُه يومَ تيتم
كلما مَرتْ بِنا داهيةُُُُُُُُُُُ ُ تسألُ عيناه عن الشرِ المُغير
ويرى من حولِه أمراً مريباً وغريباً ورهيباً فيثور
أمه في جَلَدٍ تدعوه أن يَسكَت لكنْ صوتُها فيه اضطراب
واكتئاب.
وهو يدري فعيونُ الأم للإبن كتاب
وهو بالمحنةِ والموتِ الذي جندلنا جدُّ بصير
حلمُه صار حكيماً وهو طفلُُ ُ في سريرْ
فهو يزدادُ بما حاقَ بنا حُزنا وحزْماً ووقارا
وانفعالاً كلما عاثَ بنا دهرُُ وجارا
هكذا يُطرقُ فولاذُ البطولاتِ ويُسقى بالعذابْ
فلهُ في غدهِ يومُُ كبيرْ
يوم أن يَدلجَ في وادي طُويّ يطلبُ نارا
والِجاً هْولاً ، خائضاً نقعاً مُثارا
وغمارا
ضاحكاً في حنكِ الموت على الموت عُتّواً واقتدارا
وقد استل كسيْفٍ بارقٍ جُرحاً عميقاً في الضميرْ
خبّراني ، لهفَ نفسي :
كيف يخشى الموتَ من خاشَنَهُ الموتُ صغيرْ
****
في غدٍ يعرف عنّا القادمون
أيَّ حُبٍ حَمَلْناه لَهُمْ
في غدٍ يحسبُ منهم حاسبون
كم أيادٍ أُسلفت منا لهم
في غدٍ يحكون عن أنّاتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجُرحِ الذي غنّى لهم
كل جُرحٍ في حنايانا يهون
حين يغدو رايةً تبدو لهمْ
جُرحُنا دامٍ ، ونحن الصابرون
حزننا داوٍ ونحن الصامتون
فابطشي ما شئت فينا يا منون
كم فتىً في مكةٍ يشبه حمزة؟
****
بالخشوعِ المحضِ والتقديسِ والحبِ المُقيم
واتّضاعٍ كاملٍ في حضرةِ الروح السماويِّ الكريمْ
التحياتُ لها.
ليتَ لي في الجمرِ والنيران وقفهْ
وأنا أشدوا باشعاري لها
ليتَ لي في الشوكِ والأحجارِ والظُلمه زحْفه
وأنا اسعى بأشواقي لها
ليتَ لي في زمهريرِ الموتِ رجْفه
وأنا ألفظ أنفاسي لها
ليت لي من ألمٍ طاغٍ مَخفّهْ
وأنا أحملُ قرباناٍ لها .. وهديه
فأنادي بإسمها الحلو بلهفهْ
لك يا أمَّ السلام.
والتحية
وجبيبني في الرِّغامْ
التحياتُ الزكياتُ لها ، نفسُُ زكيّه
رسمُها في القلبِ كالروضِ الوسيمْ
صنعتنا من معانيها السنيه
وستبقى منبعَ النورِ العظيم
يا قبوراً في عراء الله ، حسبُ البشرية
إنكم من ذوقِها العالي صميمْ
سنواتٍ عشتموها أينعت
حُفَّلا بالخير والحب الحقيقي
ومضيتُمْ فتركتم أثراً
نَبْشَ إسماعيلِ في القَفْرِ السحيقِ
يا أحبائي ويا نبضَ عروقي
كنتم القدوةَ بالخيرِ الوريق
فاهنأوا ، نحن كما أنتم على ذات الطريق
****
رُبَّ شمسٍ غَرُبتْ والبدرُ عنها يُخبرُ
وزهورُُ تتلاشى وهي في المطر تعيش
نحن أكفاءُ لما مرّ بنا ، بل أكبرُ
تأجُنا الأبقى وتندكّ العروشْ
ولمن ولَّي حديثُُُ ُ يؤثرُ
مصَابٌ وحَزن

قصيدة الدكتور عبد الله الطيب



قد شجانى مصابه محمود مارق قيل، وهو عندى شـهـيد

وطنيّ مجــــــاهد وأديــب منشئٌ، فى بيـانه تجـويد
وخطـيـبٌ مـؤثر ولــديـه سرعـة الـرّد والذكاء الفريـد
وجرئ، وشخـصـــه جـذّاب ولدى الجــد، فالشــجـاع النجيد
ذاق سجن المستعمرين قديماً ومضت فى الكفاح منه العقـود

سيق للقتل وهـو شيخ أخو ست وسبعين أو عليها يزيد

لم يراعوا فيه القوانين ظلما فهو قـتلٌ عــمدٌ وجَرمٌ أكيـد

قد سمعنا يوم الخميس من المذياع أن شنقه غدا مشهـود

لم نصدق ما قد سمعناه، قلنا سوف يأتى عفوٌ وهذا وعيد

وإذا بالقرار قـيـل لـنـا نـُفـذ جــلّ المــهـيــمـن المعبود

مـا قضــاه يكـن وما لإمرىء عنه مفـرٌّ ووقـته معــــــدود

وإلـيه نعـنو هو المالك الملك ويقـضـى سـبحـانه ما يريد

كان حكم الإعدام تنفيذه سرا فـهـذا الإشـهـار شئ جديد

ليت إذ أجمعوا على الإثم أخفوه كما اغـتـال خـمـسـةً عـبـود

أى شىء جناه حتى يرى الإعـدام فيه هو الجـزاء الوحيد

لم يجرد سيفا وأصدر منشوراً وهـذا أســلوبه المعـهود

وهو نهج من النضال حضاريٌّ بأمــثـاله السُّراة تسـود

ولقد رام أن يجـدد مـحـمـود فـقـد صـار جـرمــه التجديد

والذى قد قال فقد قيل من قـبل وفـى الـكـتـب مـثـلـه موجود

ولقد يعلمـون أن قضايا الدين فـيـهـا الخـلاف وهـو تليد

زعمـوا أنــه تزندق وارتد وقـالـوا هـو العدو اللّدود

وكأنّا فى عصر محكمة التفتيش هـذا هـو الضــلال البـعــيد

قـتـلـته الأفـكار فى بـلـد الجهل الذى سيطرت عليه الــقـيود

واثقا كان فى الخصومة بالفكر لـو الفـكــر وحده المنشــود

سـبـق النـاس فـى السياسة رأيا حين فيها تفكيرهم مـحـدود

وقد احتج وحده حين لم يُلفَ عن البرلمـان صوتٌ يذود

ذلكم أوّل انقــلاب بلوناه وللشـر مُــبدىء ومعيد

ما سهرنا نحمى مقاعد شورانا فأودى بالبرلمان الجنـود

نحن قوم نعيش فى العالم الثالث وهـو المعـذب المنكــود

فـَتَنَتْنَا حـضــارة الغرب، لا الرفض إنتفعنا به ولا التقليــد

وأحتوتنا عماية من صــراع دائـم للقوى به تـبـديـد

صاح هل نحن مسلمون؟ أرى الإسـلام فينـا كأنه مفقــود

وكأن صار مظهـر الدين لا المَـخْـبَر فينا فاعلم هو المقصـود

فـشــت الآن برجوازية فى الدين من قبل عُلّقتها اليهــود

وتفان على الحطام كأن الدين أركــانه الشـداد النقود

قد أباها المسيح عند الفريسيين إذ قـلبـهم بــها جلمــود

عـلــنــا عـلّـقوه يشنق للجمهور ذاك الـمــفــكــر الصنديــد

أخرجــوه لحتفــه ويــداه خـلــفـه هو مـوثـق مشدود

جعلـوه يرقى به الَّدرج الصاعد نحـو الهــلاك خـطــو وئــيد

كشفوا وجهــه ليُعرف أن هـذا هــو الشخــص عينــه محمود

قرىء الحكم ثم صاح به القاضى ألا مثــلـه اقتلـوه أبيــدوا

كـبـّر الحاضــرون للحـدّ مـثل العيــد إذ جمعـهــم له محشود

وأراهم من ثغره بسمة الساخر والحـبـل فوقـه مـمــدود

وعلى وجهــه صفــاء وإشراق أمـام الردى وديــع جـليد

وإذا بالقضـاء حـُمَّ وهــذا جسمـه طـاح فى الهواء يميد

ثم جــاء الطـبيب يعلن بعد الجـس أن مات ما لحىٍّ خلــود

ثم طارت طـيـارة تحمــل الجثة لم يـُدرَ أىَّ فـجٍ تريــد

قـيـل لــن يقبــروه إذ فارق الملّة هـولٌ يشيب منه الوليـد

يــا لــهــا وصمة على جبهة القطر ســتـبــقى وعارها لا يبيـد

قتلوا الفكـر يوم مقتلـه فالفكــر فيـه مــيـت البـلاد الفقيد

أحضروا صحبه لكى يشهــدوا الإعــدام فيـه وتائبين يعودوا

ذبحـوه أمـام أعينـهم ذبحـا وقالــوا درس لكم فاستفيـدوا

أعــلــنـت قتله الإذاعة من بعـد أمـتـنــاه ذلك النمــرود

أذعــن الناس خاضعـى أرؤس الـذّلـة كـلٌّ فـؤاده مفئـود

أذعـنــوا خاضـعـيــن للجــور والقهـر وكــلٌّ لسانــه معقود

بـقــى الخـوف وحده وتوارت قـيم أمسٍ قد رعتها الجدود

ذهـب الفـضـل والتـسـامـح والعـفـو وجاء الإعــدام والتشــريد

فيــم هـذا الطـغـيان ما هذه الأحــقاد ما هـذه القلوب السود

ما الـذى جــدّ ما الذى جلب القسوة من أين ذا العتـم الشـديد

قد أســأنا إلى الشـريعة والإسلام مـا هـكـذا تقـام الحدود

مـا كـذا سنة النبـى ولا الوحـى الـذى أنـزل الحـكيـم الحـميد

سنة المصطفى هى اللّيـن، هـذى غلظة بــل فــظاظة بل جمود

إن عـنــدى حـرية الرأى أمـر يـقـتضيـه الإيـمـان والتوحيد

لا أحـب التطـرّف المفـرط، الرفـق سبيـل الإســلام لا التشــديد

إننـا نحن مالكيون سنيون حــب النبـى فينـا وطيد

وسـطـور الآيــات قالت عليكم أنفسـاً لا يضـرّكم من يحيـد

وتلـونـا فيهـن آيــة (لا إكراه فـى الـدين) بئس عنها الصدود

جـعـلـوه ضـحـيـة لـم يكـن منه شـروع فى الحـرب أو تهـديد

رب إنـا إليــك نجــأر بالشـكـوى أغـث يا لطيف أنت الودود

حـكمـتـنـا وقـلـدت أمرنا صعلوك قـوم فـغـرّه التـقـلــيـد

طـبـقـات مـن الزعانـف فى الضوء تـَوَارَى وفى الظـلام تـَـرود

دأبـها المـيـن والخـيـانة والغدر وليسـت غير الفسـاد تجـيـد

يصـدر الأمـر كى يوقـعـه جـلـدٌ ثخــين عنـها وحس بليـد

ويـدٌ كـزّة ووجـه بلا مـاء حيـاء وخـبث نفـس عـتـيـد

لـيـس يبغـى إلا البـقــاء ولا يحـفـل والـشــعب جائع مكدود

ينقــض اليــوم كـلّ ما قالـه أمس وفــيـه غــدا بنقـضٍ يعـود

فانـزع المـلك منـه، رب لك الملك وذو العـرش أنت أنت الـمـجــيد

وأذقــه كأسـا بـهـا قد سـقى قـومـاً ولا ينــج الفاسق الرعديد

وهــلاكا له كـمـا هلكـت عــاد وبُـعـداً كمـا أبيــرت ثمود

وعـسـى الله أن يشـاء لنا النصــر وللـظـالم العــذاب الشديد

ولأحــزابـه اللئـام فـكـبـّوا فى مضيـق طريقهـم مسدود

تـتـلـقـاهـم جـهـنـم يصلـون بها ســآء وردها الــمــورود

لا تخيـب دعاءنا ربّ وانصرنا وأنت المولى ونحـن العـبـيـد

وصــلاة عــلـى الـنـبـى وتسليم به نـبـلــغ المـنـى ونزيـد

وعلـى الآل والـصحابــة سادتى وتــغــشـاك رحمـة محمود


فرغ من نظمها يوم 2 مارس 1985
طالب يذكر طرائف من مناقب شيخه

العلامة عبد الله الطيب



أ.د. جعفر شيخ إدريس

غرة جمادى الأولى 1424 هـ

30 يوليو 2003 م

هذه ذكريات عن شيخنا الراحل الأستاذ عبد الله الطيب غفر الله له وأحسن مثواه، أضيفها إلي ذكريات غيري من طلابه الكثر المحبين المعجبين عسى أن تكون كلها مادة يرجع إليها من يكتب سيرته وينشر بين الناس فضله. وهي ذكريات في أمور شتى لا تخلو من طرافة أرسلها بغير تكلف كأنها (ونسة) في أحد مجالسه العامرة. وغني عن القول بأنني إذا ما رويت عنه كلاما فلا أذكره بألفاظه نفسها كلها (أنى لي ذلك وقد طال العهد؟) وإنما أذكر فحواه وبعض ألفاظه.

أول ما يخطر بالبال تعليق الدكتور طه حسين على ديوانه أصداء النيل، ذلك الثناء العاطر من عميد الأدب العربي على ديوان شاب سوداني غير مشهور ثناء قرأه مئات الأدباء في العالم العربي وعجبوا له. أثنى الدكتور طه على الديوان لكنه أخذ على صاحبه استعماله لبعض الكلمات الغريبة بل الحوشية، لكن السودانيين ضحكوا كثيرا عندما رأوا قائمتها: كانت كلمات معروفة في العامية السودانية أذكر منها الآن كلمة الطخا بمعنى السحاب التي ينطقها أهلنا التخا على عادتهم في استثقال الطاء في بعض الكلمات وتحويلها إلى تاء كقولهم بتيخ بدلا عن بطيخ. كما قال ود الماحي في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (ضلتو _ يعني أظلته _ التخايي.

لست أدري لماذا شاعت في عاميتنا أمثال هذه الكلمات التي كانت تعد فعلا من الألفاظ الحوشية حتي قال الشاعر:

إنما الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعلطبيس

لغة تنفر المسامع منها حين تروى وتشمئز النفوس

لكن لعل الذي أغرى شيخنا باستعمال هذه الألفاظ أنه كان له اهتمام عجيب بالعامية السودانية ومعرفة مفرداتها وتراكيبها، وكان يرى أن لغة القرى أثرى وأفصح من اللغة التي اعتادها أهل المدن وكان يضرب لذلك مثلا بقول الناس في القرى سمح وزين وقولهم في المدن كويس لا يزيدون عليها. وقد ظهر اتقانه للعامية السودانية في تفسيره المشهور للقرآن الكريم الذي كان المواطنون في شتى أنحاء القطر يلتفون حول المذياع للاستمتاع بالسماع إليه.

أما العربية الفصيحة فقد كان ابن بجدتها ومالك ناصيتها لا تكاد تخفى عن علمه مفردة من مفرداتها، ولا عن حفظه قصيدة ولا نظم من نظمها، ولا عن اطلاعه أو دراسته كتاب مهم من كتبها. حدثني الصديق الدكتور مالك بدري أن شيخنا ألقى محاضرة في بيروت فاستشهد فيها بالعشرات من أبيات الشعر من ذاكرته حتى إن أحد أساتذة اللغة بالجامعة الأمريكية ـ( أظنه قال إنه الدكتور إحسان عباس) ـ قال مازحا: ما ذا نقول لطلابنا غدا؟ هل نقول لهم إننا مثله أساتذة لغة عربية؟

تحولت العربية الفصيحة عنده إلى ما يشبه السليقة فكان إذا حاضر بها في القاعة يتكلمها كلاما لا تكلف فيه حتى إنك لتظن أنه إنما كان يتكلم بالعامية إلى أن ترجع إلى ما كتبته عنه لتجده عربيا فصيحا. وكان إذا ألقى القصيدة من الشعر العربي ـ حتى الجاهلي منه العصي الفهم ألقاها بطريقة يطرب لها المستمعون، وكان طلاب الجامعة كثيرا ما يعبرون عن إعجابهم بالتصفيق الشديد حين يستمعون إليه ينشد بعضها في المناسبات العامة.

درسنا عليه في السنة الثانية من كلية الآداب عدة قصائد من كتاب المفضليات ولا زلت أذكر شرحه الممتع لإحدى القصائد الصعبة التي أشار إليها الصديق الدكتور الحبر نور الدايم في مقاله الماتع عن شيخه الذي كانت صلته الأدبية به أوثق من صلتنا لما يجمعه وإياه من حب العربية وإتقانها وبراعته في شعرها. تلك هي قصيدة المرار بن منقذ في وصف فرسه. التي من أبياتها:

ببعيد قدره ذي عذر صلتان من بنات المنكدر

سائل شمراخه ذي جبب سلك السنبك في رسغ عجر

قارح قد فر عنه جانب ورباع جانب لم يتغر

فهو ورد اللون في ازبئراره وكميت اللون ما لم يزبئر

...

شندف أشدف ما ورعته فإذا طؤطئ طيار طمر

استعنت على تذكر مفرداتها ــ من باب الطرفة ــ برسمة أسميتها حصان المرار. تشير الأسهم فيها إلى أوصاف الحصان بتلك الكلمات الواردة في القصيدة، فكانت كأنها درس في علم الأحياء، وكان بعض الأصدقاء يستعيرها للمذاكرة. والغريب أن أستاذنا العلامة لم يكن يعرف معاني هذه الكلمات النادرة بالعربية فحسب، بل كان يعرف ترجماتها الانجليزية، تلك اللغة التي كان متقنا لها مطلعا على آدابها والتي كانت له فيها نظرات ومقارنات بينها وبين العربية. منها ملاحظته لكثرة ما في قصائد شكسبير من تشبيهات وتعبيرات يقول إنها شديدة الشبه بما في الأدب العربي وأنه لا مثيل لها أصلا في الأدب الانجليزي. لم يكن شيخنا بالطبع من مؤيدي نظرية شيخ الزبير التي تقول إنه الاسم الحقيقي لشكسبير.

كان شيخنا علامة النحو العربي الذي لا يشق له غبار. كان مفتونا بالكتاب لسيبويه يقرؤه كالورد اليومي كلما ختمه بدأه، حتى رأيته يحمله معه ويقرؤهـ في المسجد الحرام تبركا به! اذكر أنه كان يقرأ في طبعة قديمة فقلت له هنالك طبعة جديدة بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون كنت قد اطلعت عليها لأمر يتعلق بالفلسفة، لكنه أعرض عن كلامي وقال إنه يفضل الطبعات القديمة ويراها مباركة، وكان هذا ديدنه فعلا مع كل الكتب العربية فكان لا يقرأ من تفسير الإمام الطبري مثلا إلا طبعة بولاق ويراها مباركة. شهد لبراعة شيخنا في فهم الكتاب لسيبويه علماء كثر من خارج السودان, حدثني صديق سعودي هو الدكتور تركي العتيبي أستاذ علم النحو بجامعة الإمام فقال إن شيخنا جاءهم استاذا زائرا ،وقال:

كنت أعمل في رسالتي الماجستير عن أحد نحويي الكوفة المتقدمين، ومن خلال الدراسة اعترضتني نصوص مشكلة في الكتاب لسيبويه راجعتها في الشروح فلم أظفر بطائل ... ... فلما جاء د. عبد الله الطيب رحمه الله تعالى .. ... عرضت عليه هذه النصوص فأفادني في بعضها إفادات رائعة دونتها في نسختي، وعرضت قوله على شيخي عظيمة فاستحسنه وسر به. وكان د. الطيب أقرأ المعاصرين لكتاب سيبويه.



وكما كان شيخنا محبا للعربية وعلومها كان أيضا محبا لأهلها من الأحياء والأموات. من ذلك أنه كان شديد الإعجاب بتلميذه صديقنا الدكتور جعفر ميرغني.. جاء ذكر جعفر في أحد اجتماعات مجلس الكلية لست أذكر الآن مناسبته، فقال عنه شيخه إنه لولا التقيد باللوائح لعينته الآن محاضرا (وهو الذي يسمى في صطلاح الجامعات العربية استاذا مساعدا) ثم قال عنه كلمة أحرجت بعض أساتذة اللغة العربية، قال إنه الآن ـ وكان قد تخرج لتوه ـ أعلم من بعض الأساتذة!

وكان الأستاذ يضيق فعلا بشكليات اللوائح. كان هنالك عالم قراءات مصري نال إعجابه فعينه أستاذا مساعدا بالجامعة رغم أنه لم تكن له شهادة دكتوراة. قال لي إن كل كتاب من كتب هذا الرجل يساوي دكتوراة. وتعيين الدكتور عبد الله للرجل حل له مشكلة كبيرة، فقد بدأت الجامعات الاخرى ـ حتى المصرية منها ـ تقبله أستاذا بناء على أنه كان كذلك بجامعة الخرطوم حسب ما يقتضي الاتفاق بين الجامعات العربية. وحدثني ذات مرة أنه ذهب إلى مصر فوجد العلماء الحقيقيين هم الذين لا يحملون هذه الألقاب العلمية من دكتور وأستاذ وغيرها! وقد وجدت مثل هذا الموقف من الألقاب عند غير شيخنا من كثير من العلماء الراسخين في علومهم على اختلافها. فما الدكتوراة عندهم إلا شهادة كالشهادات الابتدائية أو الثانوية أو الجامعية ينالها المرء ثم يتخطاها فلا يفخر بها ولا على التسمي بها. إنما يفعل ذلك بعض الضعفاء الذين يحاولون التزيي بها _ حتى لو لم يكونوا قد نالوها حقيقة _ باعتبارها حلية اجتماعية. وما مثلهم في ذلك إلا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ""المتشبع بما لم يعط .كلابس ثوبي زور" (رواه البخاري)

قرأت وأنا بالقاهرة سنة أربع وخمسين ميلادية مقالا للأستاذ العقاد يرد فيه على نقد انتقده إياه شيخنا، وكان ردا فيه بعض الحدة. لكنني سررت عندما لمست من أستاذنا بعد سنين عدة أن ذلك لم يفسد العلاقة بينهما، بل عبر لي عن إعجابه الشديد بثقافة العقاد الموسوعية. قال انهم استمعوا في مجمع اللغة إلى محاضرة لأحد المختصين بعلم الجيولوجيا ذكر فيها عن بعض الصخور أنها تكون كذا وكذا من الألوان، فسأله العقاد ( وحكي دكتور عبد الله صوته في إعجاب) ألا تكون كذا أيضا (وذكر لونا نسيته الآن). فأجابه المختص بأنها لا تكون كذلك. لكن العقاد جاء إلى جلسة المساء وهو يتأبط مرجعه الذي يثبت صحة ما قال!

ولم تكن العربية عند علامتها الطيب مجرد فن يتذوقه أو لسان يعبر به، بل كانت كالمرجع الذي يهتدي به في كثير من شؤون حياته. لعل صديقنا الدكتور إبراهيم الحادرلو يذكر كيف أنه أمتعنا في يوم قضيناه معه في تجوال في مدينة برايتون الانجليزية، كيف أنه كان كلما ذكر زعيما سودانيا أو أمرا سياسيا قال فيه رأيا ثم أتبعه مستشهدا بما يعرف من شعر العرب ونثرها وأخبارها، وكانت استشهادات في غاية الطرافة لولا الحياء لذكرت بعضها.

وكم كان يحزنه زهد الناس في العناية بالعربية، وكان كثيرا ما يقول آسفا إن بعض المثقفين عندنا يودون أن لو كان لسانهم انجليزيا لا عربيا. وإنني لأذكر هذا التعليق كلما زرت الخرطوم فوجدت ازديادا – حتى في الأحياء الشعبية -- في نسبة اللافتات المكتوبة بالانجليزية أو المكتوبة كلماتها الأجنبية بحرروف عربية لا يفهم المواطنون منها شيئا





كان شيخنا معنيا في دراسته بالجودة لا الكثرة، كان ينتقي من كل علم في غير اختصاصه كتابا يقرؤه عدة مرات وييجيد فهمه. من ذلك أنه كان يكرر قراءة كتاب برتراند رسل في تاريخ الفلسفة الغربية، وكتاب توينبي المسمى دراسة للتاريخ، وهكذا. وكان كثير القراءة لتفسير الجلالين حتى إنه ليكاد يحفظه.. وقد وجدت هذا أيضا منهج شيخنا الشيخ عبد العزير بن باز علامة عصرنا في علوم الشرع. قال لي تلاميذه إنه قرأ صحيح مسلم بشرح النووي ستين مرة! وأنه قرأ البداية والنهاية ست مرات، وهكذا. وحسبك بمرة من مرات ابن باز ؛ إنها تساوي مرارا من مرات غيره.

كان يعرف عن نفسه أن العربية طبعه حتى قال لي ذات يوم ونحن نتكلم عن الفلسفة إنه درس بعض مقرراتها أثناء عهد الطلب ببريطانيا، وأنه جودها لدرجة أن الاستاذ اقترح عليه أن يختص يها. قال لكنني قلت لنفسي الطبع ولا التطبع.




وعلى ذكر الفلسفة، دخل علي الأستاذ ذات يوم في مكتبي وهو عميد لكلية الآداب ليسألني: أليس لك الآن محاضرة في القاعة الفلانية؟ استنكرت أن يأتي عميد الكلية ليحاسبني في مكتبي على عدم الذهاب لمحاضرة، فما هكذا يعامل الأساتذة بجامعة الخرطوم. قلت ـ ولا بد أنه رأى آثار الانكار على وجهي "بلى ولكنني نسيت بسبب انشغالي بهذا البحث" فابتسم وقال "الآن صرت استاذا" فانطلقت أسارير وجهي وابتسمت وقلت " لماذا؟" قال لأن الاستاذ الحق هو الذي تشغله بحوثه عن أموره الأخرى". ثم شرح لي أنه إنما جاء ليستشيرني في مسألة فلسفية أشكلت عليه هو طلابه. كان هذا من تواضعه الجم الذي لم يكن يتكلفه. أبدا. وكان من تواضعه وكرمه أنه كثيرا ما يدعو طلابه إلى منزله ثم يطلب من الشعراء منهم أن يباروه قي تأليف قصيدة في موضوع يختاره. أدكر أن هذا حدث مع الصديقين عمر عباس عجبنا زعيم الطلاب وخطيبهم المفوه أكرم الله نزله، والدكتور ناصر السيد شاعرهم المطبوع أطال الله عمره في طاعته.

وإذا كان مثل غفلتي تلك عن المحاضرة من السمات اللازمة للأستاذية فقد كان هو صاحبها الذي لا يبارى. كان يقطع التذكرة من تذاكر قطار لندن التحت الأرض ليذهب إلى إحدى المحطات فيغفل عن النزول بها ويتجاوزها بمحاط كثيرة لانشغاله بشيء يقرؤه أو يفكر فيه. دخلت عليه في مكتبه ذات يوم وكان قد فرغ لتوه من اجتماع مع رؤساء الأقسام فيما أظن، فوجدتهم جيمعا يضحكون، فلما سألت أخبرني أحدهم بأنه حدث بين العميد وأحد الأعضاء خلاف وأن العميد غضب وانتهر العضو قائلا "ياجرزلدا ..." فانفجر الناس ضاحكين وضحك هو وانتهت المشكلة بفضل ذكر اسم الزوجة الحبيبة!

زلت منه مرة كلمة عن محمود محمد طه حاسبه عليها بعض إخواننا حسابا عسيرا، لكنني أشهد أن الرجل لم يكن محبا لمحمود، ولم يكن من أنصاره، لكنه قال ما قال بسبب السياسة التي لم يكن ذا باع فيها. قال لي ذات مرة إنه لا يحب محمودا لأنه لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان يقول لنا تشجيعا على نقدنا لمحمود أنتم وحدكم الذين تستطيعون نقده، ويعنى بأنتم نحن أصحاب التوجه السني. قلت لماذا؟ قال لأن هؤلاء الشيوخ الذين يهاجمهم ينسبون إلى بعض شيوخ الصوفية ما يدعي محمود لنفسه، فهم لا ينكرون أن يصل الإنسان مثلا وصولا يرفع عنه أحكام العبادات والحلال والحرام، لكنهم ينكرون أن يكون محمود قد وصل إلى هذه الدرجة. وعلى ذكر محمود، دخلت عليه ذات يوم في مكتبه فحكى لي قصة طريفة. قال إنه كان معه قبل قليل أحد القساوسة (ذكر لي بلده الأوربي لكنني نسيته) وأنه أخبره أنه جاء ليتشرف بزيارته ويتحدث إليه. قال الدكتور عبد الله فقلت له لست أنا الذي تريد. إنك تريد رجلا آخر اسمه محمود محمد طه وعرفته من هو. قال فاعترف بأن محمودا كان طلبته لا عبد الله الطيب. قلت لشيخنا لكن كيف عرفت أنه إنما يريد محمودا ولا يريدك أنت؟ قال ما ذا يبتغي قس أوربي عند رجل همه اللغة العربية وهم لا يحبونها ولا أهلها؛ إنه يريد هذا الذي يقول ما يرضيهم. وتصديقا لكلام شيخنا التقيت أنا في الرياض بقس كبير من علمائهم كنت قد قرأت بعض أجزاء من كتاب له عن وجود الخالق مترجما إلى الانجليزية، سر لما أخبرته بذلك، فلما عرف أنني سوداني كان أول ما سألني عن محمود محمد طه، فأجبته بكلمة صعق لها. قلت: هذا ليس مسلما!

كان مما أعجب له في شيخنا أنه مع معرفته الواسعة بالعربية وعلومها والتفسير والتاريخ إلا أنه كان في باب الفقه مالكيا مقلدا تقليد العوام، بل كانت حججه لتسويغ هذا التقليد هي حجج العوام. لكنني عرفت السر في ذلك بكلام قاله لي هو عن نفسه في إحدى زياراته للرياض. كان يقرأ في كتاب المسند للإمام أحمد فاعترف بأنه كان مقصرا في اهتمامه بعلم الحديث، وأنه بدأ الآن يتدارك ذلك، فسررت لذلك أيما سرور.

لقد كان شيخنا فخر السودانيين يعتز به شبابهم ويحتفلون به ويكرمونه حيثما حل في بلد يسكنونه. رأيناهم يكرمونه في المدن البريطانية، والأمريكية، والبلاد العربية وسمعنا عن تكريمهم له في غيرها.

هذا بعض ما جادت به عن شيخه ذاكرة طالب تجاوز السبعين، أرجو ممن يطلع عليها ممن يعرف ما لا أعرف عن بعض ما ذكرت أن لا يتردد في تصويبها. فمعاذ الله أن نظن بأنفسنا عدم الخطأ أو ان نستنكف عن التصويب. تلك جوانب من حسنات الفقيد غفر الله لنا وله ذنوبنا وتقصيرنا وإساءتنا، ورحمنا وإياه رحمة واسعة، وجزاه الله خيرا كثيرا على اهتمامه بلغة الكتاب العزير والرسول الكريم وعمله على نشرها والانتصار لها

.
حسنه بت محمود الشاهد الأخيرمن رواية موسم الهجرة ألي الشمال
تقف حسنه بت محمود فى شارع مظلم خارج الروايةماذا تريدون منى أيها القضاة والمحلفون؟؟؟ها انذى أقف...وسط بركة الدم المفاجئة لصمتكموانا احمل مدية الانتقام الناعم ولا آبه بشهيقكم المرتعبنعم...قتلت ود الريس...وقطعت موطن شهوته وافتخاره الزائفانتقاما لانسانيتى المكلومةوثورةضارية ضدكم وضد صمتكم الريفى الطويلاعرف انه لايعنيكم من جريمتى غير النميمة...فالدهشة التى ابديتموها مفتعلة...وصراخكم مفتعل...واندهاشكم غير صادقلماذا قتلته؟؟؟وهل يهمكم الامر الآن كثيرا؟؟؟هل توقعتم غير ذلك؟؟؟...ياللسذاجة...واللؤمانا اعرف دورى بدقةوانتم تعرفون دوركمواعرف أنكم حين تجمعتم فى الدار...تتصايحونكنتمتريدون سبر اغوارى المحتضرة لانكم تنشدون فيها ريحا لبحر آخر خلف سواحلى؟؟؟فأنتمعندما تعتلون هضابى فأنكم تنشدون ضباب افق آخراعرف اننى لم اكن يوما مبتغاكم ولا مبتغى الراوى ولا جده ولابت مجذوب ولا حتى ود الريسها انا ذى اقف فى حد سيف المنية معه...وامامنا يقف ملك موت واحدفى فوهة غرفة واحدةغرفة واحدة ضمتنا سويا॥ قبل سويعات॥حرقت نساء الحى فيها بخور الصندل ... اسمينها، ياللسخرية... بيت عرس।ود الريس تفوق عليهم جميعا بالوصول الى هذه الغرفة...كبشا لفداء القبيلةهل تعرفون لماذا كان رجال الحى يلهثون للارتباط بى والزواج منى؟؟؟حتى الراوى ارتجف قلبه...فهو غير معصوم من جرثومة العدوى التى يتنزى بها جسم الكونلم يرد احدهم الارتباط بحسنة بت محمود...بل ارادوا الزواج من ارملة مصطفى سعيدكانوا رجالا ببعد واحد...افق واحدوكان رجلا بالفجميلة انا।؟؟؟..اعرف كم انا جميلة...ولكن جمالى لايلفت انظار هذه القبيلة.... مصطفى سعيد هو الرجل الذى استطاع ان يتذوق شموخى واباىقامتى الفارعة...ويداى النظيفتان... ملامحى الغامضة كلها تفاصيلكانت تباعد بيني وبين الزواج من احدكم... بينما جاءت به الى بابىتظنون اننى لا اعرف نساءه البيضاوات ؟؟؟لا...يا ايها المحلفون الجالسون على منصة الغيباعرف حقيقة واحدة...مصطفى سعيد كان يبحث عنىو عندماقتل آن همند وشيلا غرينود وايزابيلا سيموروجين موريس... بغموضه الافريقى الساحر..كنت انا فى غياهب الآتى و المستحيل....ادرى انه كان يبحث عنىاعرف اننى لا اعنى لكم الا مدفنا اللغز الكبير وحارسا من حراس الجن فى مملكة الصمت والفجيعة...مصطفى سعيدمصطفى سعيد هو حسنه....هو الآخر الذى ولدته امرأة صامتهدموعها صامته ...وفجيعتها صامتةجاءنى ...ليفك طلاسم اللغة الانثوية التى منحته الوجودهل قلت جاءنى..لا بالطبع...انا التى تبدت لهكشراع يتبدى تحت لجة القمرانا التى تمظهرت له بالسكون الصاخبولوحت له بمفتاح الطلسم السر مدى...انا التى تعرفت على نصف تفاحتى ...الضائع...واغلقت عليه شرفات الشوق والمتاهةمصطفى سعيد كان جنوبا يحن الى الشمال ....ولكنى كنت امرأة من كل الاتجاهاترياحى شرقية وامطارى شمالية غاباتى جنوبية ...ورعودى من اقصى الغربتريدون ان تعرفون اين ذهب مصطفى...ولماذا تركنى والولدين والغرفة المسقوفة فى متاريس السؤال؟؟؟وماذا ننتظر نحن انصاف الابطال فى مجاهل الروايات...واواخر فصولها غير تبنى التسآول واحتمالات الاجابة؟؟؟انا افضل الصمت يا سادتى.... فلنمت انا وود الريس والسر والفضول فى غرفة...سقفها صندل وارضها بركة من دم

الأحد، يوليو 12، 2009

اول محاكمة سياسية في تاريخ فرنسا


محاكمة جان دارك ، من كتاب أشهر المحاكمات.
نحن الان في 21 شباط – فبراير من عام 1431 . في ذلك اليوم ، وفي قاعة باردة من قصر روان ، حيث جلس بشكل نصف دائري خمسة واربعون من رجال الكنيسة بدأت محاكمة جان دراك في مركز الدائرة ، وعلى كرسي صغير جلست المتهمة " الساحرة " مكبلة بالاصفاد - أمام هؤلاء الرجال . افتتح الكاهن كوشون المحاكمة بسيل من المتهم صبها على رأس المسكينة وتتراوح بين الشعوذة والفجور . والواقع ان احداً من الحضور لم يكن مخدوعاً بحقيقة الامر . فالتهم التي ذكرت ليست سوى تغطية لما هو أدهى وأكثر خطرا على البعض . لقد طردت جان داراك هذه الانكليزية من اورليان عام 1492 . وبعد شهرين توجت ولي العهد ملكاً على فرنسا تحت اسم شارل السابع مكان الملك الانجليزي هنري السادس .هذا هو سبب محاكمة " الساحرة " وهذا هو ايضاً سبب محاكمتها في روان ، التي تعتبر عاصمة الانكليز في فرنسا ، ومن قبل جماعة تعتبر عملية لانكلترا .عندما طلب منها رئيس المحكمة كوشون ان تقسم على الانجيل بأن تقول الحقيقة في اجابتها عن اسئلة القضاء ، رفضت ان تقسم الا على ما يتعلق ، في هذه الاجابات ، بها وبعائلتها اما فيما يختص بالامور الاخرى ، كالوحى الذي ينزل عليها وينير خطواتها من وقت لاخر ، فقد اجابت بتصميم انها لن تفصح عنه الا لملكها شارل السابع ، حتى ولو كلفها رفضها هذا حياتها .لم يفد اصرار رئيس المحكمة امام ثبات موقف جان . وعندما سألها ان تذكر اسمها والقابها ومكان ولادتها ، اجابت بكل هدوء ان اسمها جان وانها ولدت في دومريمي من أب فلاح وام علمتها الخياطه والحياكة ، اما الالقاب ، فليس لها شئ منها وقد انتهزتها فرصة لتذكر مآسي قريتها مع الجنود الانكليز الذين كثيراً ما كانوا يقومون بأعمال النهب والسلب والحرق فيها ، مما كان يدفع أهلها للنزوح والالتجاء الى اماكن اخرى مجاورة .لم يرق للرئيس ، لكنه احتوى الانفعال . بعدها ، سألها :- مم تشكين ؟- من الاغلال التي تقيد رجلي - هذه الاغلال وضعت لانك حاولت الهرب من السجن - هذا طبيعي . فكل سجين يتمنى الهرب .هنا انتقل الرئيس الى موضوع اخر وسأل المتهمة :- متى بدأت بسماع الاصوات الخفية او ما تسميه الوحي ؟- منذ سن الثالثة عشرة وكنت عندها في حديقة البيت ظهر احد الايام ، انه صوت آت من عند الله لهدايتي الى الطريق القويم.- باي شكل ظهر عليك هذا الصوت ؟- لن أعطي جواباً عن هذا السؤال . كل ما يمكنني قوله هو أن الصوت أمرني بالتوجه الى اورليان لتحريرها من الانكليز وتتويج ملك فرنسا عليها .- هل استقبلك الملك بسهولة ؟- نعم - لماذا ؟- لان الملك ، هو ايضاً ، لديه بعض الايحاءات .- كيف ؟- لا يمكنني الاجابة يمكنك ان تذهب عنده وتسأله .

هنا رفع الرئيس الجلسة لتعقد يوم السبت في 24 شباط فبراير وفي ذلك اليوم ايضاً حاول الرئيس كوشون مرة اخرى ان ينتزع من جان داراك ما عجز عن انتزاعه منها في السابق وهو ان تقسم على ان تقول كل شئ بما في ذلك حقيقة مصدر الوحي واسراره ولكن اصرار جان داراك على موقفها الرافض عمق لديه الخيبة ، وهذا الاصرار على ان علاقتها بربها هي علاقة مباشرة ولا تمر بأي وسيط والكنيسة وسيط جعل الفتاه تقع في الفخ الذي نصبه لها كوشون . هنا وبعد نجاح خطته ، أعطى الرئيس الكلام لعضو المحكمة جان بوبير ، الذي بدأ باستجوابها بما يلي :

- متى سمعت هذا الصوت اخر مرة ؟ - سمعته البارحة واليوم .- في أية ساعة ؟- سمعته ثلاث مرات ، صباحاً وظهراً ووقت القادس .- ماذا كنت تفعلين البارحة عندما اتاك الصوت ؟- كنت نائمة ، والصوت هو الذي ايقظني .- كيف ؟ بهز الذراع ؟- ايقظني دون ان يلمسني .- هل كان الصوت في غرفتك ؟- كلا ، كان في القصر .- هل شكرت الصوت وركعت على ركبتبك ؟- نعم . وطلبت منه ان يساعدني . والان ، يطلب مني هو ان أكون شجاعة . وهنا ، التفتت الى كوشون ، كما لو كانت تنفذ ما طلب منها الصوت في شجاعة ، وقالت له :- احذرك ، انت من تقول انك حاكمي ، مما تفعل . أنا مرسلة من الرب فتنبه للخطر ....كان من الممكن ان يكفهر جو المحكمة لهذا التهديد يصدر بوجه الرئيس من فتاة بسيطة كجان دراك ، لولا أن احتواه كوشون على مضض ، ولولا ان تدخل بوبير على الفور قائلاً لها :- وهل تعتقدين أن قول الحقيقة يغضب الله ؟ لم تعر جان أي اهتمام للسؤال ، بل أكلمت :- لقد أوصاني الصوت ان أبوح به للملك دون سواه . وهذه الليله بالذات ، كلفني برسالة له على قدر كبير من الاهمية بالنسبة اليه . واريد ان تصل اليه .- الا يمكنك اقناع صاحب الصوت ان ينقل الرسالة بنفسه الى الملك ؟- لا أعرف . فهذا يتعلق بارادة الرب .- هنا ، بدأ بوبير يفقد صبره :- أليس لهذا الصوت وجه وعيون ؟- لن أقول لك شيئاً من هذا .- اتعتقدين انك تحت رحمة الرب ؟- ان لم أكن كذلك ، فالرب يحيطني بها ، وان كنت ، فهو يديمها علي .

لقد أدهش الجواب الحضور ، وجلهم من كبار اللاهوتيين . وهذا الجواب ، بجرأته وعمقه وصفائه ، أعطى برهاناُ اخر على ان هذه الفتاه تنعم بسر الهي خارق .لكن المحكمة معقوده ، لا لتظهر اعجابها ودهشتها ، بل لتحاكم جان دراك بتهمة الشعوذة لذلك ، كان لا بد من تبديد ما علق في الأذهان من ايجابيات للفتاة ، وهذا ما فعله كوشون عندما رفع الجلسة .ولما عادت المحكمة والتأمت ، كان لا بد من محو الانطباع السابق المتألق في أذهان الحضور ، هذه المهمه اخذها بوبير على عاتقه : - هل كنت تلعبين مع اولاد قريتك وترعين معهم القطعان ؟- نعم . عندما كنت صغيره .- هل تعرفين شجرة الجن ؟- نعم . وكنت اذهب اليها احياناً مع بعض بنات القريه . لكني لم اجد ايه جنية . كما اني لا اومن بوجود الجن .- هنا ايضاً ، لم يوفق بوبير في الايقاع بالفتاه المسكينة .- هل تودين يا جان لبس ثوب امرأه ؟- لا مانع لدي ، على الرغم من أن ما البسه يعجبني لان الرب لم يعترض عليه .لقد قصد بوبير ان يبرز جريمة جان ، كما كان ينظر الى انذاك ، يلفت انتباه المحكمة الى ما تلبسه جان وهو بزة عسكرية يلبسها المحاربون ، دون سواهم .- هل ينبعث امامك نور عندما يتحدث اليك الصوت ؟- نور وهاج !

هذه الجرأة ، تبديها فتاه بسيطه امام محكمة بهذه الضخامة وذاك المقام ، كلفت جان اجراءات مشددة في سجنها فيوم السبت في 17 اذار – مارس 1431 ، كان قد مضى عليها اسبوع كامل دون ان تخرج من زنزانتها . واذا ما أضيف هذا التشدد الى اجراءات اخرى عرفنا مدى ما تركه موقفها من اثر سئ في نفوس حاكميها . لقد نقلت الى سجن علماني يحرسه جنود انكليز . ومعروف كم حاربت دارك الانكليز . وهذا مخالف للقانون الذي يفرض على من يحاكم كنيسة ان يحجز في سجن كنسي . يضاف الى ذلك ان يجب ان تكون في سجن نسائي ومحروسة من قبل حراس من النساء . ومما يبرز التحيز ، هو انه لم يعين محام للدفاع عنها . ناهيك عن ان اتعاب هيئة المحكمة كانت على عاتق الانكليز دون سواهم . والفضيحة الكبرى في هذه القضية هي ان المحكمة أعلنت ، منذ انعقادها في الجلسة الاولى ، ان جان ستسلم الى الانكليز لتحاكم من قبلهم ، اذا ما قررت المحكمة تبرأتها . كل هذا يعني بوضوح ان المحاكمة برمتها ليست سوى تمثيله يراد بها تغطية الحقيقة وهي مطالبة الانكليز لرأس من اقسمت على اخراجهم من فرنسا . الجلسه الان تعقد في زنزانة السجينة . وفيها تولى جان دي لافونتين الاستجواب مكان بوبير :

- هل لك ان تقيمي حبك للكنيسة وخدماتك لها ؟- أحب الكنيسة واتفانى في دعمها بكل ما اوتيت من قوة ، وأود لو تسمحون لي بحضور القداديس . اما اعمالي ، فأترك لرب السماء تقييمها ، الرب الذي ارسلني الى شارل ، الملك الحقيقي لفرنسا ، وبالمناسبة أقول لكم ان الفرنسيين سينتصرون على الانكليز في معركة حاسمة . تذكروا اني قلت لكم ذلك يوماً .- هل تقبلين حكم الكنيسة مهما كان ؟ - انا اقبل بحكم الرب . ولما كان الرب والكنيسة واحداً ، فلماذا نوقع انفسنا في متاهات السؤوال؟ - هناك كنيسة مظفرة يذوب فيها الرب والقديسون والملائكة . وهناك كنيسة ملتزمة تشمل البابا والكرادلة والاساقفة . هذه الكنيسة معصومة عن اي خطأ لانها بأمره الروح القدس فهل تنصاعين للكنيسة الملتزمة ، الكنيسة الارضية ؟

سؤال محرج . هل ترد بالسلب وتعتبر خارجة على الكنيسة وتحاكم على هذا الاساس ؟ لقد فهمت المأزق . لكنها اختارت طريقها منذ وقت طويل .

- لقد أرسلت الى ملك فرنسا من قبل الرب . والى الرب اقدم حساب ما فعلت وما سافعل .- هل تقبلين بالافصاح عما رفضت الافصاح عنه امام قداسة البابا ؟- بالتأكيد . خذوني امامه وسأقول له كل شيء. كان الجواب واضحاً ومحكماً . لكن المرسوم هو ان تقاد جان دارك امام الانكليز وليس امام البابا . وهذا السؤال يدل على النية المبيته من قبل لافونتين :- هل يكره الرب الانكليز ؟- لا أعلم مشاعر الرب اتجاه الانجليز كل ما اعرفه هو انهم سيطردون من فرنسا ، باستثناء من سيموت منهم على ارضها .- من دفعك الرسم ملائكة بأذرع وأرجل وثياب ؟ هلى يظهرون عليك على هذه الصورة ؟- هكذا هم مرسومون في الكنيسة .- لماذا هم اثنان فقط ؟- لان رايه الجيش المهاجم للانجليز يقودها الرب بواسطة القديسة كاترين والقديسة مارغريت . اللتين قالتا لي : " تسلمي انت هذه الرايه باسم رب السماء " ؟- هل يعتمد الامل في النصر على الراية او عليك بالذات ؟- انه يعتمد على الرب .- لماذا كانت رايتك وحدك حاضرة عند تنصيب الملك وليست رايه سائر القواد ؟- لانها هي التي جاهدت . فهي اذا التي تستحق هذا التكريم .- هل تقبلين خلع لباسك العسكري ولبس ثوب نسائي للذهاب الى القداس ؟- اقبل . ولكني سأعيد بزتي العسكري واعود الى الجهاد حالما اخرج من الكنيسة .

هنا ، وقد اخذ الضيق مأخذه في نفس رئيس المحكمة ، أمر برفع الجلسة . وما هي الا لحظات حتى رأت جان دارك نفسها ثانية في زنزانتها وجهاً لوجه امام حراسها الانكليز .

ثلاثة اشهر مرت والفتاة حبيسة الزنزانة . ثلاثة اشهر عاشت فيها بعذاب نفسي وجسدي فلما أصاب سجيناً اخر . ومع ذلك ، فانها لم تركع . ولما كان يقتضي الانتهاء من هذه القضية خوفاً من تفاقمها وانعكاساتها ، فقد قررت جامعة باريس ، الملتئمة بكامل هيئتها في 15 ايار- ما يو 1431 ، ان تتبنى لائحة من اثنى عشر اتهامياً رئيساً. هذه اللائحة قدمت من قبل كوشون نفسه مرفقه بكتاب من ملك انكلترا . جميع هؤلاء وجهوا الى جان داراك تهمة الشعوذة والهرتقة والوثنية ، كما وجهوا اليها تهمة قتل الانكليز والتعطش للدم المسيحي .

وفي 23 ايار مايو ، طلب من المتهمة العودة عن " اخطائها وتصرفاتها المشينة " لكنها رفضت باصرار " حتى ولو رات النار التي سيحرقونها بها تشتعل " .

24 ايار – مايو في هذا اليوم كان كل شئ قد هي للحكم وللتنفيذ . الحكم بالموت حرقاً . واستكمالاً لفصول المهزلة ، دعي الناس لحضور الجريمة . وعلى رأس هؤلاء ، ملك انكلترا الحقيقي ، اسقف ونشستر وهيئة المحكمة . ومقابل المنصة الرئيسية ، منصة الشرف ، وقفت جان داراك .

بدأ " الاحتفال " بخطاب القاه في وجه المتهمة المحامي غليوم ، صديق كوشون الشخصي :- جان انت ساحرة ومهرتقة وخارجة على الكنيسة . وملكك الذي اراد استرجاع ملكه بواسطة امرأة هو ، في الواقع ، مثيلك . ثم أكمل بلهجة أكثر ليونة :- انا ارثي لحالك . عودي عن اقوالك والا ، فان الحكم سيكون قاسياً عليك .- انك تتعب نفسك كثيراً لتثني عن عزمى ولتحضني على انكار الحق .هنا ، انبرى جاك كالو ، سكرتير ملك انجلترا ، وأخرج من كم سترته ورقة سطر عليها عليها بضعة أسطر ، هي الدليل على ان كل شئ قد هيء مسبقاً، صرخ غليوم ملتفتاً نحو جان :

- وقعي على هذه الورقة والا فانك ستنتهين الى النار .

أذعنت جان بصوت ضعيف . لكن مفاجأة غير متوقعة حصلت . فقد ثار الانكليز الموجودون في المنصة على الرئيس كوشون نفسه وسائر اعضاء المحكمة متهمين اياهم بنقض الاتفاقية والخيانة: لقد اعتبروا ان الورقة التي عرضت على جان دراك للتوقيع ستؤدي ، عند توقيعها ، الى تبرئة المتهمة وعدم تسليمها الى الانكليز . ماذا كانت تحوي هذه الورقة التي وقعتها الفتاه المسكينة بعد ان شنت عليها حرب نفسية رهيبة ؟ انها اعترف منها بالشعوذة ونكران لسماعها صوت الرب كما انها تعهدت بالامتناع عن لبس الثياب العسكرية . أما كوشون ، العميل الامين الاسياده الانكليز ، فقد سارع ، عندما ثارت ثائرة هؤلاء الاسياد ، الى تطمينهم ، وامعاناً في ذلك فقد عجل في اصدار حكمه على جان داراك : السجن مدى الحياة على الخبز والماء لتغسيل خطاياها ولتكف عن اقتراف غيرها .

امتقع لون المسكينة عند سماعها الحكم وعرفت انها وقعت في الفخ الذي نصب لها ، فتوقيعها على الوثيقة لم يكن الهدف منه سوى اهانتها وهدر كرامتها ، لانقاذها ، كما ذكر امامها. اما الانكليز فقد ظلوا على انفعالهم . صحيح ان جان دراك ستمضي بقية ايامها في السجن ، لكن الصحيح ايضاً هي انها ستبقى حية ، في حين دبروا ما دبروا ودفعوا ما دفعوا لتنتهي عدوتهم الى النار وليتخلصوا منها الى الابد .

عادت جان دراك الى زنزانتها لتلبس ، كما تعهدت ، لباس امرأه لكن ، لم تمض سوى ثلاثة ايام حتى شوهدت تعود الى لبس الزي العسكري . فما الذي حدث حتى تنقض السجينة تعهدها ؟ الامر غاية في البساطة ، لقد امرها سجانها الانكليز بذلك بقصد اعادتها الى محاكمة جديدة وبالتالي ، اصدار الحكم بحرقها حية .وهكذا وفي اليوم الرابع للمحاكمة الاول، بعد يوم واحد من نقضها القسري لتعهدها ، عادت المسكينة لتواجه المحكمة والمصير المرسوم ، جرت المحاكمة – المهزلة وحكم على جان دراك بالاعدام حرقاً ، ورضي الانكليز .

خمسة وعشرون عاما مرت على موت جان دراك ففي 7 تموز سنة 1456 ، كان اناس كثيرون يتجمهرون في باحة قصر روان ليستمعوا خاشعين الى حكم اخر يقضي ، هذه المرة باعادة اعتبار الشهيدة . كبار رجال الكنيسة في باريس وريمس وكوتانس ومعهم شقيق جان دراك التأموا في اجتماع تاريخي ليعلن كاهن ريمس ياسمهم ما يلي .

" نعلن باسم الرب ، الحسيب الوحيد على اعمالنا ، ان المحاكمة التي ذهبت جان داراك ضحية انحرافها وعمالتها ، باطلة ، وان الحكم الصادر عنها هو ايضا باطل كما نعلن ان جميع الاتهامات بالشعوذه والهرتقة الموجهة الى الشهيدة باطلة ، هي الاخرى لذلك فاننا نحكم بالغائها جميعاً " .

ما ان انتهى الكاهن من قراءة وثيقة البراءة ، حتى ظهرت علامات الرضى على وجوه الحضور وهمهمات الموافقة على شفاههم . وامعاناً في التكريم ، توجه الجميع الى مقبرة سان - اوين ، حيث انتزع، احتيالاً اعتراف جان دراك بالشعوذه وانكارها لسماع صوت الرب . وهناك قرأ كاهن ريمس حكم البراءة ثانية على مسمع من الحضور . وقد تكرس هذا الحكم من قبل البابا نفسه .

كان هذا تتويجاً لجهود دامت سبع سنوات ، سبع سنوات مليئة باجراءات باعادة محاكمة شاقة ومثيرة . اعيد النظر بكل الوثائق . فندت كل الاقوال ودحضت جميعاً . وقد اشرف على هذه العملية كبار القضاة ورجال القانون من الملك شارل السابع ، ملك جان دراك ، الذي تنبأت المسكينة بانتصاره على الانكليز وبعودته الى عرش بلاده . وقد صدقت النبوءة .

وهكذا انتهت اول محاكمة سياسية في تاريخ فرنسا . كانت محاكمة مثيرة اظهرت بوضوح ما يمكن ان تؤدي اليه عمالة ضعاف النفوس . ان جان دارك اصبحت بطلة وطنية ويطلق اسمها على الساحات والشوارع والمؤسسات في فرنسا وخارجها ، لكن الصحيح ايضاً هو انها ماتت حرقاً ، وهذا المصير ، لمجرد تخيله ، رهيب فكيف به عند المنفذ به ؟ واذا كان من عبره لهذا القضية برمتها ، فهي ان الحق هو المنتصر الاخير في الجولة الاخيرة ذاك هو منطق الامور . ولكن ... كم من الضحايا تسقط وكم من الرؤوس تتدحرج قبل ان تصل الامور الى نهاية منطقها او ، بالأحرى الى منطق نهايتها ؟ قد تكون التضحية بالذات هي القربان الأمثل الذي يقدمه المرء لاحقاق حق او لابراز حقيقة . وهذا في نظر الكثيرين ، قمة العطاء .

اضاءات علي ندوة جمعيه الصحفيين السودانيين –بالسعودية
نوارة الثقافة السودانية الحضور في الغياب
بقلم : مصعب مصطفي الجزولي – المحامي

شهدت قاعة مركز الملك عبد العزيز التاريخي ليلة الخميس الفائتة الندوة التي أقامتها جمعية الصحفيين السودانيين في أطار تدشينها لفعاليات الموسم الثقافي الرابع وجاءت بعنوان (الطيب صالح تجربة روائية رائده)- تحدث فيها عدد من النقاد والباحثين وقدمها الشاعر محمد مدني.
وابتدر الحديث الشاعر والناقد المصري عبدا لله السمطي متناولا تجربة الطيب صالح من خلال روايته موسم الهجرة الي الشمال والتي يري انها تمثل أضاء مجسمه لما يمتلكه الأدب السوداني من وعي ورغم ظهور اسم السودان قبل ذلك من خلال الشعر بفضل شعراء مثل الفيتو ري وجيلي عبدالرحمن وعلي المستوي الفكري واللغوي كان عبد الله الطيب ولكن الطيب صالح كان أكثرهم تعريفا بالسودان من خلال مجال السرد الذي برع فيه حتي حاز علي العالمية فيه ويري أن تجربة الطيب صالح ربما ضاهت كتاب كثيرين مثل نجيب محفوظ وحمد الجاسر وحنا مينا وغيرهم من الروائيين الكبار في الوطن العربي وتحدث عن رواية عرس الذين والتي يري انها غنية ومتشربه بالثقافة السودانية والفلكلور السوداني والتي من خلالها حمل الطيب صالح القريه السودانية الي مصاف العالمية ،ويري أن هذه الرواية سوف تكون معبرة كثيرا و معرفة بالثقافة السودانية اذا تم تحويلها الي عمل سينمائي .وأضاف أيضا بان رواية موسم الهجرة الي الشمال عمل روائي عظيم أبداع فيه الطيب صالح رغم ان فكرة الرواية قد سبقتها فيها أعمال روائيه أخري مثل قنديل أم هاشم وعصفورة من الشرق ومذكرات فتاة جامعية في أمريكا لكن تظل هي الأجود علي الإطلاق كما نوه ان أعمال الطيب صالح تحتاج الي دراسة عميقة لان فيها مايستدعي شرحه وتوضيحه للقراء.
كما قدمت الدكتورة شيراز محمد عبد الحي المعالجة الدراميه لشخصية حسنه بت محمود التي أعدتها الممثلة السودانية تماضر شيخ الدين فهي معالجة لشخصية محورية في رواية موسم الهجرة فقد أجادت الدكتورة شيراز في اداءها بصورة رائعة ورغم ان هذة المعالجة تحتاج لأدوات مسرحيه معينة كما أشارت هي لذلك. وكان المتحدث هذه المرة هو الكاتب والروائي محمد جميل الحائز علي جائزة الطيب صالح التقديرية من مركز عبد الكريم ميرغني عن روايته بر العجم بدء الحديث متسائلا عن قيمة الطيب صالح لنا كسودانيين وماذا قدمنا له كشعب سوداني؟؟مقابل مقدمه لنا من شهره وصيت ...تطرق للحديث عن تجربة الطيب صالح من خلال رواية موسم الهجرة الي الشمال ،معتبرها حدثا كبيرا بامتياز حتي صار يؤرخ لمابعدها وماقبلها كما يعتبرها فارغة في تاريخ الرواية العربية واستطاع الطيب صالح ان يحطم العوالم السردية فيها واشارة فيها لصراع الحضارات علي المستوي الفني والتاريخ الشخصي لبطل الرواية فيه دلالات سياسيه فهو مولود أي البطل في عام 1898وهوبداية الاستعمار ووفاته كانت في عام1956وهوعام الاستقلال وهذه الدلالات أراد الراوي تضمينها في هذا النص وجعل من قرية ود حامد كونا مفتوحا ،فاستطاع ان يجعل من المحلية جسرا للعالمية وان كان قد سبقه لذلك بعض الكتاب مثل النيجيري تشينوا اتشيبي في الاشياء تتداعي وجوزيف كورنراد في قلب الظلام ويري ان التلاقي في كل هذه الأعمال هو المستعمر الذي يسعي الي تحطيم الإنسان المستعمر .كما أشار الي ان هناك من يري بان الطيب صالح ربما اخذ من جوزيف كورنراد في قلب الظلام فكرة روايته ولكن هذا لايسنده واقع ،وأيضا تحدث عن رمزيه خاصة استخدمها الطيب صالح في جميع أعماله وهي ذات دلالات معبره وهي ان ذكر الأب يكون معدوما في أعماله لانه يمثل الحاضر المهزوم فلذلك يلجا لذكر الجد والابن أي انه يتنقل بين الماضي والمستقبل دون التعرض للحاضر المأزوم ومحمد جميل يري ان الحنين هو المرتكز الأساسي لأعمال الطيب صالح بصورة عامه.
وكان اخرالمتحدث في هذه الندوة الصحفي مصطفي يوسف حامد ابتداء حديثه بان ليس هناك شخصيه سودانيه اتفقا حولها جميع السودانيين بمختلف اتجاهاتهم الفكرية غير الطيب صالح وأيضا تطرق لموضع ربما لم يكن مطروقا من قبل النقاد في أعمال الطيب صالح وهو يري ان الطيب لم يكن منتميا سياسيا ولكنه مارس السياسة بزخم في كل أعماله الروائية تقريبا فهو قد تنبأ بالتقاء الغرب والشرق في ظل توافر ظروف محددة فروايته موسم الهجرة ناقشت ذلك وفي دومة ودحامد يدعو الي الاتفاق وانه لاتوجد مبررات للاختلاف وفي ضوء البيت كان البطل مقبولا اجتماعيا فالطيب صالح أذن تناول العولمة في أعماله من وقت بعيد فهو يدعو الي التواصل بين الناس والحوار البناء وقبول الأخر.
ومن الملاحظ في هذه الندوة ان اجل المتحدثين اختزل تجربة الطيب صالح الروائية في (موسم الهجرة الي الشمال)ليس لاعتبارات كلها إبداعيه وقد يكون معهم حق في ذلك ولاسيما وان هذه الرواية قد صنفت من أفضل مائة رواية في القرن العشرين ووضعت حولها الكثير من البحوث والدراسات ونالت من التقريظ مالم تناله رواية أخري ،حتي انها لتمارس نوعا من السطوة الإبداعية التي عاني منها الطيب صالح نفسه كما اعترف ذات مره بذلك ولكن الحديث عناها بإسهاب دون الأخريات لايتماشي مع عنوان وشموليه عنوان الندوة وربما أدي الاهتمام بها دون الأعمال الاخري في وقت ما في حياة الطيب صالح نفسه جعل المبدع داخل الطيب صالح لايستطيع تجاوز هذه الرواية واخشي علي النقاد من انتقال هذه العدوة.وفي تقديري ان الطيب صالح لم يقرا بعد وأتوقع ان النقد القادم سيتناول الطيب صالح بشكل أجمل وأفضل.
عموما الندوة كانت تظاهره ثقافية رائعة تحسب لجمعية الصحفيين التي وكما عودتنا دائما علي مثل هذه الندوات رغم انها لم تسر كما هو مخطط له وذلك باعتزار الراوئي السعودي عبده خال في اللحظات الأخيرة والحضور المتواضع ولكن جهد مقدر وليله رائعة رغم كل الظروف.

الثلاثاء، يوليو 07، 2009

قراءة في عوالم أبّكر آدم إسماعيل الروائي
رواية الطريق إلى المدن المستحيلة :
تنتظم هذه الرواية في أربعة فصول هي: اللعبة الصغيرة: سيرة أولاد قرف- اللعبة الخطيرة: سيرة المدينة- اللعبة الكبرى: سيرة السراب- لعبة الزمن: سيرة الحلم.والرواية تقوم إذن باللعب والسيرة. فلنسرعْ إلى القول: سيرة البلاد والبشر: السيرة المجتمعية، مهما خلت من أو انطوت على الذاتي. ولنسرع إلى القول أيضاً: إن هذه الرواية تستهدي بما هو أسّ لهذا الفن ولكل فن، وبما ينطوي عليه من نظر إلى الحياة بحلوها ومرها. والعلامة الفارقة للعب هذه الرواية هي السخرية التي تفتقر إليها الرواية العربية بعامة، على الرغم مما أبدعه إميل حبيبي وغازي القصيبي، أو يسعى إليه آخرون مثل محمد أبو معتوق والميلودي شغموم وأمير تاج السر...يقدم الفصل الأول من هذه الرواية عصبة التلاميذ في المدرسة الشرقية الذين يذكّرون بعصبة المسرحية الشهيرة مدرسة المشاغبين. وستتابع الرواية مصائر أولاء عبر التحولات العميقة للمجتمع السوداني من انقلاب عسكري إلى انقلاب.إنهم القادمون من القاع الريفي والمديني، مقابل عصبة (أولاد كموش) من أبناء الذوات، والتي ستتلاشى أمام (أولاد قِرِف) الذين سيقل عددهم في المدرسة، مقابل تكاثرهم في المجتمع. ويتصل بأولاء من أبناء الجنوب السوداني مايان دينق ابن ضابط البوليس وجيمس آيول وبول أشيول. وإذا كان عثمان شربات- من العصبة يستغرب وجود جنوبيين في المدرسة، وإذا كان أيضاً أحمد سالم أبو خميس يستذكر من قريته اشتهار الجنوبي بلقب (الجنقاي) وعمله فقط الرعي أو التحطيب أو الشجار.. فإن ما يؤرق جومو- الذي سيستأثر بالكثير من الرواية. هو أن الجنوبيين مسيحيون، ولذلك يعتزم هداية صديقه جيمس آيول إلى الإسلام، ويستعير منه التوراة، وسيكون لقراءته لها فعل حاسم في تكوينه الروحي.من الكتابة على جدران المراحيض إلى مغازلة فتيات المدرسة الأميرية، والتدخين في الفصل، والتردد على حانة (تام زين) وماخور (زوبا).. تتوالى سيرة أولاد قرف في المدرسة، بقيادة علي إسماعيل (الكضاب) الذي اكتسب لقبه بسبب ما كان يروي للعصبة من قراءاته ومشاهداته قبل أن يتقاعد أبوه وتهدأ تنقلاته. وعشق الكضّاب لزهرة هو أيضاً امتيازه على العصبة. ومثل هذا من غرارات المراهقة سيكون ما بين جومو ونازك ابنة مدير المدرسة، مما سينسج مؤامرات العصبة وزهرة وصديقاتها ونازك وشقيقتها الكبرى سلمى.على الحب بين جو- مختصر جومو ونون- أي نازك- سيقوم رهان الرواية. فقد "انبجس النداء الأنثوي الذي كان يتعرج بين الأوامر الأزلية وكهوف التغييب الأصم، ليجد نفسه دفعة واحدة في البرية". وهذا ما سيشكل عصب حياة العاشقين، ابتداءً من مرض جو بالملاريا إلى مسلسل الرسائل، وشكوى زهرة من المدرسة "أو من السجن الإحنا فيهوه" كشكوى نازك وشقيقتها من المنازل- السجن.بانتقال المدير زين العابدين إلى كسلا- الفصل الثاني- تنعطف الرواية بالعاشقين منعطفهما الحاسم الذي سينعطف بالرواية أيضاً إلى الاشتغال بالتوازي على خط نازك وأسرتهما ومن سيجدّ، وعلى خط جو والعصبة ومن سيجدّ، فيما السخرية تتفجر، وهي التي نرى فيها من قبل (شعب جمهورية قرف) و (جنرالات قرف)، وقراءة العصبة لرسالة نازك إلى جو، استناداً إلى (قوانين الاشتراكية الطبيعية) وتجاوزاً لـ(نزعة الملكية الفردية). ومن قبل نرى (قانون الحضور المنزلي) في بيت نازك، و(طاولة المفاوضات) بين نازك وسلمى التي تحوك مؤامرة حضور حبيبها طارق إلى المنزل.. ثم يأتي وداع المدير في موكب "كموكب ديكتاتور في عيد انقلابه الذي اسمه الثورة" وتأتي خطبة المدير وبلاغته وقد ترقى في الاتحاد الاشتراكي- الحزب الحاكم- من فئوية المدينة إلى أمين المنظمات الفئوية والجماهيرية بمديرية القاش..يلحق جو بالعربة التي تنأى بحبيبته، ويفتضح أمرها، ويقع في المرض، وتفشو في المدينة حالة من العشق الجماعي له، ويغدو ونازك أسطورة، رمزها الحرفان الأولان من اسميهما (nj: نج). وبعد هرب جو من المستشفى إلى مرتع زوبا التي تعمل ساعتها البيولوجية بالتوقيت القمري، ولها شهورها الخاصة، ستعني العاهرات- الشكش بالعاشق المدنف المسرع إلى خيانة الرجال المحتومة. وسيلي عودته إلى المدرسة الاحتفال السنوي الذي يقدم فيه أولاد قرف مسرحية الشماسة، بإشراف الأستاذ عساكر الذي يغطي أمام مدير المدرسة على أفعال العصبة، إيماناً منه بجوهرهم المتمرد النظيف.في الطريق إلى المسرحية تقدم الرواية ما تحمل والدة جو لابنها من رمل قبة الشيخ أبو مفاريك، والحجاب (محاية مركزة) التي كتبها الفكي إساخا (إسحاق)، وكما تقدم قصة خال جو الزعيم الطلابي الذي جاب البلدان، ورفض الزواج الذي يهيئه أهلوه له من خدوج، وتزوج من زميلته في الجامعة، ثم مات في حادث غامض.تستوفي مسرحية الشماسة خمس عشرة صفحة من الرواية. وسيلوّن ما يؤول إليه جو من كتابة المسرح، أسلوبية الرواية، كما تلونها المتناصات من الغناء الشعبي ومن القصة ومن المفردات المحلية التي تستغلق غالباً على غير السوداني، كما يستغلق عليه كثير أو قليل من الحوار المكتوب العامية فقط، وفي هذا كله ما يجدد إشكالية الخصوصية والعامية- بل واللهجية- التي ما فتئت تنتأ منذ (عرس الزين) للطيب صالح إلى آخر رواية كتبها مغاربي.تستقي مسرحية الشماسة قاع المجتمع، وتهتك أسرار المدينة. ويحضر المحافظ العرض فيكون للمدينة (يوم النظافة العالمي) والمبارزة بالحناجر، وتكون هجمته على الناس في خطبة يقابلها الناس بالتصفيق الذي ظنه إعجاباً، لكن العكس هو الحقيقة، كما سيسّر السارد في نادرة من نوادر إفساده للسخرية بفظاظة حضوره.يرجم الشماشة الحقيقيون المسرح، ويغادر المحافظ، وتبرز (الجسارة الأنثوية) باندفاع زهرة وعزة وأنهار إلى الكوارل، ويستوي العرض بإنشاد الجميع، بعدما تألقت أسطورة المدينة في الغناء ندى عبد الواحد، ومن معها في فرقة إفريقيا الجديدة، ثم يأتي بالانقلاب العسكري، فيفر بعض قادة الاتحاد الاشتراكي والمنظمات الفئوية، حتى تبلغهم (شبه جملة) الرئيس القائد التي فلقوا الناس بها، فيعودون وقد خابت المحاولة الانقلابية، وبدأ حملة المحاكمات والإعدامات. وفي المدينة التي ليست غير (كومبارس أو كورس للسيدة الخرطوم) كبقية الأقاليم، يعتقل الأستاذ عساكر، ويقتل، فينعى باسم الاتحاد الاشتراكي وباسم المدرسة، لكن الحيلة لا تنطلي على الطلاب والناس، فيتظاهرون ويرجمون المؤسسات الحكومية، ويُصرع منهم ثلاثة ويختفي طلبة، ويغدو الأستاذ عساكر أغنية على كل الناس.هنا يهرب جو من المدرسة والمدينة، ويبدأ الفصل الثالث بلقائه في القطار بعبد الله إسحاق، وينزل في كوستي، ثم يتابع إلى الخرطوم ويعمل في البناء، ويكتشف مقام نازك من الجريدة التي تنقل أخبار أبيها، فيمضي إلى كسلا، ويرشده صبي إلى بيت المدير "الزول الكلاّم لّمن الرئيس جا". وعلى الرغم من أن جو لم يلتق نازك، فخبره يتناهى للمدير الذي يأمر بإبعاد المتبطلين من المدينة، وكان قد بدأ بمسلسل (الانفتاح الأحلامي) منذ انتقلت البلاغة من دهاليز المدرسة إلى دوائر المنظمات الفئوية، وصار المجد والسؤدد اللذان تغنى بهما في عهد التدريس، أكثر تعييناً: رشوى وصفقات وأطيان، ستتدرع بالدين وتكبر وترمح بابنه صلاح من موظف كبير في الرعاية الاجتماعية إلى موظف في بنك الجماعة (الإسلامية) التي باتت شريكاً في الحكم، وستشكل (حزب اللافتة)، فينضم المدير إليه وقد أقلعت به وبسواه شركة البركات للتجارة والاستيراد، والتي ستتطور من شركة محدودة إلى غير محدودة إلى ذات فرع وراء البحار.من (الشك المنهجي) في المدرسة يتطور الحال بالمدير إلى (الاعتقال التحفظي للمنقولات الخاصة) ببنيته، إثر افتضاح أمر جو ونازك، إلى متابعة الجراثيم (مطالعة البنتين) والفيروسات (رسائلهما) إلى سلم السلطة والمال والمجلل باليافطة الدينية.. هكذا ترسم سيرورة المدير سيروة المجتمع السوداني. وبالموازاة مع متابعة الرواية لهاتين السيرورتين تتابع شأن جو وصداقاته الجديدة مع بائع الترمس عبد الله إسحاق، الذي يجنّ، ومع الديكوريست عامر الذي سيهرب بعد اعتقال جو. كما تتابع الرواية بالتوازي وبالاشتباك مصائر أولاد قرف، فأبو خميس صار واعظاً، وشربات صار ضابط شرطة، يحاول أن يتجنب ضرب المتظاهرين، وشطة صار هداف الدوري، وبطيخة صار تاجراً لا يبخل على الأسر التي تتهاوى بتهاوي البلاد، وندى عبد الواحد صارت (شهبرة لهبرة) ونجمة الأغاني الهابطة التي يرى جو أنها أغان تصعد من القاع، والهبوط السوء هو فيما تصعد إليه.يتصل جو بذويه في الخرطوم، وتنضاف إلى شخصيات الرواية الخادمة عويضة في بيت وابن الخال ماجد عبد الرحمن الذي ستعري السخرية تقدميته كناشط في الجبهة الاشتراكية التقدمية، ومعبر عن (البرجوازية الاعتباطية). وستدفع القراءة وكتابة المسرح ومعمعة العيش بجو، مثلما يدفع به حب نازك ومراسلاتهما، إلى تكوين حزبه الشخصي من أولاد قرف المتكاثرين في قاع المجتمع. كما سيشكل مع علي إسماعيل وأنهار وآخرين جماعة الرصيف (اين رسمي أبو علي؟)، إلى أن تأتي القاصمة في الفصل الرابع.فنازك مضت إلى مصر لتتابع الدراسة مع شقيقها الدكتور عماد النقيض لصلاح. وفي عودة لعماد ونازك تغرق الباخرة ويقضيان، فتنظم ذكرى نون سنة بعد سنة زمن الرواية التي كانت من قبل تنظمه بالشهور والأيام. وعبر ذلك سيُسجن جو وعلي إسماعيل لحين، ويكتب جو المسرحية التي تحمل الرواية عنوانها، بينما يهاجر علي إسماعيل، ويكتب لصديقه عن الغزاة الداخلين كالغزاة الخارجيين. وبكوابيس جو- كوابيس السودان تنتهي الرواية بما يتوج المسار المروع على أي مستوى.
* * *
إذا كانت الرواية بذلك كله تقدم- كما كتب صنع الله إبراهيم على غلافها الأخير- المشهد السوداني المعاصر برؤية ساخرة، فمن المهم أن نشير إلى غياب فعل الحرب في الجنوب فيما قدمت الرواية، ومن ذلك- روائياً- غياب الطلاب الجنوبيين الذين ابتدأت بهم، ومن الجلي أيضاً أن التقية جعلت الكاتب يتحاشى تعيين الأسلمة التي عرفها السودان منذ عهد النميري. ولكن الأهم هو أن أبكر آدم إسماعيل قدم عملاً متفرداً، ليته يحظى بمراجعة لغوية توفر عليه تشويش الأخطاء الإملائية والنحوية.