--------------------------------------------------------------------------------
فى قديم الزمان حيث لم يكن على الأرض بشر بعد
كانت الفضائل والرذائل , تطوف العالم معاً وتشعر
بالملل الشديد ذات يوم وكحل لمشكلة الملل
المستعصيةاقترح الإبداع لعبةوأسماها (ام سكسك)
أو ام (الغميض) أحب الجميع الفكرة
والكل بدأ يصرخ : أريد أنا ان أبدأ .. أريد انا أن أبدأ
الجنون قال :- أنا من سيغمض عينيه ويبدأ العد
وأنتم عليكم مباشرة الأختفاء ثم أنه اتكأ بمرفقيه على شجرة وبدأ
واحد , اثنين , ثلاثة
وبدأت الفضائل والرذائل بالأختباء
وجدت الرقه مكاناً لنفسها فوق القمر
وأخفت الخيانة نفسها في كومة زبالة
وذهب الولع بين الغيوم
ومضى الشوق الى باطن الأرض
الكذب قال بصوت عالٍ :- سأخفي نفسي تحت الحجارة
ثم توجه لقعر البحيرة.
واستمر الجنون :- تسعة وسبعون , ثمانون , واحد وثمانون
خلال ذلك
أتمت كل الفضائل والرذائل تخفيها
ماعدا الحب....................
كعادته لم يكن صاحب قرار وبالتالي لم يقرر أين يختفي
وهذا غير مفاجيء لأحد , فنحن نعلم كم هو صعب اخفاء الحب
تابع الجنون :- خمسة وتسعون , ستة وتسعون , سبعة وتسعون
وعندما وصل الجنون في تعداده الى :- المائة
قفز الحب وسط أجمة من الورد واختفى بداخلها
فتح الجنون عينيه وبدأ البحث صائحاً :- أنا آتٍ إليكم , أنا آتٍ إليكم
كان الكسل أول من أنكشف لأنه لم يبذل أي جهد في إخفاء نفسه
ثم ظهرت الرقّه المختفية في القمر
وبعدها خرج الكذب من قاع البحيرة مقطوع النفس
واشار الجنون على الشوق ان يرجع من باطن الأرض
الجنون وجدهم جميعاً واحداً بعد الآخر
ماعدا الحب!!!!!!!!!!!!!!!
كاد يصاب بالأحباط واليأس في بحثه عن الحب
واقترب الحسد من الجنون , حين اقترب منه الحسد همس في أذن الجنون
قال :- الحب مختفاً بين شجيرة الورد
إلتقط الجنون شوكة خشبية أشبه بالرمح وبدأ في طعن شجيرة الورد بشكل طائش
ولم يتوقف الا عندما سمع صوت بكاء يمزق القلوب
ظهر الحب من تحت شجيرة الورد وهو يحجب عينيه بيديه والدم يقطر من بين أصابعه
صاح الجنون نادماً :- يا إلهي ماذا فعلت بيك ؟
لقد افقدتك بصرك
ماذا أفعل كي أصلح غلطتي بعد أن أفقدتك البصر ؟
أجابه الحب :- لن تستطيع إعادة النظر لي , لكن لازال هناك ما تستطيع فعله لأجلي
(كن دليلي )؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وهذا ماحصل من يومها
يمضي الحب الأعمى يقوده الجنون!!!!!!!!!
" الإجراءات التي أتخذها ليست إلا تدبيرا جذريا للإسراع في تفجير الحقيقة والوصول للعدالة".ولكن لدي شغف واحد: تنوير الذين تم حجبهم في الظلام، وباسم الإنسانية معاونة هؤلاء الذي عانوا الكثير ولهم حق التمتع بالسعادة.رسالتي رسالة احتجاج نارية وما هي الا مجرد صرخة روحي.دعوهم يتجرؤن ويجلبونني أمام محكمة قانونية، وليتم التحقيق معي في وضح النهار! " إميل زولا ،"إنى أتهم! "(1898)
الخميس، أغسطس 05، 2010
الثلاثاء، أغسطس 03، 2010
دماء تحت جدار الصمت_قصة قصيرة
المكان:(( إحدى غرف البيت المألوف بشيء من الغرابة، هي غرفة ضيقة على وجه التحديد، والزمن ساعة متأخرة من عصر احد الأيام))....
اما هي... لازالت تسرح وتحجل بقدميها الصغيرة وبقايا حناء مطموس النقش مخفي المعالم يصبغها ، تصطدم ببضع فراغات تتيبس فيها الذاكرة عند محطة لاتغادرها بغير أن ترسم ابتسامة توزعها على جفاف حاصر سنينها ... تعاود الركض فتتزاحم أنفاسها مع الفتيات وهن يتقاطرن صوب الفرح يمررن بهجتهن بين أقدامهن المتحفزة في سباق جاد لقرع بيوت الحي والصبية يحتفلون معها فتزداد ملابسها بياضاً غير معهود ووجهها نضارة . كانت جالسة متكورة في ركن منزو. للزغاريد رنين يبعث على السأم . قادتها أمها إلي داخل الغرفة المظلمة وهي لاتعلم حقيقة الأمر الذي يعدن له النسوة المتجمعات داخل الغرفة المظلمة . ترددت ، على مهل كانت ترصف خطواتها الواثبة، وهي تحفزها بتطلعات واعدة، والعصر أعلن مآذنه من مسجد القرية ولباس الفرح يجمع ذكرياته بشرود طفولة تسري في ذاكرتها لحظات تترقب فيها حدوث مفاجأة ما .. جلست قبالتهن بفرح طفولي، كأنها عبق يسكبه إكليل الورد على صوت ترانيم دلوكه ... أقبلن يتابعنها بشغف والوقت يتعالى كأشجار خريف تتساقط أوراقها، واندفع النسوة نحوها دون أن تدرك لمن يوجهن الطعنة الآثمة. وكادت لتنكسر رقبتها ، لما تكاثرن عليها بكت ، ولمح بقايا دموع خضلت عينيها فنزل خيط كحل على خدها . ،. لم تنطق بكلمة من هول المفاجأة . نظرت في والوجوه اذا هي مالوفه لديها أمها وخالتها و (حليمة الدايه) وغيرهن من النسوة ذوات الأجسام القوية، مسكت احدهما يدها الطرية الغضة وعقدتها على صدرها..وبدأت امرأة بدينه أخري في نزع ملابسها الداخلية حيث (بدأت سوءتها) وتجر أخريات بأيديهن الثقلتيين كالرخام الأقدام الصغيرة الرقيقة وهي تحاول الآفلات بتحريك رجليها يمنة ويسرة ولكن محاولات كمن يناطح صخرة ، وقد وقفت (حليمة الدايه) ببشاعتها بين شعبتيها وهي تحمل أدوات ارتكاب الجريمة المتعفنة ورائحة كريه تنبعث منها ، تنحني عليها ، ، تمد يدها وتضيء مصباحا بجوار السرير. واصوات الفرح الأنثوي الحاقدة تنبعث من الخارج وما يلبس أن يطبق صمت شامل لا يقلقه إلا دقات قلبها المضطربة الإيقاع وفي صدرها رغبة مدحورة لصرخة مستحيلة، صرخة رفضت إلا أن تتهاوى هكذا بين الجموع وتصير بعد قليل كخبرا صغيرا في جريدة محدودة الانتشار، ورقما من حزمة أرقام لميتة مجانية، يكون بعدها نسيا منسيا.بدا وجهها شاحبا تراعى بين تقاسيمه ظلال الكآبة والحزن. وبعد أن بح صراخها بالبكاء والعويل و الألم والخوف والرعب ،فلم تصحو ألا وقد أحست بشئ ساخن يسري علي جسدها مبللا فخذيها الجافتين وظلت تنظر إليهن بصمت. وقد... تجندلن حولها رفيقات درب وكلهن بدان وجمات والبراءة تكسو وجههن وهن يتخيلن طقوس ليلتهن المرتقبة ...
اما هي... لازالت تسرح وتحجل بقدميها الصغيرة وبقايا حناء مطموس النقش مخفي المعالم يصبغها ، تصطدم ببضع فراغات تتيبس فيها الذاكرة عند محطة لاتغادرها بغير أن ترسم ابتسامة توزعها على جفاف حاصر سنينها ... تعاود الركض فتتزاحم أنفاسها مع الفتيات وهن يتقاطرن صوب الفرح يمررن بهجتهن بين أقدامهن المتحفزة في سباق جاد لقرع بيوت الحي والصبية يحتفلون معها فتزداد ملابسها بياضاً غير معهود ووجهها نضارة . كانت جالسة متكورة في ركن منزو. للزغاريد رنين يبعث على السأم . قادتها أمها إلي داخل الغرفة المظلمة وهي لاتعلم حقيقة الأمر الذي يعدن له النسوة المتجمعات داخل الغرفة المظلمة . ترددت ، على مهل كانت ترصف خطواتها الواثبة، وهي تحفزها بتطلعات واعدة، والعصر أعلن مآذنه من مسجد القرية ولباس الفرح يجمع ذكرياته بشرود طفولة تسري في ذاكرتها لحظات تترقب فيها حدوث مفاجأة ما .. جلست قبالتهن بفرح طفولي، كأنها عبق يسكبه إكليل الورد على صوت ترانيم دلوكه ... أقبلن يتابعنها بشغف والوقت يتعالى كأشجار خريف تتساقط أوراقها، واندفع النسوة نحوها دون أن تدرك لمن يوجهن الطعنة الآثمة. وكادت لتنكسر رقبتها ، لما تكاثرن عليها بكت ، ولمح بقايا دموع خضلت عينيها فنزل خيط كحل على خدها . ،. لم تنطق بكلمة من هول المفاجأة . نظرت في والوجوه اذا هي مالوفه لديها أمها وخالتها و (حليمة الدايه) وغيرهن من النسوة ذوات الأجسام القوية، مسكت احدهما يدها الطرية الغضة وعقدتها على صدرها..وبدأت امرأة بدينه أخري في نزع ملابسها الداخلية حيث (بدأت سوءتها) وتجر أخريات بأيديهن الثقلتيين كالرخام الأقدام الصغيرة الرقيقة وهي تحاول الآفلات بتحريك رجليها يمنة ويسرة ولكن محاولات كمن يناطح صخرة ، وقد وقفت (حليمة الدايه) ببشاعتها بين شعبتيها وهي تحمل أدوات ارتكاب الجريمة المتعفنة ورائحة كريه تنبعث منها ، تنحني عليها ، ، تمد يدها وتضيء مصباحا بجوار السرير. واصوات الفرح الأنثوي الحاقدة تنبعث من الخارج وما يلبس أن يطبق صمت شامل لا يقلقه إلا دقات قلبها المضطربة الإيقاع وفي صدرها رغبة مدحورة لصرخة مستحيلة، صرخة رفضت إلا أن تتهاوى هكذا بين الجموع وتصير بعد قليل كخبرا صغيرا في جريدة محدودة الانتشار، ورقما من حزمة أرقام لميتة مجانية، يكون بعدها نسيا منسيا.بدا وجهها شاحبا تراعى بين تقاسيمه ظلال الكآبة والحزن. وبعد أن بح صراخها بالبكاء والعويل و الألم والخوف والرعب ،فلم تصحو ألا وقد أحست بشئ ساخن يسري علي جسدها مبللا فخذيها الجافتين وظلت تنظر إليهن بصمت. وقد... تجندلن حولها رفيقات درب وكلهن بدان وجمات والبراءة تكسو وجههن وهن يتخيلن طقوس ليلتهن المرتقبة ...
الأحد، أغسطس 01، 2010
يوميات مغترب
(رزاز الأمكنة ومرافئ الروح ورسائل من المستنقع والوحل)
"الفقر في الوطن غربة؟"
(الامام علي كرم الله وجه)...
يا أيها الوطن المقـــدس عنـــدنا
شوقا إليك ، فكيف حالك بعدنا
كــنا بأرضــك لا نــريد تحـولا
عنها ولا نرضى سواها موطنا
في عيــشة لو لم تكن ممـــزوجة
بالذل كانت ما ألذ وأحسنــا
عفنا رفاه العــــيش فيك ، مع العدا
وأبى لنا شمم النفوس وعـزنا
وسما بنا شــــوق إلى حريـــة
دسنا إلى استنشاقها سبب الغنى
مــن كــان يوقن أن أسـباب الغنى
بيدي كريم عاش حرا مؤمنـا
والحـرص من ضعف اليقين ومن يطع
طبع النفوس يعش خسيسا هينا
يــا أيها الوطن العـــزيز وإن نكن
بنّا ففيك حبيبنا ومحبــــنا
بنّا فما عــنك استــــطاع تصبرا
قلب ولا فيك اطــمأنت نفسنا
أما هـــواك فلا لزوم لذكــــره
)فالحب ما منع الحديث الألسنا(
لكن ما شاهـــدت فيك مــن الأذى
والحيف دوما قد أغص وأحزنا
لا يستطيع الحـــر فيك معـــيشة
إلا إذا رضي الإهـانة مذعنا
جعـــلوك مسخـــرة بأيدي صبية
لا يبعدون مـن الحمير تمدنا
حكمـــوا كما شــاءوا فكانوا محنة
(والحـر ممتحن بأولاد الزنا)
قــالوا لقد جئنا نمــــدن أرضكم
أين التمدن والذي قــالوا لنا
هـدموا من الأخـــلاق في أوطاننا
أضعاف ما شادوه فيها من بنا
إن العهـــود وما وعــدتم كــله
كذب على مــر الزمان تبيّنا
أمن العــدالة والتمــــدن نزعكم
غصبا ببخس ليس يذكـر ملكنا
جرتم على أربـــابه فتشـــردوا
في كل قفـر لم يصيبوا مسكنا
تحت السماء على الصحارى أصبحوا
مثل الوحوش فلا هناك ولا هنا
خرجوا بلا مــال فصاروا عرضة
للفقر والبأساء يعقـــبها الفنا
( الشاعر احمد المهدوي)
مدخل
المكان... ليس مروراً لأقدام متعجلة فوق أرض مكتوبة بتأن... إنه عبور في جسد ذاكرة تمضغه باستساغة... لا تحدده خرائط... بل قراءاتنا الفلسفية لما تطأه أقدامنا... وما تبقى له من حنين داخلنا...... فالمغترب عابر مكان... في جغرافية مختلفة عن بئته من أهم مفرداتها التنقل ، فقدره هو أن يعمل في خارج بلده، ، ثم يعود لوطنه الأم ، وهي سمة حياة اخترناها بأنفسنا، وبكامل رغبتنا. الغربه......... نبدأها ونحن نغادر وطننا محملين بحقائب نحشر بها كل ما في خزائننا من عمر...وفي ادراجنا من ذكريات... حاملين معنا الوطن أثاث لغربتنا... ونسافر للمجهول....الى الغريه....ونلتقي وجها لوجه مع الاغتراب بأقسى معانيه وغربتنا تبدأ من اللحظات التي نحكم بها على على انفسنا بترك وطن......... الآباءوالأجداد.......رغم كل تناقضاته.....يبقى الوطن.........
نتركه ونسافر الى المجهول...الى الغربه...نظنها ستعوض لنا كل فشل وحاجه فقدناها على أرضه البعض منا يهرب من فشل يصوره لنفسه ,ويؤكده ويقنع نفسه به ويرى الغربه الخلاص الوحيد لهذا الفشل والآخر يحلم بأشياء كثيره لا يستطع الحصول عليها في الوطن ويتصور أنه في الغرب سيحصل عليها {سياره .... بيت أفضل...حياة أفضل...الخ.....الخ ...ْ} والبعض الآخر يحس بالاغتراب وهو في الوطن , ويكون مبررا كافيا لكي يهاجر.....
وهناك في الاغتراب ندفع ضريبة الغربه ....من شوق يمزق الضلوع....من حنين ...من ضياع نفسي ...وصراع كبير بين ثقافتين مختلفتين....واحدة نحملها داخلنا...تمزقنا و تشدنا
اليها....وأخرى غربيه نتوه وسطها ...ولكن يجب ان نتعايش مع بعض منها.... ضريبه ندفعها ونحن نرى أولادنا يحبذون هذه الثقافة وهذه البلاد لانها حسب تفكيرهم .فلقد ولدوا و ترعرعوا فيها..و ربما ستسرقهم منا.....او ربما يحطموا قلوبهم فيها من أجل أرضاء نزعات وعادات نحاول أن نكبلهم بها...عادات في نظرنا انها تاريخنا...اصلنا...ما تربينا وفطرنا عليه.... ضريبة ندفعها ونحن نخاف التزاوج بين اولادنا ممن تربوا وسط ثقافة وحضارة مختلفه وبين اولاد وطننا.... لذا يحاول البعض منا زيارة الوطن .... ليتعرف أولادنا على عاداتنا وخصوصياتنا ...... وهناك ضريبه أقسى ندفعها ......وهي غربتنا عن نفسنا و ذاتنا...... وأعتقد أن كل من ترك الوطن وهو في عقده الثاني من العمر وما فوق....... يدفع هذه الضريبه أما الغربه الأخيره الكبيرة قد تكون على أرض الوطن ..... من الممكن أن تكون حياة الغربه صعبه وقاسيه ... ولكن ان تحسها وانت في بيتك ..وعلى ارضك....فتكون أصعب انواعها وأقساها.... وأعتقد أن هذا النوع من الغربه كان من أقوى الأسباب التي دفعت غالبية شعبنا الى الغربه....
..... سفر الخروج
الخروج من الوطن شي محزن وثقيل علي النفس ولكن اذا نظرنا الي التاريخ الانساني بشئ من التمحيص نجد ان ظاهرة الهجرة والإغتراب عن الأوطان أزلية صاحبت وجود الإنسان على الأرض إذ يعتبر أبو البشر آدم عليه السلام أول مغترب حيث انتقل من موطنه الأصلي الذي خلق فيه وهو الجنة إلي وطن جديد وهو الأرض ليعمرها ويعيش فيها إلى حين ثم يعود بعدها إلى الأصل والمقر النهائي . وهكذا نجد تفسير منطقي لظاهرة الاغتراب في علم الاهوت وفي الفكر الديني والفلسفة فعند اليهود يعتبر أول مغترب هو النبي إبراهيم عليه السلام الذي هاجر من الشام إلى الحجاز حيث مكة وترك فيها أهله وإبنه كذلك ينظر افلاطون للإغتراب وفقا لمنظور جمهوريته وتكوين الدولة التي أساسها يبتدئ من رجل وإمرأة حيث تتكون الأسرة وبعدة أسر تتكون القرية وبعدة قرى تتكون الدولة وبذلك فإن أي فرد يخرج عن إحدى هذه التشكيلات الاجتماعية يعتبر مغترب وبهذا يمكن تصنيف الإغتراب إلى نوعين : إغتراب داخلي وإغتراب خارجي . أما في الفكر الديني فهناك إغتراب في داخل نفس الإنسان ذاتها حيث تعتبر هذه الحياة ماهي إلا رحلة إغتراب طويلة أساسها التكوين البشري الذي نشأ من الجسد والروح والجسد موطنه الأصلي هو الأرض (التراب) والروح من أمر ربي أي هي من الله تعالى قال تعالى : (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) الآية72 من سورة ص . وكل من الجسد والروح في حالة إنفصال عن منشأه الأصلي أي في حالة إغتراب مشكلين اتحاد مؤقت يمثل حياة الإنسان وحالة إغتراب عظمى ولذلك يقولون أن الروح عندما تسمو وتقترب من مصدرها وهو الله تعالى يكون الإنسان في حالة سمو روحي وهي حالة تجعله قريب من الله عز وجل أما إذا قعدت الروح في الأرض (الجسد) فإن الإنسان يكون غافلا بعيدا عن الله فهو إذا في حالة إغتراب كبرى أي الإغتراب العقدي الذي يبعد الإنسان عن الله تعالى وهو خالقه ومنشأه ومرده . وعند بعض السلف من المسلمين كثير من العبارات التي تدل على أنهم يعتبرون هذه الحياة غربة وأيضا عند المسيحيين حيث ورد في أحد أسفارهم أن فرعون سأل موسى عليه السلام : كم هي سني حياتك فرد عليه موسى قائلا (سني إغترابي 135 سنة) هذا ما يدل عندهم على أن الحياة بالنسبة لموسى عليه السلام ما هي إلا رحلة إغتراب سيعود بعدها إلى المنشأ والأصل .
وعندما تنتهي حياة الإنسان ينفصل التلاحم والاتحاد بين الروح والجسد ويذهب كل منهما إلى مقره الأصلي فتصعد الروح إلى بارئها ويعود الجسد للأرض قال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى) الآية 55 من سورة طه عندئذ تكون انتهت حالة الاغتراب ورحلة الحياة , إذا فالحياة اغتراب والإغتراب حياة وإذا تأملنا في هذه الظاهرة بكل أبعادها ومعانيها وتاريخها نجد أن لها أسباب وأهداف فمن أسباب الإغتراب عدم طيب العيش والمقام في الموطن الأصلي إما لدوافع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وفي عالمنا المعاصر تزداد كل هذه الأسباب يوما بعد يوم فما أكثر الخلافات بين البشر والحروب بين الدول والكوارث الطبيعية والمصطنعة . أما أهداف الإغتراب ينبغي أن نعلم أنها كلها سامية ونبيلة أبتداءا من رحلة أبونا آدم التي كان هدفها إعمار الأرض والاستخلاف فيها . وكذا حياة كل إنسان وتأملوا إغتراب أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وابنه اسماعيل فهدفه كان بناء البيت وتشييد أكبر شعيرة من شعائر الدين وإعمار هذا البلد الأمين . حتى إغتراب الروح والجسد فإن هدفهما هو الحياة وبناء هذا الصرح العظيم الذي كرمه الله وهو الإنسان فما أسماه من هدف .
(رزاز الأمكنة ومرافئ الروح ورسائل من المستنقع والوحل)
"الفقر في الوطن غربة؟"
(الامام علي كرم الله وجه)...
يا أيها الوطن المقـــدس عنـــدنا
شوقا إليك ، فكيف حالك بعدنا
كــنا بأرضــك لا نــريد تحـولا
عنها ولا نرضى سواها موطنا
في عيــشة لو لم تكن ممـــزوجة
بالذل كانت ما ألذ وأحسنــا
عفنا رفاه العــــيش فيك ، مع العدا
وأبى لنا شمم النفوس وعـزنا
وسما بنا شــــوق إلى حريـــة
دسنا إلى استنشاقها سبب الغنى
مــن كــان يوقن أن أسـباب الغنى
بيدي كريم عاش حرا مؤمنـا
والحـرص من ضعف اليقين ومن يطع
طبع النفوس يعش خسيسا هينا
يــا أيها الوطن العـــزيز وإن نكن
بنّا ففيك حبيبنا ومحبــــنا
بنّا فما عــنك استــــطاع تصبرا
قلب ولا فيك اطــمأنت نفسنا
أما هـــواك فلا لزوم لذكــــره
)فالحب ما منع الحديث الألسنا(
لكن ما شاهـــدت فيك مــن الأذى
والحيف دوما قد أغص وأحزنا
لا يستطيع الحـــر فيك معـــيشة
إلا إذا رضي الإهـانة مذعنا
جعـــلوك مسخـــرة بأيدي صبية
لا يبعدون مـن الحمير تمدنا
حكمـــوا كما شــاءوا فكانوا محنة
(والحـر ممتحن بأولاد الزنا)
قــالوا لقد جئنا نمــــدن أرضكم
أين التمدن والذي قــالوا لنا
هـدموا من الأخـــلاق في أوطاننا
أضعاف ما شادوه فيها من بنا
إن العهـــود وما وعــدتم كــله
كذب على مــر الزمان تبيّنا
أمن العــدالة والتمــــدن نزعكم
غصبا ببخس ليس يذكـر ملكنا
جرتم على أربـــابه فتشـــردوا
في كل قفـر لم يصيبوا مسكنا
تحت السماء على الصحارى أصبحوا
مثل الوحوش فلا هناك ولا هنا
خرجوا بلا مــال فصاروا عرضة
للفقر والبأساء يعقـــبها الفنا
( الشاعر احمد المهدوي)
مدخل
المكان... ليس مروراً لأقدام متعجلة فوق أرض مكتوبة بتأن... إنه عبور في جسد ذاكرة تمضغه باستساغة... لا تحدده خرائط... بل قراءاتنا الفلسفية لما تطأه أقدامنا... وما تبقى له من حنين داخلنا...... فالمغترب عابر مكان... في جغرافية مختلفة عن بئته من أهم مفرداتها التنقل ، فقدره هو أن يعمل في خارج بلده، ، ثم يعود لوطنه الأم ، وهي سمة حياة اخترناها بأنفسنا، وبكامل رغبتنا. الغربه......... نبدأها ونحن نغادر وطننا محملين بحقائب نحشر بها كل ما في خزائننا من عمر...وفي ادراجنا من ذكريات... حاملين معنا الوطن أثاث لغربتنا... ونسافر للمجهول....الى الغريه....ونلتقي وجها لوجه مع الاغتراب بأقسى معانيه وغربتنا تبدأ من اللحظات التي نحكم بها على على انفسنا بترك وطن......... الآباءوالأجداد.......رغم كل تناقضاته.....يبقى الوطن.........
نتركه ونسافر الى المجهول...الى الغربه...نظنها ستعوض لنا كل فشل وحاجه فقدناها على أرضه البعض منا يهرب من فشل يصوره لنفسه ,ويؤكده ويقنع نفسه به ويرى الغربه الخلاص الوحيد لهذا الفشل والآخر يحلم بأشياء كثيره لا يستطع الحصول عليها في الوطن ويتصور أنه في الغرب سيحصل عليها {سياره .... بيت أفضل...حياة أفضل...الخ.....الخ ...ْ} والبعض الآخر يحس بالاغتراب وهو في الوطن , ويكون مبررا كافيا لكي يهاجر.....
وهناك في الاغتراب ندفع ضريبة الغربه ....من شوق يمزق الضلوع....من حنين ...من ضياع نفسي ...وصراع كبير بين ثقافتين مختلفتين....واحدة نحملها داخلنا...تمزقنا و تشدنا
اليها....وأخرى غربيه نتوه وسطها ...ولكن يجب ان نتعايش مع بعض منها.... ضريبه ندفعها ونحن نرى أولادنا يحبذون هذه الثقافة وهذه البلاد لانها حسب تفكيرهم .فلقد ولدوا و ترعرعوا فيها..و ربما ستسرقهم منا.....او ربما يحطموا قلوبهم فيها من أجل أرضاء نزعات وعادات نحاول أن نكبلهم بها...عادات في نظرنا انها تاريخنا...اصلنا...ما تربينا وفطرنا عليه.... ضريبة ندفعها ونحن نخاف التزاوج بين اولادنا ممن تربوا وسط ثقافة وحضارة مختلفه وبين اولاد وطننا.... لذا يحاول البعض منا زيارة الوطن .... ليتعرف أولادنا على عاداتنا وخصوصياتنا ...... وهناك ضريبه أقسى ندفعها ......وهي غربتنا عن نفسنا و ذاتنا...... وأعتقد أن كل من ترك الوطن وهو في عقده الثاني من العمر وما فوق....... يدفع هذه الضريبه أما الغربه الأخيره الكبيرة قد تكون على أرض الوطن ..... من الممكن أن تكون حياة الغربه صعبه وقاسيه ... ولكن ان تحسها وانت في بيتك ..وعلى ارضك....فتكون أصعب انواعها وأقساها.... وأعتقد أن هذا النوع من الغربه كان من أقوى الأسباب التي دفعت غالبية شعبنا الى الغربه....
..... سفر الخروج
الخروج من الوطن شي محزن وثقيل علي النفس ولكن اذا نظرنا الي التاريخ الانساني بشئ من التمحيص نجد ان ظاهرة الهجرة والإغتراب عن الأوطان أزلية صاحبت وجود الإنسان على الأرض إذ يعتبر أبو البشر آدم عليه السلام أول مغترب حيث انتقل من موطنه الأصلي الذي خلق فيه وهو الجنة إلي وطن جديد وهو الأرض ليعمرها ويعيش فيها إلى حين ثم يعود بعدها إلى الأصل والمقر النهائي . وهكذا نجد تفسير منطقي لظاهرة الاغتراب في علم الاهوت وفي الفكر الديني والفلسفة فعند اليهود يعتبر أول مغترب هو النبي إبراهيم عليه السلام الذي هاجر من الشام إلى الحجاز حيث مكة وترك فيها أهله وإبنه كذلك ينظر افلاطون للإغتراب وفقا لمنظور جمهوريته وتكوين الدولة التي أساسها يبتدئ من رجل وإمرأة حيث تتكون الأسرة وبعدة أسر تتكون القرية وبعدة قرى تتكون الدولة وبذلك فإن أي فرد يخرج عن إحدى هذه التشكيلات الاجتماعية يعتبر مغترب وبهذا يمكن تصنيف الإغتراب إلى نوعين : إغتراب داخلي وإغتراب خارجي . أما في الفكر الديني فهناك إغتراب في داخل نفس الإنسان ذاتها حيث تعتبر هذه الحياة ماهي إلا رحلة إغتراب طويلة أساسها التكوين البشري الذي نشأ من الجسد والروح والجسد موطنه الأصلي هو الأرض (التراب) والروح من أمر ربي أي هي من الله تعالى قال تعالى : (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) الآية72 من سورة ص . وكل من الجسد والروح في حالة إنفصال عن منشأه الأصلي أي في حالة إغتراب مشكلين اتحاد مؤقت يمثل حياة الإنسان وحالة إغتراب عظمى ولذلك يقولون أن الروح عندما تسمو وتقترب من مصدرها وهو الله تعالى يكون الإنسان في حالة سمو روحي وهي حالة تجعله قريب من الله عز وجل أما إذا قعدت الروح في الأرض (الجسد) فإن الإنسان يكون غافلا بعيدا عن الله فهو إذا في حالة إغتراب كبرى أي الإغتراب العقدي الذي يبعد الإنسان عن الله تعالى وهو خالقه ومنشأه ومرده . وعند بعض السلف من المسلمين كثير من العبارات التي تدل على أنهم يعتبرون هذه الحياة غربة وأيضا عند المسيحيين حيث ورد في أحد أسفارهم أن فرعون سأل موسى عليه السلام : كم هي سني حياتك فرد عليه موسى قائلا (سني إغترابي 135 سنة) هذا ما يدل عندهم على أن الحياة بالنسبة لموسى عليه السلام ما هي إلا رحلة إغتراب سيعود بعدها إلى المنشأ والأصل .
وعندما تنتهي حياة الإنسان ينفصل التلاحم والاتحاد بين الروح والجسد ويذهب كل منهما إلى مقره الأصلي فتصعد الروح إلى بارئها ويعود الجسد للأرض قال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى) الآية 55 من سورة طه عندئذ تكون انتهت حالة الاغتراب ورحلة الحياة , إذا فالحياة اغتراب والإغتراب حياة وإذا تأملنا في هذه الظاهرة بكل أبعادها ومعانيها وتاريخها نجد أن لها أسباب وأهداف فمن أسباب الإغتراب عدم طيب العيش والمقام في الموطن الأصلي إما لدوافع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وفي عالمنا المعاصر تزداد كل هذه الأسباب يوما بعد يوم فما أكثر الخلافات بين البشر والحروب بين الدول والكوارث الطبيعية والمصطنعة . أما أهداف الإغتراب ينبغي أن نعلم أنها كلها سامية ونبيلة أبتداءا من رحلة أبونا آدم التي كان هدفها إعمار الأرض والاستخلاف فيها . وكذا حياة كل إنسان وتأملوا إغتراب أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وابنه اسماعيل فهدفه كان بناء البيت وتشييد أكبر شعيرة من شعائر الدين وإعمار هذا البلد الأمين . حتى إغتراب الروح والجسد فإن هدفهما هو الحياة وبناء هذا الصرح العظيم الذي كرمه الله وهو الإنسان فما أسماه من هدف .
رسائل من وحل الغربة!!!!!!!!!!!
الي صديق المستنقع:
إلى متى ستخونني الذاكرة ؛ والى متى سأمضي في هذا الطريق؛والى أين سأصل؛لقد آن الأوان يا صديقي لأصارحك بكل ما حملته وخزنته لأنني لم اعد أتحمل وأخاف أن يأتي اليوم الذي افقد به كل ما جمعته خلال السنوات المنصرمة من تجربة فيها من السواد أكثر مما تحويه منفضة من السجائرالتي تتلوى حزنا على صديق عرفته منذ أمد بعيد وأبت أن تهجره في هذه الظروف الصعبة ... إنها الأيام يا صديقي حيث أبحرت في هذا المستنقع بملء إرادتي فخلعت ملابسي وتعريت وحاولت أن ابحث عن وردة برناردشو حين قال قد تنبت الزهرة في مستنقع، فغامرت وأدرت ظهري لمن حولي يقينا مني بأنه علي أن لا انظر إلى الوراء كي اصل مسرعا فخلعت حذائي المثقوب ونزلت ابحث عن تلك الوردة... أوأكد لك يا صديقي ان الحشرات والجرذان الحقيرة التي كادت أن تهشم قدمي لم تستطع من تغيير مساري الذي رسمته فتابعت وما ذلت أتابع وسأعبر هذا المستنقع ولو جثة هامدة... رأيت الوردة من بعيد بألوانها الزاهية المتعددة وبريقها الخلاب فاقتربت منها وضممتها إلى صدري بحنين فعجت منها رائحة المستنقع... نتفتها بأظافري ومزقت بقاياها واستفرغت ما في أحشائي عليها؛ من يدري قد لا تكون هي الوردة التي حدثنا عنها برناردشو وقد لا أجدها في هذا المستنقع ولكني وجدت أشياء كثيرة اطهر بكثير من عطر الورد وحفظتها في ذاكرتي التي لم تعد تتسع وأخاف أن تعبر من ذاكرتي قبل أن اعبر هذا المستنقع العفن الذي تكالب بعوضه علي ووجد في تجاعيد وجهي وثنايا جسدي المنهك مأوا له يستريح متى يشاء وينسج الحكايات والأساطير... وأنا اسمع ولا اسمع واسمع ما تستسيغ سماعه أذني وأدعي قلة المعرفة في حل خيوط العنكبوت التي طوقت راسي وزراعي وكادت أن تشل حركتي وتسقطني لولا أن أتوكأ على قليل مما ادخرته من الإرادة التي رضعتها منذ صباي 000 مشيت وما زلت امشي ويؤلمني نعيق الضفادع وحفيف الحيتان التي تمر أمامي وخلفي ساخرة مكشرة في وجه هذا المخلوق الغريب الذي لم تالف وجوده في مثل هذا المكان000 لا اخفي عنك يا صديقي نظرات الإشفاق التي رمقتني بها العابرين فوق هذا المستنقع ودموع الحزن التي زرفتها بعض الطيور حزنا علي والتي بللت شفتي وروت عطشى 000 سأعود يا صديقي بعد أن أنظف جسدي بما اعتصره من باطن الأشجار واعصب جروحي بحبل التجربة علها تندمل وتخفف الرائحة الكريهة التي علقت بي من وسخ الأيام المنصرمة وكم هي طويلة الساعات والدقائق والثواني حين تكون على موعد مع الحرية 000 كلما فكرت بالعودة ينتابني فرح طفولي وشوق جامح إلى تلك الروابي الخضر والسهول المعطاءة والجبال الشامخة شموخ هامات الرجال الذين صنعوا من تربة الوطن أسمى تماثيل الحرية بعد ماروه بدماءهم الطاهرة ، لقد لاح لي النيل العظيم الذي لطال مانهلت منه والذ سيظل نيل للحياه مهما تثاقلت الرواسب عليه حيث لاتستطيع أن تحد من تدفقه و تعجز عن تغيير مجراه وسيبقى هادر ليروي تربة الوطن وستخضر الصحراء وتزدهر الارض في بلادي سأعود وأتشبث بتربة الوطن وسأصنع منها تماثيلا وقمحا وحرية ووعدا وتمني00 فوداعا يا رياض الهم ووداعا يا رفيقا كنت اصدق من عرفت – السعودية –الرياض - يوميات مهاجر 1/اغسطس/2010 ."
الصديق المفترس وثرثرة المغتربين
صديق الغربة هو كالسراب يحسبه الظمآن ماءً، فإذا جاءه لم يجده شيئا. صديق الغربة هو الذي تلتقي مصالحه مع مصالحك في مرحلة معينة، ولكنه يمكن أن يركلك مع أول فرصة تسنح له بالاستقلال. وصراع المغتربين هو أحدى معارك المهاجر التي تستنفد طاقاته ومجهوداته، خاصة بين أبناء الجالية السودانية. في الغربة لا تتوقعَنَّ أن يفرح لفرحك أحد، أو يبكي لحزنك صديق. والدّيَكة تجدهم في كل مكان،. وهنا لا تتعجب إذا قابلك أحدهم مبتسما وفرحا بل معانقا، وذلك بعد ساعات قليلة من الإساءة إليك حاضرا أو غائبا؛ فهذه هي أخلاق الغربة والأخلاق التي لا تجاوز أشخاصنا المحدودة لتصبح سلوكا عاما هي مغانم خاصة، عاجلة أو آجلة ينتظرها صاحبنا المغترب. خليط غريب، غير متجانس، من شوائب الغيرة والكراهية والحسد يمكن أن تختفي دهرا طويلا في نفس المغترب تجاه صديقه وحيال أقرب الناس إليه في المودة الظاهرة، ثم لا تلبث أن تنفجر فتلقي حممها في كل مكان. ولكن هذه الشرائح المختلفة المتنافرة يجب أن تعيش في مكان واحد، وأن تسعى إلى الاقتراب بعضها من بعض، ولكنه اقتراب القطيع الذي يخشى التيه، ويظن كل من يراه أنه مترابط متعاضد يعاون بعضه بعضا. واجب الصداقة في الغربة باهظ التكاليف من الأعصاب والذهن، لأنك دائما في حالة ترقب من غضب الآخر، الذي إذا خاصم فجر. وتجمعات المغتربين تحتاج إلى رابطة أخلاقية، وسلوكيات قويمة قبل أن تعلن هدفها، وإلا انهار البنيان على أصحابه. ولكن كيف تحدد السلوكيات القويمة، وأنت أمام شرائح متنافرة من البشر، تركت بلاد ها هربا من إرهاب سياسي أو بحثا عن متع زائلة، أو رغبة في ثراء سريع، أو لأن الفقر والأمية والحظ التعيس يطاردها في الوطن فجاءت تحتمي منه في عالم المغتربين؟ كيف يمكن أن ينقلب الأبيض أسود، والأسود أبيض في عالم المغتربين ، بين عشية وضحاها؟ هل المغتربون السودانيين أشرار؟ معاذ الله، فنحن أيضا من المغتربين السودانيين، ولم يكن يدور في خلدنا أن نعمم صفات في قوم نحن منهم. ما أردنا قوله هو أن الصفات المكتسبة السيئة سريعة الالتصاق بنفوس المغتربين،لأن الصغائر إذا شغلت العقل والقلب فقد أحكمت عليهما عقدة الإيذاء. في الغربة لا تختار الصحاب، ولكنك تجد نفسك معهم في السراء والضراء، وتشارك في مجاملات وأحاديث ليس لك عليها سلطان. وإلا فكيف نفسر النسيان الكلي لأي مهاجر يعود إلى بلده من قبل أقرانه الذين قضى معهم سنوات طويلة. ولكن، ماذا يحدث إذا كانت النبتة طيبة، وخرج المهاجر من وطنه بأقل عدد من الأمراض النفسية والعصبية لوجود توازن في أسرته أو بيئته الأقرب والمؤثرة فيه تأثيرا كبيرا؟ هنا يبدأ المهاجر في اكتساب صفات حميدة في الغربة، ولكنه قد يفقد بعضها مع مصاحبة هذا الكم الهائل من كرنفالات المغتربين. فأنت تشترك في أحاديث الغيبة والنميمة، وتتحدث في قضايا بلدك في ظروف لا تصلح أصلا للقضايا الوطنية. وتشتاق لهجتك وأحاديث أبناء الوطن، فتقبل مرغما وطائعا، في آن واحد، على الخوض في كل الشؤون. وأنت لا تستمع إليه، وهو لا ينصت إليك، ولكنكما تتحدثان حتى لا تقتل العزلة والوحدة أيا منكما.
والحق أن أمراض الغربة النفسية والعصبية والوجدانية ليس لها حصر، ولذلك تتوقع أي تصرف أو رد فعل دون مقدمات منطقية تؤدي إليه. أحيانا لا تعرف إن كان مجتمع الغربة غابة، ليست بها رحمة أو تعاطف، أو هو امتداد لمجتمع الوطن، ولكنك ترى فيه النفوس عارية تماما من كل قيد أسري أو عائلي أو ديني أو سياسي أو بيئي.
إن علاقة السيطرة والقهر التي تؤلف كيان كثير من المغتربين السودانيين تؤدي إلى الخوف الدائم من غوائل مجتمع الهجرة التي لا يستطيع المغترب أن يردعها أو يردها. والتهديد الدائم لقوة المغترب وصحته ورخصة عمله وإقامته تجعله في حالة فقدان مناعة، أو العكس أي تجعله مترقبا حذرا لا يهدأ له بال. وإذا اجتمعت قسوة الظروف التي اضطرته إلى الهجرة، مع قسوة الحياة التي قابلته في الغربة، فإنه يفقد السيطرة على مصيره، أما القلق على الصحة والأمن والعمل فهي هاجسه الرئيسي. والمغترب يحتاج إلى اعتراف من الآخرين بإنسانيته وحقه في المشاركة في الحياة العامة للمهاجرين، وبالتالي فهو يطمع في أن يصبح شخصا ذا قيمة في المجتمع الجديد. إن استمرار التبخيس الذي يصيب الإنسان المغترب بالإحباط يؤدي إلى اتساع مساحة الكراهية التي يحملها المغترب لأقرانه في الوطن الجديد. إنه لا يتمنى النجاح لصديقه، لأنه في عالم المنافسة لا تتسع الأرض لكل المتنافسين، والملعب لا يحتمل وجود كل اللاعبين. إن تغذية عقدة النقص التي تتحكم في المغترب تزيده كراهية لأبناء وطنه الذين شاهدوه ضعيفا، في حين يظن أهل وأصدقاء الوطن هناك أن " ابنهم" انتقل من عالم التخلف إلى عالم النجاح والشهرة والتقدم، وبالتالي فهو الذي يمنحهم القيمة، بدلا من الأمر الطبيعي وهو أن قيمته تنبع أصلا من هناك. والمغترب الذي يشعر بنقص صوب أبناء وطنه لا بد له من انتهاج سلوك تعويضي عن القهر الذي يتعرض له كل يوم وكل ساعة. ترخيص العمل، جواز السفر، اللغة، الثقافة، عدم وجود أصدقاء من أبناء البلد المضيف، موقعه كمواطن من الدرجة الثانية حتى لو كان يحتل مركزا مرموقا، الثقافة الجديدة التي يجد لزاما عليه أن يستوعبها، ولكنه لا يقتنع بها، ويمنعه ماضيه وثقافته الأصلية من هضم الجزء الأكبر من ثقافة المجتمع الجديد. وعشرات من الأسباب الأخرى التي تجعلنا نقترب من فهم تصرفات المغترب السوداني غير المنطقية التي تتعارض مع أبسط سلوكيات الأخلاق والشرف. إن ضيق دائرة التعارف بين زملاء الهجرة تجعل نبع الموضوعات الشيقة والأحاديث المفيدة والتبادل الثقافي والوجداني والعقلي يجف.....
وصديق الغربة هو الرفيق العابر، حتى لو امتدت الرفقة سنين عددا، ولو أمعنت النظر في هذه الصداقة لوجدتها هشة ضعيفة، تؤذيها الذبابة الشاردة، وتقتلها النسمة الباردة، وتوردها الردى خاطرة هم، أو وسوسة سوء.
إن الذهنية المتخلفة لـ " بعض" المغتربين تجعل عددا كبيرا من تجمعات المغتربين فوضى وعشوائية وتخبطا وانجرافا في أمور جانبية.
وصديق الغربة قد يطرق بابك في أي وقت ويبلغك الخبر الذي توقعته منذ أن صافحته أول مرة، وهو أنك لم تكن في يوم من الأيام صديقا، وما بينك وبينه لا يعدو أن يكون ثرثرة مغتربين.
وأكثر أصدقاء الغربة شرا هو الذي كان محروما قبل خروجه من بلده، وقد يكون حرمانا عاطفيا، أو أسريا، أو ماديا، أو فكريا.
وإذا أخرج المحروم كوامن البغض المتراكمة في نفسه عبر سنين الطفولة وبعض مراحل الشباب فسترى أمامك بركانا هائجا من العفن والتخلف. فهو يحط من قدر كل الناس، وهو يتطاول على من هم أفضل منه علما وخلقا. وهو لا يصغي إلى نصيحة، ولا يستمع إلى رأي، ولا ينصت إلا إلى صوت نفسه الخارج من أعماق الضعف والجهالة.
وصديق الغربة كما أسلفنا لا تعرف عنه شيئا، وهو المالك الأوحد لماضيه، يخلقه ثم يزركشه، ثم يسد كل مناحي الضعة والضعف فيه، وأخيرا يقدمه إلى أصحاب الغربة.
لهذا يتساوى في الغربة، للوهلة الأولى، الصعلوك والكبير، المتخلف والمتحضر، الحاقد والمتسامح، العبد والسيد.
وصديق الغربة، يظل تجزيئيا وعاجزا عن النظر نظرة شمولية، فهو لا يرى أبعد من محيطه الأناني، ولا يتمكن من استشفاف آفاق بعيدة سواء كانت في ماضيه أو محيطه الجديد. وصديق الغربة لا يهنئك على نجاح، ولكنه يتصل بك إذا ألمت بك مصيبة أو أحاطت به قارعة ليعرف إن كانت ستصيبه هو أبضا أم ستظل بعيدة عنه.
وصديق الغربة المتعلم او نصف المتعلم يغير جلده كل يوم، بل قد يغيره في اليوم الواحد مرات كثيرة وهو مناضل ومنعزل، وهو تقدمي ورجعي. وهو زبون دائم لكل البضائع الإسرائيلية، ومع ذلك فهو يخرج في مظاهرات فلسطينية منددا بالوحشية الصهيونية. وهو يحدثك في الدين، ومع ذلك فهو يستمتع بكأس من الخمر في المساء. وهو مع الركب أينما كانت هناك منفعة، فإذا انفض المولد بحث عن غيره.
أما عندما يغضب عليك فسترى الضعف البشري كله مجسدا فيه، ولو أراك نصف أنياب الأسد بارزة من بين فكيه.
ووقتها لن تصدق أن هذا الشخص عينه هو الذي قابلك بالأحضان والقبلات عشرات المرات، وهو الذي تحدثت معه في خصوصيات كثيرة، ودعاك إلى بيته، ودعوته إلى منزلك مرات لا حصر لها. إنه قادر بين عشية وضحاها على تحويل علاقتك السابقة معه إلى صورة قاتمة من الكذب والرياء والنفاق بل والاختبار، حتى لو كانت كلها، أو أكثرها، وردا ومودة إن ذهب بك الظن إلى ذلك.
ولو كانت ذاكرته ضعيفة، فهي قوية عندما يتذكر كلمة منك أساءت إليه عن غير قصد، أو موقفا سلبيا مر عليه حين من الدهر، أو خطأ صغير اعتذرت عنه منذ وقت طويل.
هل رأيت أسدا يفترس شاة ثم جعل يمزقها قطعة قطعة؟... إن تكن قد رأيته فقد رأيت الرحمة نفسها إذا قارنته بصديق الغربة الغاضب الذي يهدم المعبد وعلى أعداء من الوهم خلقهم من داخل نفسه المريضة.
قلنا من قبل أن أمراض الغربة النفسية والعصبية الفكرية كثيرة جدا، وهي تحتاج إلى تجمع ضخم من المحللين والأطباء النفسانيين لمحاصرة قوة اندفاعها حتى لا تأكل الأخضر واليابس في حياة المغتربين، مرضى وأصحاء.
إننا نعزو الجزء الأكبر من هذه الأمراض إلى عامل التجمع المتنافر لهذه النماذج من البشر، التي تصطدم كل ساعة، بل كل لحظة، لأن عامل الجذب الأكبر، وهو رباط الغربة، أوهن من بيت العنكبوت.
إن الذهنية المتخلفة لبعض المغتربين قد جعلت الحدث الخطير ـ الهجرة ـ مركز صراع وبؤرة تضاد تجمع المتنافرين بالمتجانسين ليخرج من بين أضلعها مزيج غريب من كل شيء يحمل في طياته بذور فشله قبل نجاحه. في هذا التجمع يحدثك الوضيع عن الأخلاق، والجاهل يصدر فتواه في كل أنواع العلوم، والجبان يقص عليك من نبأ معاركه الماضية مع الإرهاب والظلم والقهر.وبطولاته الزائفة.
ابتسامة صديق الغربة باهتة كلون الملابس القديمة الرثة، ولا تعرف أحيانا إن كانت لك أو عليك، فتظل حائرا مع هذا الصديق حيرة الجاهل بأقوال سقراط.
إن التصدي العقلاني الموضوعي لظاهرة الغدر لدى صديق الغربة قد تكون بداية جيدة للوصول إلى أسباب التحولات والتغيرات النفسية التي تطرأ على تصرفات بعض المغتربين.
إن الحلول السحرية الغيبية والتغاضي عن الواقع، وعدم مجابهة الحقيقة، ليس لها مكان في محاولة التصدي لهذا المشكل الخطير وحله.
إن صديق الغربة الذي يغدر بك ويشكك في صداقتك ويحملك وزر محبتك له، ويعاتبك على إخلاصك، وينتقد استمرار مودتك إياه هو مريض بكل المقاييس، وهو كالمجرم الطليق يؤذي نفسه ويؤذي غيره.
إن الذين يتنفسون عبر هؤلاء المرضى، ويسكتون عن جرائمهم ويرفعون من شأنهم، ويبررون ـ ظاهريا ـ كل ما يبدر منهم، هم شركاء معهم وسينالهم من المرضى أنفسهم ما نال غيرهم.
إن سيطرة بعض الجهلاء، وحاملي الأمراض العصبية والنفسية، وغير الأسوياء على تجمعات بعض المغتربين تجعل من هذه التجمعات أضحوكة مبكية. إن بعض تجمعات المغتربين في حاجة إلى محللين نفسيين قبل الحصول على أي دعم مالي، وهي تجمعات يسقط دورها إذا لم يقم بقيادتها أصحاء مثقفون عاقلون أسوياء. و بذرة الغدر التي يحملها صديق معه في حله وترحاله يمكن القضاء عليها بتنقية تجمعات المغتربين لتتولى الصفوة قيادتها، وتجمع أكبر قدر ممكن من التجانس بين الأفراد.
لكل هذه الأسباب التي ذكرناها عن صديق الغربة، وأسباب أخرى غيرها قد نعلم بعضها ونجهل البعض الآخر، لم تقم تجمعات السودانيين المغتربين في السعودية بدورها خارج الوطن، لأن الامية ضاربه باطنابها فيها وهمومها كثيرة ومشاكلها تستعصي على العصبة أولي القوة من الرجال. ويظل في الأمل أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
الي .......أمي....الحبيبة......
ولماذا كلّما سمعتُ صوتكِ امتلأتُ بالإيمان ؟!
الحمّى التي كانت لاتبردُ في جسمي إلا حين تضعين يدك على رأسي
هل كانت تعلَم أن برَد الجنةِ في يديكِ أقوى من احتمالِ الشّر وتمرّده ؟!
أشعر أنها كانت تخافُ يديكِ وتجفلُ سريعاً , كنتِ تطردينها من لَمسة,
وكنتُ حينَ أتعافى أعتقدُ أنّكِ من الملائكة ..
وكنت ترددين معي القصائد وانا احفظها في سنوات دراستي الاولي...وانتي جزله وطربه بموسيقها ومعناها اوليس فيها تلك الابيات التي تقول (ان الذي بيني وبين بني ابي وبني عمي لمختلفا جده..فان اكلوا لحمي وفرت لحومهم وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا...وكنت تردديها بفرح لااعمل بها ..لان لي اخوه من ابي وعمي....
مازلتُ أذكر أنني كنت أسخر منكِ بصمت وأتمادى في ذلك حين أقول
" مَن ذا يعمل بذلك غير احد من الملائكة ؟!
والآن فقط " حين أحتاجُ إلى استرجاعها والامعان في معانيها أعلم كيفَ كنت معلمةوعظيمةٍ حقا وان كنت من الاميين الذي شرفهم الله بان بعث نبيا منهم لحكمة يعلمها .
هل تعلمين يا أمي ..
انا أتألم ..ليس لأنني لم أفخر بك يوماً ولكن لأنني أضعتُ كل تلك السنواتِ في لومك على قلبك الكبير والجميل, في عتَبي المستمر على زيادة طيبتك حتى مع أعدائك
هل تذكرين يوم تخرجي بكيتِ وأنا أقول ..هذا نجاح يعني لازم الهم !
لم أكن أعلم أن لديك أنتِ أيضاً دموع فرح .. دموعٌ تتغلبُ على قدرةِ الروح
وفرحتها تتطايرُ لأن حجم الفرحة أكبر من احتمال الجسد .. كنتُ أعتقد أنك تبكين أمرا آخر .
أخبروني أن المرأة شيءٌ ضعيف أمام مباهجِ الدنيا ورأيتُ أمهاتٍ يتبرجن في الشوارع
وأخرياتٍ يُخططن لبناتهن كيفَ يجمعن الرجالَ حولهن ويُخترنهم بما فيهِ المصلحة !
وأمهاتٌ يعلمنهن الرقص بالكباريهات , وأمهاتٌ يبعن بناتهن للزوج الأغلى !
وتساءلتُ بعمق . وهل مازلت أعتقد فقط أنكِ ملائكة ؟!
يقولون يا أمي أن النساء لايكن في شيءٍ إلا أتلفننه
وأن الساحرات نساء, والكاهنات نساء , والعاهرات نساء, والشيطان يسكن أجساد النساء ,
وهيفاء وهبي إمرأة وجسيكا ألبا امرأة وجنفيفر وشاكيرا ولآنا كورنيكوفا ودينا وفيفي نساء
وأنتِ تعيدين لروحي الحياة كلّما علمتِ أنك أنتِ أيضا رمز للطهرِ والدين والعقل والجمال وأنك أيضاً نساء !
الجسد المثقوبُ مدعاةٌ للنقص .. ألم أقل لكِ ذلك يوماً يا أمي
ألا تتابعي الأفلام أووه نسيتُ أنك تنامين عند الثامنة لتضمني صلاة الفجر
وتقومي بعد اداء الصلاة بهز الكانون وشاي الصباح ومن ثم تحملي حزمة الحطب وتتجهي للعشة (حيث الصاج)وتبدي في طقوس عواسة الكسرة والتي ان لم يكن لكي سواها من عمل لشهدت لكي بانها من اعظم اعمالك الدنيوية..... حين شاهدتِ احدى الفتيات في حفل زواج اختي تكشف عن ظهرها وساقيها صرختِ بأن الله سيغضب علينا وعندما أدير قُرصُ الموسيقى قطعت الأيمان بأن الأرضَ ستخسفُ بنا في قاعها الملتهب ..يا لجمالك ياأمي! وانت تبري بوالدتك وكانها لم تلد غيرك ورغم مشغولياتك ادمنت الذهاب اليها وانت تلفحي ثوبك من غير ارادة وكان يد خفية تتدفعك نحو طريق بيت امي الاخري...يالجمالك....نعم تخرجي بكامل حشمتك ....وأنتِ لاتعلمين عن مراقصِ التعري ولاتتوقعين بحياتك أن هناك أماكن لبيع المومسات وباصات لنقلهن للزبائن بشكل رسمي ومرخّص .
دعي هذهِ أمي أجزم تماماً أنكِ حين تعلمين بحفلات تبادل الأزواج ستفكرين في الإنتحار جديا أو أنك ستقضين الليل في صلاة لاتنقطع , ومتأكدة أنك ستدعين الله أن يغفر لك- فقط -لأنك سمحتِ لنفسك بتخيل صدقية وجود فجورٍ كهذا !
أو أنك يا أطهر النساء لا أريد أن أخبرك أنهم يحتفلون في أحد البلدان بيوم يدعى يوم العراة اووه كيف ستصدقينني وأنتِ حتى في زواج احد بناتك رفضتِ ان تخلعي ملفحتك وتضعي خمارك ..ما رأيك يا أمي في خبرِ متظاهرين كويتيين يُطالبون بحقوق الشواذ من الجنسين في الزواج والحقوق المدنية !
أكنتِ ستصدقينني حين أخبرك بأنهم يتحدثون لغتنا ويعتنقون ديننا وأهلهم ربما
شاركوك الطواف حول الكعبة ذات عُمرة ؟!
أرأيت يا أمي كيف أنكِ مازلتِ بكل هذا الجمال والطهرِ والبراءة تُصعّبين علي مهمة الكلام ..مهمة البوح لكِ بأن العالم بات قبيحاً ملعوناً فاسقاً مُتخماً بالفحور
وأنه مازال لم يبصق عل نفسهِ بعد ..لم يشعر بالعار لم يقذف بنفسه من اعلي الشرفة ..
لم يتناول سماً مع وجبته اليومية من ماكدونالدز ... لم يصحو يوماً وهو عازم على التغيير
.. أمي....
حسناً هذا الصمتُ أمامكِ طال ولا بُدّ أن أتحدث , لا بُد أن أشكو ,لابد أن أفضفض من كومةِ التعب التي علَت روحي واستقرت في قلبي فأجفلهُ التعبُ عن النوم سأخبُرك بالأقل هل تعلمين أن مكة نفسها سجلت أكبر نسبةِ جرائم قتل وسرقة
واغتصاب ومخدرات في السعودية ربّما في هذه ستصفينني بالمتآمر وأن الشيطان لن يزول من لساني حتى أستعيذ منه سبعاً وربما طلبتِ مني التوجة للصلاة تكفيراً عن كذبةٍ مسيئةِ لأهل البلد الحرام .. رغم أنك تعلمين أن أغلب الفاسدين مسلمين جاؤوا من كل بلد ليصنعوا امبراطورية فساد بجانب حمام الحرم تماماً .
لا لن أجازف وأخبرك بهذهِ سأكتفي بإخبارك أن كثيرمن بنات الجامعات والثانويات
يمارسن الشذوذ ويسمينه الحب في الله تطميناً لجانب الضمير وعقدة الذنب قليلاً .
كيف ستصدقين هذا وأنتِ لم تحبي في حياتك سوى أبي وأن الحب لديك طهور يتلوه طهور لايدنسه سوى التوقف عن الحب من أجل الغيرة أو الزواج من أخرى لأنك حتى وأنتِ تبكين في يوم زواج أبي عليك لينجب الأولاد بدلاً من سرب البنات كنتِ تحبينه إلى الدرجة التي عطرتِ فيها ملابسه بعطرك الوحيد الذي تحبينه كلما وضعتِ منه ذات مساء , وتمنيتِ له ليلةَ سعيدة !!
أرجوك يا أمي توقفي عن التصاعد في ذاكرتي بكل هذا النور فأنا مظلم . معتم .. ضائع لا أستطيع أن أجازف بكشفِ شيءٍ مني .. من عتمتي ..
من العالم الذي تنامى وكبر عن القرية الصغيرة التي نعرفها سوياً ..
إنه يلطخنا بالوهم والخوف والحقد والشكوك كل يوم يا أمي ..
يشخبط سبوراتنا التي لم تعد بيضاء ...
يزيح قناعاتنا التي لم تعد راسخة ..
يسخرُ من جهلنا فيعلمنا أنهُ فاجر أكثر مما تخيلناه ! .
عن ماذا نتحدث يا أمي ؟! ..
أنتِ هنا أمامي منذُ أكثر من ساعة وأنا لا أجد ما أبدأ بهِ الحديث في حضرةِ هيبتك ونورك و إيمانك .
كيفَ ذلِك وأنتِ مازلتِ تعتقدين أن اللصوص مكانهم في السجن ,
وأن القتلة يُقتلون بحد السيف, وأن المفسدين في الأرض تُقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف !
لا يا أمي فورب الكعبةِ أنهم لايسكنون إلا فنادق الخمسة نجوم, ويتصدرون عناوين الصحف,وندعو لهم في الجُمعِ ويملكون رصيد في كل بنوك العالم .. ويُشار إليهم بالبنان .
أنتِ مازلتِ تعتقدين أن القُضاة لاينطقون سوى بحكم الله, ويملأؤن الأرض عدلاً وسلاموأنتِ لاتدرين أنهم باتوا أصحاب عقارٍ وسياراتٍ فخمةٍ و خليلات في عواصم الدول الاوربية و العربية والافريقية ويخافون الله أيضاً فيجعلونها إما مسيار أو مسفاراً والقائمةُ تطول! .
أنتِ مازلتِ تعتقدين أن العلماء بركات الله في الأرض وأننا بوجودهم في أمان من الفتنةلكنّكِ لم تسمعي بفتوى السلطان والانتخابات و الأحوال والظروف والمناسبات الوطنية ! .
أنتِ مازلتِ تعتقدين أن أكبر معصية علينا الآن هي سكوتنا عن نصرة دارفور!
أذن أنتِ لاتعلمين عن المجرمين الذين يسكنون الدرك الأعلى من بنايات الخرطوم,ويلعبون النرد والقطة العمياء ويُشاهدون كاس العالم في الوقت الذي يموت فيه اطفال دارفور ونسائها بالجملة وهم يرتشفون الماء البارد بدم بارد ! .
أنتِ بكلّ هذا الجمال لَن تستوعبي فكرة ان رئيسنا مجرم في نظر العدالة الدولية ومطلوب للعدالة الدولية ؟؟؟؟؟ وانت تستمعي لراديو السلطة وهو يتحدث عن خصومه في سبيلِ تعليمنا أصول الديمقراطية وحوار الأديان والسلام مع الآخر وبقية الأشياء الشاعريةِ يا أمي !بانهم عملاء ومرتزقة؟؟؟؟؟
لَن تصدقي أن حرق قري في ولايات دارفور باكملها وبما فيها لَن يعدو كونه
خير سريعُ في رزمة أخبارٍ فيها أن عضلات بطن كريستيانو رونالدو
تحتل المركز الأول في أكثر المهاجمين وسامة وأنه بات الموديل في
الملابس الداخلية لماركة ايطالية عريقة في الأزياء !
ألم تُلاحظي أنني استفضت في الحديث عنه أكثر من دارفور ؟
قاتل الله الأخبار يا أمي إنها تفعل مثلي كل يوم ..
عن ماذا أحدثك يا أمي .. وأنتِ مازلتِ لاتتخيلين أن تتبرج النساء لاذاعة خبرٍ أليم
مازلتِ تحفظين تقاليد قريتنا في نقلِ أخبارِ الموت والمرض بكل هيبة ووقار وكثيرٍ من الصلاةِ والدعاء
لقد مر وقت طويلُ يا أمي ...
في دارفور علمونا كيف تدمر من أجل البناء !!
لا أخفيك يا أمي أنها نظرية جديدة ابتكرها أحد سادة القصر ومستشاريه الكتاااااااااار
وهو يحتسي كأساً من الكركدي البارد .. تقول النظرية :
بأن يموت المتمردين مقابل حياة كريمة لمواطن دارفور ..
لكنّ المتمردين لم يموتوا بل ماتوا المواطنين ً يا أمي!! ...
اللعنة عليهم جميعا لقد كانت نظرية خاطئة وفأر التجربة كبيرُ بحجم وطن
ونحنُ صغارٌ صغارٌ صغارٌ بحجمِ ظفرك أمي !
ولكن اسمحي لي سأتحدث أخيراً لقد وجدت موضوعاً يُمكن أن نتفق عليه
ويمكن أن لا أشعر ببعدي عنكِ بهِ أكثر , حسناً سأتحدثُ أمي :
أشتقتُ إليكِ ..كثيراً كثيراً .. وكفى ! .
إلى متى ستخونني الذاكرة ؛ والى متى سأمضي في هذا الطريق؛والى أين سأصل؛لقد آن الأوان يا صديقي لأصارحك بكل ما حملته وخزنته لأنني لم اعد أتحمل وأخاف أن يأتي اليوم الذي افقد به كل ما جمعته خلال السنوات المنصرمة من تجربة فيها من السواد أكثر مما تحويه منفضة من السجائرالتي تتلوى حزنا على صديق عرفته منذ أمد بعيد وأبت أن تهجره في هذه الظروف الصعبة ... إنها الأيام يا صديقي حيث أبحرت في هذا المستنقع بملء إرادتي فخلعت ملابسي وتعريت وحاولت أن ابحث عن وردة برناردشو حين قال قد تنبت الزهرة في مستنقع، فغامرت وأدرت ظهري لمن حولي يقينا مني بأنه علي أن لا انظر إلى الوراء كي اصل مسرعا فخلعت حذائي المثقوب ونزلت ابحث عن تلك الوردة... أوأكد لك يا صديقي ان الحشرات والجرذان الحقيرة التي كادت أن تهشم قدمي لم تستطع من تغيير مساري الذي رسمته فتابعت وما ذلت أتابع وسأعبر هذا المستنقع ولو جثة هامدة... رأيت الوردة من بعيد بألوانها الزاهية المتعددة وبريقها الخلاب فاقتربت منها وضممتها إلى صدري بحنين فعجت منها رائحة المستنقع... نتفتها بأظافري ومزقت بقاياها واستفرغت ما في أحشائي عليها؛ من يدري قد لا تكون هي الوردة التي حدثنا عنها برناردشو وقد لا أجدها في هذا المستنقع ولكني وجدت أشياء كثيرة اطهر بكثير من عطر الورد وحفظتها في ذاكرتي التي لم تعد تتسع وأخاف أن تعبر من ذاكرتي قبل أن اعبر هذا المستنقع العفن الذي تكالب بعوضه علي ووجد في تجاعيد وجهي وثنايا جسدي المنهك مأوا له يستريح متى يشاء وينسج الحكايات والأساطير... وأنا اسمع ولا اسمع واسمع ما تستسيغ سماعه أذني وأدعي قلة المعرفة في حل خيوط العنكبوت التي طوقت راسي وزراعي وكادت أن تشل حركتي وتسقطني لولا أن أتوكأ على قليل مما ادخرته من الإرادة التي رضعتها منذ صباي 000 مشيت وما زلت امشي ويؤلمني نعيق الضفادع وحفيف الحيتان التي تمر أمامي وخلفي ساخرة مكشرة في وجه هذا المخلوق الغريب الذي لم تالف وجوده في مثل هذا المكان000 لا اخفي عنك يا صديقي نظرات الإشفاق التي رمقتني بها العابرين فوق هذا المستنقع ودموع الحزن التي زرفتها بعض الطيور حزنا علي والتي بللت شفتي وروت عطشى 000 سأعود يا صديقي بعد أن أنظف جسدي بما اعتصره من باطن الأشجار واعصب جروحي بحبل التجربة علها تندمل وتخفف الرائحة الكريهة التي علقت بي من وسخ الأيام المنصرمة وكم هي طويلة الساعات والدقائق والثواني حين تكون على موعد مع الحرية 000 كلما فكرت بالعودة ينتابني فرح طفولي وشوق جامح إلى تلك الروابي الخضر والسهول المعطاءة والجبال الشامخة شموخ هامات الرجال الذين صنعوا من تربة الوطن أسمى تماثيل الحرية بعد ماروه بدماءهم الطاهرة ، لقد لاح لي النيل العظيم الذي لطال مانهلت منه والذ سيظل نيل للحياه مهما تثاقلت الرواسب عليه حيث لاتستطيع أن تحد من تدفقه و تعجز عن تغيير مجراه وسيبقى هادر ليروي تربة الوطن وستخضر الصحراء وتزدهر الارض في بلادي سأعود وأتشبث بتربة الوطن وسأصنع منها تماثيلا وقمحا وحرية ووعدا وتمني00 فوداعا يا رياض الهم ووداعا يا رفيقا كنت اصدق من عرفت – السعودية –الرياض - يوميات مهاجر 1/اغسطس/2010 ."
الصديق المفترس وثرثرة المغتربين
صديق الغربة هو كالسراب يحسبه الظمآن ماءً، فإذا جاءه لم يجده شيئا. صديق الغربة هو الذي تلتقي مصالحه مع مصالحك في مرحلة معينة، ولكنه يمكن أن يركلك مع أول فرصة تسنح له بالاستقلال. وصراع المغتربين هو أحدى معارك المهاجر التي تستنفد طاقاته ومجهوداته، خاصة بين أبناء الجالية السودانية. في الغربة لا تتوقعَنَّ أن يفرح لفرحك أحد، أو يبكي لحزنك صديق. والدّيَكة تجدهم في كل مكان،. وهنا لا تتعجب إذا قابلك أحدهم مبتسما وفرحا بل معانقا، وذلك بعد ساعات قليلة من الإساءة إليك حاضرا أو غائبا؛ فهذه هي أخلاق الغربة والأخلاق التي لا تجاوز أشخاصنا المحدودة لتصبح سلوكا عاما هي مغانم خاصة، عاجلة أو آجلة ينتظرها صاحبنا المغترب. خليط غريب، غير متجانس، من شوائب الغيرة والكراهية والحسد يمكن أن تختفي دهرا طويلا في نفس المغترب تجاه صديقه وحيال أقرب الناس إليه في المودة الظاهرة، ثم لا تلبث أن تنفجر فتلقي حممها في كل مكان. ولكن هذه الشرائح المختلفة المتنافرة يجب أن تعيش في مكان واحد، وأن تسعى إلى الاقتراب بعضها من بعض، ولكنه اقتراب القطيع الذي يخشى التيه، ويظن كل من يراه أنه مترابط متعاضد يعاون بعضه بعضا. واجب الصداقة في الغربة باهظ التكاليف من الأعصاب والذهن، لأنك دائما في حالة ترقب من غضب الآخر، الذي إذا خاصم فجر. وتجمعات المغتربين تحتاج إلى رابطة أخلاقية، وسلوكيات قويمة قبل أن تعلن هدفها، وإلا انهار البنيان على أصحابه. ولكن كيف تحدد السلوكيات القويمة، وأنت أمام شرائح متنافرة من البشر، تركت بلاد ها هربا من إرهاب سياسي أو بحثا عن متع زائلة، أو رغبة في ثراء سريع، أو لأن الفقر والأمية والحظ التعيس يطاردها في الوطن فجاءت تحتمي منه في عالم المغتربين؟ كيف يمكن أن ينقلب الأبيض أسود، والأسود أبيض في عالم المغتربين ، بين عشية وضحاها؟ هل المغتربون السودانيين أشرار؟ معاذ الله، فنحن أيضا من المغتربين السودانيين، ولم يكن يدور في خلدنا أن نعمم صفات في قوم نحن منهم. ما أردنا قوله هو أن الصفات المكتسبة السيئة سريعة الالتصاق بنفوس المغتربين،لأن الصغائر إذا شغلت العقل والقلب فقد أحكمت عليهما عقدة الإيذاء. في الغربة لا تختار الصحاب، ولكنك تجد نفسك معهم في السراء والضراء، وتشارك في مجاملات وأحاديث ليس لك عليها سلطان. وإلا فكيف نفسر النسيان الكلي لأي مهاجر يعود إلى بلده من قبل أقرانه الذين قضى معهم سنوات طويلة. ولكن، ماذا يحدث إذا كانت النبتة طيبة، وخرج المهاجر من وطنه بأقل عدد من الأمراض النفسية والعصبية لوجود توازن في أسرته أو بيئته الأقرب والمؤثرة فيه تأثيرا كبيرا؟ هنا يبدأ المهاجر في اكتساب صفات حميدة في الغربة، ولكنه قد يفقد بعضها مع مصاحبة هذا الكم الهائل من كرنفالات المغتربين. فأنت تشترك في أحاديث الغيبة والنميمة، وتتحدث في قضايا بلدك في ظروف لا تصلح أصلا للقضايا الوطنية. وتشتاق لهجتك وأحاديث أبناء الوطن، فتقبل مرغما وطائعا، في آن واحد، على الخوض في كل الشؤون. وأنت لا تستمع إليه، وهو لا ينصت إليك، ولكنكما تتحدثان حتى لا تقتل العزلة والوحدة أيا منكما.
والحق أن أمراض الغربة النفسية والعصبية والوجدانية ليس لها حصر، ولذلك تتوقع أي تصرف أو رد فعل دون مقدمات منطقية تؤدي إليه. أحيانا لا تعرف إن كان مجتمع الغربة غابة، ليست بها رحمة أو تعاطف، أو هو امتداد لمجتمع الوطن، ولكنك ترى فيه النفوس عارية تماما من كل قيد أسري أو عائلي أو ديني أو سياسي أو بيئي.
إن علاقة السيطرة والقهر التي تؤلف كيان كثير من المغتربين السودانيين تؤدي إلى الخوف الدائم من غوائل مجتمع الهجرة التي لا يستطيع المغترب أن يردعها أو يردها. والتهديد الدائم لقوة المغترب وصحته ورخصة عمله وإقامته تجعله في حالة فقدان مناعة، أو العكس أي تجعله مترقبا حذرا لا يهدأ له بال. وإذا اجتمعت قسوة الظروف التي اضطرته إلى الهجرة، مع قسوة الحياة التي قابلته في الغربة، فإنه يفقد السيطرة على مصيره، أما القلق على الصحة والأمن والعمل فهي هاجسه الرئيسي. والمغترب يحتاج إلى اعتراف من الآخرين بإنسانيته وحقه في المشاركة في الحياة العامة للمهاجرين، وبالتالي فهو يطمع في أن يصبح شخصا ذا قيمة في المجتمع الجديد. إن استمرار التبخيس الذي يصيب الإنسان المغترب بالإحباط يؤدي إلى اتساع مساحة الكراهية التي يحملها المغترب لأقرانه في الوطن الجديد. إنه لا يتمنى النجاح لصديقه، لأنه في عالم المنافسة لا تتسع الأرض لكل المتنافسين، والملعب لا يحتمل وجود كل اللاعبين. إن تغذية عقدة النقص التي تتحكم في المغترب تزيده كراهية لأبناء وطنه الذين شاهدوه ضعيفا، في حين يظن أهل وأصدقاء الوطن هناك أن " ابنهم" انتقل من عالم التخلف إلى عالم النجاح والشهرة والتقدم، وبالتالي فهو الذي يمنحهم القيمة، بدلا من الأمر الطبيعي وهو أن قيمته تنبع أصلا من هناك. والمغترب الذي يشعر بنقص صوب أبناء وطنه لا بد له من انتهاج سلوك تعويضي عن القهر الذي يتعرض له كل يوم وكل ساعة. ترخيص العمل، جواز السفر، اللغة، الثقافة، عدم وجود أصدقاء من أبناء البلد المضيف، موقعه كمواطن من الدرجة الثانية حتى لو كان يحتل مركزا مرموقا، الثقافة الجديدة التي يجد لزاما عليه أن يستوعبها، ولكنه لا يقتنع بها، ويمنعه ماضيه وثقافته الأصلية من هضم الجزء الأكبر من ثقافة المجتمع الجديد. وعشرات من الأسباب الأخرى التي تجعلنا نقترب من فهم تصرفات المغترب السوداني غير المنطقية التي تتعارض مع أبسط سلوكيات الأخلاق والشرف. إن ضيق دائرة التعارف بين زملاء الهجرة تجعل نبع الموضوعات الشيقة والأحاديث المفيدة والتبادل الثقافي والوجداني والعقلي يجف.....
وصديق الغربة هو الرفيق العابر، حتى لو امتدت الرفقة سنين عددا، ولو أمعنت النظر في هذه الصداقة لوجدتها هشة ضعيفة، تؤذيها الذبابة الشاردة، وتقتلها النسمة الباردة، وتوردها الردى خاطرة هم، أو وسوسة سوء.
إن الذهنية المتخلفة لـ " بعض" المغتربين تجعل عددا كبيرا من تجمعات المغتربين فوضى وعشوائية وتخبطا وانجرافا في أمور جانبية.
وصديق الغربة قد يطرق بابك في أي وقت ويبلغك الخبر الذي توقعته منذ أن صافحته أول مرة، وهو أنك لم تكن في يوم من الأيام صديقا، وما بينك وبينه لا يعدو أن يكون ثرثرة مغتربين.
وأكثر أصدقاء الغربة شرا هو الذي كان محروما قبل خروجه من بلده، وقد يكون حرمانا عاطفيا، أو أسريا، أو ماديا، أو فكريا.
وإذا أخرج المحروم كوامن البغض المتراكمة في نفسه عبر سنين الطفولة وبعض مراحل الشباب فسترى أمامك بركانا هائجا من العفن والتخلف. فهو يحط من قدر كل الناس، وهو يتطاول على من هم أفضل منه علما وخلقا. وهو لا يصغي إلى نصيحة، ولا يستمع إلى رأي، ولا ينصت إلا إلى صوت نفسه الخارج من أعماق الضعف والجهالة.
وصديق الغربة كما أسلفنا لا تعرف عنه شيئا، وهو المالك الأوحد لماضيه، يخلقه ثم يزركشه، ثم يسد كل مناحي الضعة والضعف فيه، وأخيرا يقدمه إلى أصحاب الغربة.
لهذا يتساوى في الغربة، للوهلة الأولى، الصعلوك والكبير، المتخلف والمتحضر، الحاقد والمتسامح، العبد والسيد.
وصديق الغربة، يظل تجزيئيا وعاجزا عن النظر نظرة شمولية، فهو لا يرى أبعد من محيطه الأناني، ولا يتمكن من استشفاف آفاق بعيدة سواء كانت في ماضيه أو محيطه الجديد. وصديق الغربة لا يهنئك على نجاح، ولكنه يتصل بك إذا ألمت بك مصيبة أو أحاطت به قارعة ليعرف إن كانت ستصيبه هو أبضا أم ستظل بعيدة عنه.
وصديق الغربة المتعلم او نصف المتعلم يغير جلده كل يوم، بل قد يغيره في اليوم الواحد مرات كثيرة وهو مناضل ومنعزل، وهو تقدمي ورجعي. وهو زبون دائم لكل البضائع الإسرائيلية، ومع ذلك فهو يخرج في مظاهرات فلسطينية منددا بالوحشية الصهيونية. وهو يحدثك في الدين، ومع ذلك فهو يستمتع بكأس من الخمر في المساء. وهو مع الركب أينما كانت هناك منفعة، فإذا انفض المولد بحث عن غيره.
أما عندما يغضب عليك فسترى الضعف البشري كله مجسدا فيه، ولو أراك نصف أنياب الأسد بارزة من بين فكيه.
ووقتها لن تصدق أن هذا الشخص عينه هو الذي قابلك بالأحضان والقبلات عشرات المرات، وهو الذي تحدثت معه في خصوصيات كثيرة، ودعاك إلى بيته، ودعوته إلى منزلك مرات لا حصر لها. إنه قادر بين عشية وضحاها على تحويل علاقتك السابقة معه إلى صورة قاتمة من الكذب والرياء والنفاق بل والاختبار، حتى لو كانت كلها، أو أكثرها، وردا ومودة إن ذهب بك الظن إلى ذلك.
ولو كانت ذاكرته ضعيفة، فهي قوية عندما يتذكر كلمة منك أساءت إليه عن غير قصد، أو موقفا سلبيا مر عليه حين من الدهر، أو خطأ صغير اعتذرت عنه منذ وقت طويل.
هل رأيت أسدا يفترس شاة ثم جعل يمزقها قطعة قطعة؟... إن تكن قد رأيته فقد رأيت الرحمة نفسها إذا قارنته بصديق الغربة الغاضب الذي يهدم المعبد وعلى أعداء من الوهم خلقهم من داخل نفسه المريضة.
قلنا من قبل أن أمراض الغربة النفسية والعصبية الفكرية كثيرة جدا، وهي تحتاج إلى تجمع ضخم من المحللين والأطباء النفسانيين لمحاصرة قوة اندفاعها حتى لا تأكل الأخضر واليابس في حياة المغتربين، مرضى وأصحاء.
إننا نعزو الجزء الأكبر من هذه الأمراض إلى عامل التجمع المتنافر لهذه النماذج من البشر، التي تصطدم كل ساعة، بل كل لحظة، لأن عامل الجذب الأكبر، وهو رباط الغربة، أوهن من بيت العنكبوت.
إن الذهنية المتخلفة لبعض المغتربين قد جعلت الحدث الخطير ـ الهجرة ـ مركز صراع وبؤرة تضاد تجمع المتنافرين بالمتجانسين ليخرج من بين أضلعها مزيج غريب من كل شيء يحمل في طياته بذور فشله قبل نجاحه. في هذا التجمع يحدثك الوضيع عن الأخلاق، والجاهل يصدر فتواه في كل أنواع العلوم، والجبان يقص عليك من نبأ معاركه الماضية مع الإرهاب والظلم والقهر.وبطولاته الزائفة.
ابتسامة صديق الغربة باهتة كلون الملابس القديمة الرثة، ولا تعرف أحيانا إن كانت لك أو عليك، فتظل حائرا مع هذا الصديق حيرة الجاهل بأقوال سقراط.
إن التصدي العقلاني الموضوعي لظاهرة الغدر لدى صديق الغربة قد تكون بداية جيدة للوصول إلى أسباب التحولات والتغيرات النفسية التي تطرأ على تصرفات بعض المغتربين.
إن الحلول السحرية الغيبية والتغاضي عن الواقع، وعدم مجابهة الحقيقة، ليس لها مكان في محاولة التصدي لهذا المشكل الخطير وحله.
إن صديق الغربة الذي يغدر بك ويشكك في صداقتك ويحملك وزر محبتك له، ويعاتبك على إخلاصك، وينتقد استمرار مودتك إياه هو مريض بكل المقاييس، وهو كالمجرم الطليق يؤذي نفسه ويؤذي غيره.
إن الذين يتنفسون عبر هؤلاء المرضى، ويسكتون عن جرائمهم ويرفعون من شأنهم، ويبررون ـ ظاهريا ـ كل ما يبدر منهم، هم شركاء معهم وسينالهم من المرضى أنفسهم ما نال غيرهم.
إن سيطرة بعض الجهلاء، وحاملي الأمراض العصبية والنفسية، وغير الأسوياء على تجمعات بعض المغتربين تجعل من هذه التجمعات أضحوكة مبكية. إن بعض تجمعات المغتربين في حاجة إلى محللين نفسيين قبل الحصول على أي دعم مالي، وهي تجمعات يسقط دورها إذا لم يقم بقيادتها أصحاء مثقفون عاقلون أسوياء. و بذرة الغدر التي يحملها صديق معه في حله وترحاله يمكن القضاء عليها بتنقية تجمعات المغتربين لتتولى الصفوة قيادتها، وتجمع أكبر قدر ممكن من التجانس بين الأفراد.
لكل هذه الأسباب التي ذكرناها عن صديق الغربة، وأسباب أخرى غيرها قد نعلم بعضها ونجهل البعض الآخر، لم تقم تجمعات السودانيين المغتربين في السعودية بدورها خارج الوطن، لأن الامية ضاربه باطنابها فيها وهمومها كثيرة ومشاكلها تستعصي على العصبة أولي القوة من الرجال. ويظل في الأمل أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
الي .......أمي....الحبيبة......
ولماذا كلّما سمعتُ صوتكِ امتلأتُ بالإيمان ؟!
الحمّى التي كانت لاتبردُ في جسمي إلا حين تضعين يدك على رأسي
هل كانت تعلَم أن برَد الجنةِ في يديكِ أقوى من احتمالِ الشّر وتمرّده ؟!
أشعر أنها كانت تخافُ يديكِ وتجفلُ سريعاً , كنتِ تطردينها من لَمسة,
وكنتُ حينَ أتعافى أعتقدُ أنّكِ من الملائكة ..
وكنت ترددين معي القصائد وانا احفظها في سنوات دراستي الاولي...وانتي جزله وطربه بموسيقها ومعناها اوليس فيها تلك الابيات التي تقول (ان الذي بيني وبين بني ابي وبني عمي لمختلفا جده..فان اكلوا لحمي وفرت لحومهم وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا...وكنت تردديها بفرح لااعمل بها ..لان لي اخوه من ابي وعمي....
مازلتُ أذكر أنني كنت أسخر منكِ بصمت وأتمادى في ذلك حين أقول
" مَن ذا يعمل بذلك غير احد من الملائكة ؟!
والآن فقط " حين أحتاجُ إلى استرجاعها والامعان في معانيها أعلم كيفَ كنت معلمةوعظيمةٍ حقا وان كنت من الاميين الذي شرفهم الله بان بعث نبيا منهم لحكمة يعلمها .
هل تعلمين يا أمي ..
انا أتألم ..ليس لأنني لم أفخر بك يوماً ولكن لأنني أضعتُ كل تلك السنواتِ في لومك على قلبك الكبير والجميل, في عتَبي المستمر على زيادة طيبتك حتى مع أعدائك
هل تذكرين يوم تخرجي بكيتِ وأنا أقول ..هذا نجاح يعني لازم الهم !
لم أكن أعلم أن لديك أنتِ أيضاً دموع فرح .. دموعٌ تتغلبُ على قدرةِ الروح
وفرحتها تتطايرُ لأن حجم الفرحة أكبر من احتمال الجسد .. كنتُ أعتقد أنك تبكين أمرا آخر .
أخبروني أن المرأة شيءٌ ضعيف أمام مباهجِ الدنيا ورأيتُ أمهاتٍ يتبرجن في الشوارع
وأخرياتٍ يُخططن لبناتهن كيفَ يجمعن الرجالَ حولهن ويُخترنهم بما فيهِ المصلحة !
وأمهاتٌ يعلمنهن الرقص بالكباريهات , وأمهاتٌ يبعن بناتهن للزوج الأغلى !
وتساءلتُ بعمق . وهل مازلت أعتقد فقط أنكِ ملائكة ؟!
يقولون يا أمي أن النساء لايكن في شيءٍ إلا أتلفننه
وأن الساحرات نساء, والكاهنات نساء , والعاهرات نساء, والشيطان يسكن أجساد النساء ,
وهيفاء وهبي إمرأة وجسيكا ألبا امرأة وجنفيفر وشاكيرا ولآنا كورنيكوفا ودينا وفيفي نساء
وأنتِ تعيدين لروحي الحياة كلّما علمتِ أنك أنتِ أيضا رمز للطهرِ والدين والعقل والجمال وأنك أيضاً نساء !
الجسد المثقوبُ مدعاةٌ للنقص .. ألم أقل لكِ ذلك يوماً يا أمي
ألا تتابعي الأفلام أووه نسيتُ أنك تنامين عند الثامنة لتضمني صلاة الفجر
وتقومي بعد اداء الصلاة بهز الكانون وشاي الصباح ومن ثم تحملي حزمة الحطب وتتجهي للعشة (حيث الصاج)وتبدي في طقوس عواسة الكسرة والتي ان لم يكن لكي سواها من عمل لشهدت لكي بانها من اعظم اعمالك الدنيوية..... حين شاهدتِ احدى الفتيات في حفل زواج اختي تكشف عن ظهرها وساقيها صرختِ بأن الله سيغضب علينا وعندما أدير قُرصُ الموسيقى قطعت الأيمان بأن الأرضَ ستخسفُ بنا في قاعها الملتهب ..يا لجمالك ياأمي! وانت تبري بوالدتك وكانها لم تلد غيرك ورغم مشغولياتك ادمنت الذهاب اليها وانت تلفحي ثوبك من غير ارادة وكان يد خفية تتدفعك نحو طريق بيت امي الاخري...يالجمالك....نعم تخرجي بكامل حشمتك ....وأنتِ لاتعلمين عن مراقصِ التعري ولاتتوقعين بحياتك أن هناك أماكن لبيع المومسات وباصات لنقلهن للزبائن بشكل رسمي ومرخّص .
دعي هذهِ أمي أجزم تماماً أنكِ حين تعلمين بحفلات تبادل الأزواج ستفكرين في الإنتحار جديا أو أنك ستقضين الليل في صلاة لاتنقطع , ومتأكدة أنك ستدعين الله أن يغفر لك- فقط -لأنك سمحتِ لنفسك بتخيل صدقية وجود فجورٍ كهذا !
أو أنك يا أطهر النساء لا أريد أن أخبرك أنهم يحتفلون في أحد البلدان بيوم يدعى يوم العراة اووه كيف ستصدقينني وأنتِ حتى في زواج احد بناتك رفضتِ ان تخلعي ملفحتك وتضعي خمارك ..ما رأيك يا أمي في خبرِ متظاهرين كويتيين يُطالبون بحقوق الشواذ من الجنسين في الزواج والحقوق المدنية !
أكنتِ ستصدقينني حين أخبرك بأنهم يتحدثون لغتنا ويعتنقون ديننا وأهلهم ربما
شاركوك الطواف حول الكعبة ذات عُمرة ؟!
أرأيت يا أمي كيف أنكِ مازلتِ بكل هذا الجمال والطهرِ والبراءة تُصعّبين علي مهمة الكلام ..مهمة البوح لكِ بأن العالم بات قبيحاً ملعوناً فاسقاً مُتخماً بالفحور
وأنه مازال لم يبصق عل نفسهِ بعد ..لم يشعر بالعار لم يقذف بنفسه من اعلي الشرفة ..
لم يتناول سماً مع وجبته اليومية من ماكدونالدز ... لم يصحو يوماً وهو عازم على التغيير
.. أمي....
حسناً هذا الصمتُ أمامكِ طال ولا بُدّ أن أتحدث , لا بُد أن أشكو ,لابد أن أفضفض من كومةِ التعب التي علَت روحي واستقرت في قلبي فأجفلهُ التعبُ عن النوم سأخبُرك بالأقل هل تعلمين أن مكة نفسها سجلت أكبر نسبةِ جرائم قتل وسرقة
واغتصاب ومخدرات في السعودية ربّما في هذه ستصفينني بالمتآمر وأن الشيطان لن يزول من لساني حتى أستعيذ منه سبعاً وربما طلبتِ مني التوجة للصلاة تكفيراً عن كذبةٍ مسيئةِ لأهل البلد الحرام .. رغم أنك تعلمين أن أغلب الفاسدين مسلمين جاؤوا من كل بلد ليصنعوا امبراطورية فساد بجانب حمام الحرم تماماً .
لا لن أجازف وأخبرك بهذهِ سأكتفي بإخبارك أن كثيرمن بنات الجامعات والثانويات
يمارسن الشذوذ ويسمينه الحب في الله تطميناً لجانب الضمير وعقدة الذنب قليلاً .
كيف ستصدقين هذا وأنتِ لم تحبي في حياتك سوى أبي وأن الحب لديك طهور يتلوه طهور لايدنسه سوى التوقف عن الحب من أجل الغيرة أو الزواج من أخرى لأنك حتى وأنتِ تبكين في يوم زواج أبي عليك لينجب الأولاد بدلاً من سرب البنات كنتِ تحبينه إلى الدرجة التي عطرتِ فيها ملابسه بعطرك الوحيد الذي تحبينه كلما وضعتِ منه ذات مساء , وتمنيتِ له ليلةَ سعيدة !!
أرجوك يا أمي توقفي عن التصاعد في ذاكرتي بكل هذا النور فأنا مظلم . معتم .. ضائع لا أستطيع أن أجازف بكشفِ شيءٍ مني .. من عتمتي ..
من العالم الذي تنامى وكبر عن القرية الصغيرة التي نعرفها سوياً ..
إنه يلطخنا بالوهم والخوف والحقد والشكوك كل يوم يا أمي ..
يشخبط سبوراتنا التي لم تعد بيضاء ...
يزيح قناعاتنا التي لم تعد راسخة ..
يسخرُ من جهلنا فيعلمنا أنهُ فاجر أكثر مما تخيلناه ! .
عن ماذا نتحدث يا أمي ؟! ..
أنتِ هنا أمامي منذُ أكثر من ساعة وأنا لا أجد ما أبدأ بهِ الحديث في حضرةِ هيبتك ونورك و إيمانك .
كيفَ ذلِك وأنتِ مازلتِ تعتقدين أن اللصوص مكانهم في السجن ,
وأن القتلة يُقتلون بحد السيف, وأن المفسدين في الأرض تُقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف !
لا يا أمي فورب الكعبةِ أنهم لايسكنون إلا فنادق الخمسة نجوم, ويتصدرون عناوين الصحف,وندعو لهم في الجُمعِ ويملكون رصيد في كل بنوك العالم .. ويُشار إليهم بالبنان .
أنتِ مازلتِ تعتقدين أن القُضاة لاينطقون سوى بحكم الله, ويملأؤن الأرض عدلاً وسلاموأنتِ لاتدرين أنهم باتوا أصحاب عقارٍ وسياراتٍ فخمةٍ و خليلات في عواصم الدول الاوربية و العربية والافريقية ويخافون الله أيضاً فيجعلونها إما مسيار أو مسفاراً والقائمةُ تطول! .
أنتِ مازلتِ تعتقدين أن العلماء بركات الله في الأرض وأننا بوجودهم في أمان من الفتنةلكنّكِ لم تسمعي بفتوى السلطان والانتخابات و الأحوال والظروف والمناسبات الوطنية ! .
أنتِ مازلتِ تعتقدين أن أكبر معصية علينا الآن هي سكوتنا عن نصرة دارفور!
أذن أنتِ لاتعلمين عن المجرمين الذين يسكنون الدرك الأعلى من بنايات الخرطوم,ويلعبون النرد والقطة العمياء ويُشاهدون كاس العالم في الوقت الذي يموت فيه اطفال دارفور ونسائها بالجملة وهم يرتشفون الماء البارد بدم بارد ! .
أنتِ بكلّ هذا الجمال لَن تستوعبي فكرة ان رئيسنا مجرم في نظر العدالة الدولية ومطلوب للعدالة الدولية ؟؟؟؟؟ وانت تستمعي لراديو السلطة وهو يتحدث عن خصومه في سبيلِ تعليمنا أصول الديمقراطية وحوار الأديان والسلام مع الآخر وبقية الأشياء الشاعريةِ يا أمي !بانهم عملاء ومرتزقة؟؟؟؟؟
لَن تصدقي أن حرق قري في ولايات دارفور باكملها وبما فيها لَن يعدو كونه
خير سريعُ في رزمة أخبارٍ فيها أن عضلات بطن كريستيانو رونالدو
تحتل المركز الأول في أكثر المهاجمين وسامة وأنه بات الموديل في
الملابس الداخلية لماركة ايطالية عريقة في الأزياء !
ألم تُلاحظي أنني استفضت في الحديث عنه أكثر من دارفور ؟
قاتل الله الأخبار يا أمي إنها تفعل مثلي كل يوم ..
عن ماذا أحدثك يا أمي .. وأنتِ مازلتِ لاتتخيلين أن تتبرج النساء لاذاعة خبرٍ أليم
مازلتِ تحفظين تقاليد قريتنا في نقلِ أخبارِ الموت والمرض بكل هيبة ووقار وكثيرٍ من الصلاةِ والدعاء
لقد مر وقت طويلُ يا أمي ...
في دارفور علمونا كيف تدمر من أجل البناء !!
لا أخفيك يا أمي أنها نظرية جديدة ابتكرها أحد سادة القصر ومستشاريه الكتاااااااااار
وهو يحتسي كأساً من الكركدي البارد .. تقول النظرية :
بأن يموت المتمردين مقابل حياة كريمة لمواطن دارفور ..
لكنّ المتمردين لم يموتوا بل ماتوا المواطنين ً يا أمي!! ...
اللعنة عليهم جميعا لقد كانت نظرية خاطئة وفأر التجربة كبيرُ بحجم وطن
ونحنُ صغارٌ صغارٌ صغارٌ بحجمِ ظفرك أمي !
ولكن اسمحي لي سأتحدث أخيراً لقد وجدت موضوعاً يُمكن أن نتفق عليه
ويمكن أن لا أشعر ببعدي عنكِ بهِ أكثر , حسناً سأتحدثُ أمي :
أشتقتُ إليكِ ..كثيراً كثيراً .. وكفى ! .
الأربعاء، يوليو 07، 2010
قصيدة خالد بن صفوان _
قال بعض أهل الأدب: كفى غنى بمن حفظ قصيدة خالد بن صفوان القناص، وذلك أنه جمع في قصيدته كلام العرب في الصفات وما جاء في أشعارهم ومصنفاتهم من العرب
عُوْجاً على طَلَلٍ بالقُفْصِ خُلاّني
أقوى فَقُطَانه أرآلُ هِيقـــانِ
كالدَيْبُليّات أو إجْل قَراهبــة
من بين أحمر يرعاها وثِيرانِ
وغَيّرَتْ آيه ريحٌ شآميــةٌ
ووَبْلُ مُثْعَنْجِرٍ بالسيل مِرْنانِ
أجشّ مُغْلَنْطِقٌ مُغْدَوْدِقٌ غَـدِقٌ
مُهْرَوْرِقٌ وَدِقٌ مُسْحَنْفِـرٌ دانِ
أضحى خلاءً وأمسى أهله شَحَطوا
نواهم حيث أمّوا أرضُ نَجْــرانِ
أرضاً نأت ونأى للحيّ قاطِنُها
إذْ حَلّ أرضاً بها أبناءُ ذُبْيَانِ
يا صاحِبَيَّ أَلِمّا ساعةً وقِفـــا
في دارِ أخت بني ذُهل بن شيبان
وما وقوف امرئ هاجت صبابتَه
سُفْعُ المَلاطم من تلويحِ نيـرانِ
ومُفْرَدٌٍ تركتْ أيدي الإماء به
غدائرَ الشعر شُعْثاً غيرَ إدهان
عليه مثل وِشاح الخَوْدِ قد نحلا
من طول عهدهم بالحيّ رِبْقَانِ
فالدار مُوحشةٌ ما إن بعَرْصتها
إلاّ النعامُ وإلاّ بُقْعُ غِربـــان
يَحْجُلْن في عَطَن قد كنتُ أعهده
قبل الحلول به للعين مَـــلآن
كأنما هي رَأْيَ العينِ عن قُذُفٍ
أصاغِرٌ من بني نُوْب وحُبْشان
دارٌ لجاريةٍ، حوراءَ لاهيـــةٍ
كالشمس ضاحية، في حُسن جِنّان
بالوصل راضيةٍ، عهدي مُواتيةٍ
عَنِّي مُحاميةٍ، تجفو وتنسانــي
هِرْكَوْلَةٍ بَهَرٍ، تختالُ في طُرَر
تشفيك من أُشُر، غَرّاءَ مِفْتانِ
عَلّتْ مآليَهَا، منها عــواليَهَا
تأوِي عَلاليَها، في سَتْرِ أكنان
كحلاء في دَعَج، عيناء في بَرَج
نَجْلاء في زَجَج، تسلو وتقلانـي
شنباء في بَهَج، لَمياء في فَلَج
خدلاء في بَلَج، أدنـو وتنآنِي
غيداء في رَبَل، لفّاء في رَتَل
هيفاء في ثقل، في النوم تغشاني
لعساء في خَصَر، قنواء في صِغَر
كالرِيْم في بَقَر، من وحش عدنان
جيداء في حَوَر، وسنَى على خَفَر
شمّاء في بَهَر، من خير نسوان
في جيدها سُمُط، من تحتها قُمُط
من فوقها قُرُط، أعلاه شِنفــان
غِلمانها سُخُط، كأنهم شُرُط
أنجالُهم لُقُط، من نسل شيطان
عُلّقتُها حِجَجا، مزوّرةً غَنَجـــا
بالهجر فهي شجاً، لي بين أقراني
تُلْهِي مُسامِرَها، تُذكي مَجامرَها
تغدو غدائرها، بالمسك والبـان
تكسو مَجاسدَها، منها قلائدَها
تُعْبِي عتائدَها، معشوق أدهان
صُفر ترائبُها، زُجّ حواجبها
سود ذوائبها، كالحالك القاني
بِيض مَحاجرُها، فَعْم نواشرها
يشْفَى مُباشرُها، منها بعصيان
زهراءَ خَرعبةٍ، رُودٍ مبطَّنةٍ
للعينِ مُعْجِبة، تَنْفِي لأحزاني
خَوْدٌ مهذَّبةٍ، في الخدر مُخْصِبةٍ
عَنِّي محجَّبةٍ، عمداً لخِــذلانِ
راحت مبتَّلةً، عيطاءَ عَيطلةً
كالرِيم هَيكلةً، في زُهْر كَتَّان
للوُدِّ مازجةٌ، للخِدر والجةٌ
ليست بخارجة، تهفو ببُهتان
وفتيةٍ نُجُب، من معشر غُلُب
في منتهى نسب، تَنْمِي لغَسّان
أكابرٍ رُجُحٍ، أخايــرٍ سُمُحٍ
أكارم نُجُح، من نسل قحطان
راحوا على عَجَل، في مَوكِبٍ حَفل
في غير ما عِلَل، في خير إبّــان
في مَهْمه قصدوا، حتّى إذا وردوا
والناس قد هجدوا، والليل لونان
قمراؤه يَقَق، في لونــه بَلَق
قد حَفَّهُ غَسَق، في غير تِبيان
أضحوا وقد قطعوا، بِيداً لها لُمَعٌ
فيها الطلا رُتُع، أطلاء ظِلمـان
حلّوا بذي طَرَب، يسمو إلى حسب
في باذخ أشِب، أُخْتٍ لإخـــوان
في قصرها غُرَف، من تحتها سُقُفٌ
من فوقها شُرَف، زينت بإيـــوان
قد حفّه كُثُب، من حوله قضُبُ
مكنونة شَطب، حُفّت ببُستـان
خِلالَه نَهَرٌ، وبينه شجــر
يزينه ثَمَرٌ، من زَهْر قِنوان
أغصانها نُضُر، أوراقها خُضُر
أنهارُها غُزُر، من ضرب شَفّان
زُهر منابتها، دامت غضارتها
بُحٌّ فواختها، من طول تَرْنان
صرّت جنادبُها، عاشت عَناظبُها
تعوِي ثعالبها، من حَول عِيـدان
تلهو بدُرّاجها، عن صوت صَنّاجها
أو طِيبِ بَهراجها، أو نَوْحِ وِرْشان
أو صوت قمريّة، تدعو بصُفريّة
تبكي لكُدريّة، من فوق أغصـان
مُكَّاؤها غَرِد، في روضة فرِد
من طِيبها صَرِد، حلاّه طَوْقان
عصفورها طَرب، في لونه خَطَب
في صوته صَخَب، يبكي لِصردان
أو باشَقٌ كَلِبٌ، للطير منتهِب
قد عاقه تَعَب، من جمع غِربان
تُفّاحُها هَدِل، أُتْرُجّها خَضِل
عنقودها زَجِل، حُفّت برُمّان
بيضاء في حمرة، حمراء في صُفرة
صفراء في خضرة، من بين ألوان
جاءوا على مَهَل، من غير ما عِلَل
يمشون في حُلَل، من وشي صَنْعان
شُمّ مراعفهم، جُمّ مَلاحفُهم
قامت وصائفهم، أمثال غِلمان
دُرْم مرافقها، بُقع مناطقها
قُرّ قراطقها، زينت بتيجان
يسعَيْن في لَطَف، يَرْعُدن من عُنُف
كالراح في صُحُف، أشباه غِزلان
صهباءَ صافيةٍ، صفراء فاقعة
للمرء رافعة، من عصر دِهقان
تشفِي بشربتها، من طيب فرحتها
تحكي بنكهتها، تُفّاحَ لُبْنـــان
والمسك إن مُزجت، والسُكّ إن فُتقت
والوبل إن بُزلت، صِرفاً لرَشفــان
في الدَنّ قد عَتُقت، حولين فامتنعت
تحكي إذا صُفقت، إكليلَ مَرْجان
تجول في طوقها، كالدُرّ من فوقها
تكفيك من ذوقها، من غير إدمان
يَعْمَلْن مُعْملةً، زُهْراً مفدَّمةً
صُفراً مقوَّمة، من تِبْر عقيان
كأنها بُقُع، من أطيُر وُقُــع
لاحت لها سُفُع، أصغت بآذان
في ريشها طَرَق، ألوانها زُرُقٌ
أذنابها بُلُق، من طير جُلجـان
حُمر قوائمها، صُفر خراطمها
بيض حلاقمها، ريعت بنيران
أقعت على فَرَق، في صحصح أَنِق
يَنْظُرن في حَدَق، من خوف عِقبان
وعندهم قَينة، في شدْوها غُنّة
ليست بها ضِنّة، من قَرْع حَنّان
نَفْج روادفها، عَذب مَراشفها
دُكن مَطارفُها، من خَزّ نَجْران
يُلْهيك مَطْرَبُها، يُسليك مَضْرِبُها
يُنسيك مَلْعبُها، أقوالَ فتيــان
تحكي بتهجاسها، تقطيعُ أنفاسها
باتت على رأسها، إكليلُ مَرجان
في صوتها صَلَق، في عُودها نَزَق
أوتارُها نُطُق، تَلْفِظه كَفّــــان
حتّى إذا ثَمِلوا، من طُول ما نَهِلوا
قالوا وما عقلوا، تِمثالَ وَسْنــان
قَتْلَى وما قُتلوا، جَهْلى وما جهِلوا
سَكْرَى وما انتقلوا، من حكم لقمان
ماتوا وما قُبروا، عاشوا وما نُشروا
قاموا وما حُشروا، من تحت رَيْحان
دارت قواقرُهم، لانت مُغامزُهم
طابت غرائزهم، من خير أخدان
حنّت مزامرهم، طابت مَسامرهُم
عالت عناصرهم، من قصر غُمدان
قالوا لَدَى طرب بالقول لا كَذِبٍ
الحمد لله شكراً كُلَّ أرمـــان
من أجمل ما قرأت لشاعر عباسي.
عُوْجاً على طَلَلٍ بالقُفْصِ خُلاّني
أقوى فَقُطَانه أرآلُ هِيقـــانِ
كالدَيْبُليّات أو إجْل قَراهبــة
من بين أحمر يرعاها وثِيرانِ
وغَيّرَتْ آيه ريحٌ شآميــةٌ
ووَبْلُ مُثْعَنْجِرٍ بالسيل مِرْنانِ
أجشّ مُغْلَنْطِقٌ مُغْدَوْدِقٌ غَـدِقٌ
مُهْرَوْرِقٌ وَدِقٌ مُسْحَنْفِـرٌ دانِ
أضحى خلاءً وأمسى أهله شَحَطوا
نواهم حيث أمّوا أرضُ نَجْــرانِ
أرضاً نأت ونأى للحيّ قاطِنُها
إذْ حَلّ أرضاً بها أبناءُ ذُبْيَانِ
يا صاحِبَيَّ أَلِمّا ساعةً وقِفـــا
في دارِ أخت بني ذُهل بن شيبان
وما وقوف امرئ هاجت صبابتَه
سُفْعُ المَلاطم من تلويحِ نيـرانِ
ومُفْرَدٌٍ تركتْ أيدي الإماء به
غدائرَ الشعر شُعْثاً غيرَ إدهان
عليه مثل وِشاح الخَوْدِ قد نحلا
من طول عهدهم بالحيّ رِبْقَانِ
فالدار مُوحشةٌ ما إن بعَرْصتها
إلاّ النعامُ وإلاّ بُقْعُ غِربـــان
يَحْجُلْن في عَطَن قد كنتُ أعهده
قبل الحلول به للعين مَـــلآن
كأنما هي رَأْيَ العينِ عن قُذُفٍ
أصاغِرٌ من بني نُوْب وحُبْشان
دارٌ لجاريةٍ، حوراءَ لاهيـــةٍ
كالشمس ضاحية، في حُسن جِنّان
بالوصل راضيةٍ، عهدي مُواتيةٍ
عَنِّي مُحاميةٍ، تجفو وتنسانــي
هِرْكَوْلَةٍ بَهَرٍ، تختالُ في طُرَر
تشفيك من أُشُر، غَرّاءَ مِفْتانِ
عَلّتْ مآليَهَا، منها عــواليَهَا
تأوِي عَلاليَها، في سَتْرِ أكنان
كحلاء في دَعَج، عيناء في بَرَج
نَجْلاء في زَجَج، تسلو وتقلانـي
شنباء في بَهَج، لَمياء في فَلَج
خدلاء في بَلَج، أدنـو وتنآنِي
غيداء في رَبَل، لفّاء في رَتَل
هيفاء في ثقل، في النوم تغشاني
لعساء في خَصَر، قنواء في صِغَر
كالرِيْم في بَقَر، من وحش عدنان
جيداء في حَوَر، وسنَى على خَفَر
شمّاء في بَهَر، من خير نسوان
في جيدها سُمُط، من تحتها قُمُط
من فوقها قُرُط، أعلاه شِنفــان
غِلمانها سُخُط، كأنهم شُرُط
أنجالُهم لُقُط، من نسل شيطان
عُلّقتُها حِجَجا، مزوّرةً غَنَجـــا
بالهجر فهي شجاً، لي بين أقراني
تُلْهِي مُسامِرَها، تُذكي مَجامرَها
تغدو غدائرها، بالمسك والبـان
تكسو مَجاسدَها، منها قلائدَها
تُعْبِي عتائدَها، معشوق أدهان
صُفر ترائبُها، زُجّ حواجبها
سود ذوائبها، كالحالك القاني
بِيض مَحاجرُها، فَعْم نواشرها
يشْفَى مُباشرُها، منها بعصيان
زهراءَ خَرعبةٍ، رُودٍ مبطَّنةٍ
للعينِ مُعْجِبة، تَنْفِي لأحزاني
خَوْدٌ مهذَّبةٍ، في الخدر مُخْصِبةٍ
عَنِّي محجَّبةٍ، عمداً لخِــذلانِ
راحت مبتَّلةً، عيطاءَ عَيطلةً
كالرِيم هَيكلةً، في زُهْر كَتَّان
للوُدِّ مازجةٌ، للخِدر والجةٌ
ليست بخارجة، تهفو ببُهتان
وفتيةٍ نُجُب، من معشر غُلُب
في منتهى نسب، تَنْمِي لغَسّان
أكابرٍ رُجُحٍ، أخايــرٍ سُمُحٍ
أكارم نُجُح، من نسل قحطان
راحوا على عَجَل، في مَوكِبٍ حَفل
في غير ما عِلَل، في خير إبّــان
في مَهْمه قصدوا، حتّى إذا وردوا
والناس قد هجدوا، والليل لونان
قمراؤه يَقَق، في لونــه بَلَق
قد حَفَّهُ غَسَق، في غير تِبيان
أضحوا وقد قطعوا، بِيداً لها لُمَعٌ
فيها الطلا رُتُع، أطلاء ظِلمـان
حلّوا بذي طَرَب، يسمو إلى حسب
في باذخ أشِب، أُخْتٍ لإخـــوان
في قصرها غُرَف، من تحتها سُقُفٌ
من فوقها شُرَف، زينت بإيـــوان
قد حفّه كُثُب، من حوله قضُبُ
مكنونة شَطب، حُفّت ببُستـان
خِلالَه نَهَرٌ، وبينه شجــر
يزينه ثَمَرٌ، من زَهْر قِنوان
أغصانها نُضُر، أوراقها خُضُر
أنهارُها غُزُر، من ضرب شَفّان
زُهر منابتها، دامت غضارتها
بُحٌّ فواختها، من طول تَرْنان
صرّت جنادبُها، عاشت عَناظبُها
تعوِي ثعالبها، من حَول عِيـدان
تلهو بدُرّاجها، عن صوت صَنّاجها
أو طِيبِ بَهراجها، أو نَوْحِ وِرْشان
أو صوت قمريّة، تدعو بصُفريّة
تبكي لكُدريّة، من فوق أغصـان
مُكَّاؤها غَرِد، في روضة فرِد
من طِيبها صَرِد، حلاّه طَوْقان
عصفورها طَرب، في لونه خَطَب
في صوته صَخَب، يبكي لِصردان
أو باشَقٌ كَلِبٌ، للطير منتهِب
قد عاقه تَعَب، من جمع غِربان
تُفّاحُها هَدِل، أُتْرُجّها خَضِل
عنقودها زَجِل، حُفّت برُمّان
بيضاء في حمرة، حمراء في صُفرة
صفراء في خضرة، من بين ألوان
جاءوا على مَهَل، من غير ما عِلَل
يمشون في حُلَل، من وشي صَنْعان
شُمّ مراعفهم، جُمّ مَلاحفُهم
قامت وصائفهم، أمثال غِلمان
دُرْم مرافقها، بُقع مناطقها
قُرّ قراطقها، زينت بتيجان
يسعَيْن في لَطَف، يَرْعُدن من عُنُف
كالراح في صُحُف، أشباه غِزلان
صهباءَ صافيةٍ، صفراء فاقعة
للمرء رافعة، من عصر دِهقان
تشفِي بشربتها، من طيب فرحتها
تحكي بنكهتها، تُفّاحَ لُبْنـــان
والمسك إن مُزجت، والسُكّ إن فُتقت
والوبل إن بُزلت، صِرفاً لرَشفــان
في الدَنّ قد عَتُقت، حولين فامتنعت
تحكي إذا صُفقت، إكليلَ مَرْجان
تجول في طوقها، كالدُرّ من فوقها
تكفيك من ذوقها، من غير إدمان
يَعْمَلْن مُعْملةً، زُهْراً مفدَّمةً
صُفراً مقوَّمة، من تِبْر عقيان
كأنها بُقُع، من أطيُر وُقُــع
لاحت لها سُفُع، أصغت بآذان
في ريشها طَرَق، ألوانها زُرُقٌ
أذنابها بُلُق، من طير جُلجـان
حُمر قوائمها، صُفر خراطمها
بيض حلاقمها، ريعت بنيران
أقعت على فَرَق، في صحصح أَنِق
يَنْظُرن في حَدَق، من خوف عِقبان
وعندهم قَينة، في شدْوها غُنّة
ليست بها ضِنّة، من قَرْع حَنّان
نَفْج روادفها، عَذب مَراشفها
دُكن مَطارفُها، من خَزّ نَجْران
يُلْهيك مَطْرَبُها، يُسليك مَضْرِبُها
يُنسيك مَلْعبُها، أقوالَ فتيــان
تحكي بتهجاسها، تقطيعُ أنفاسها
باتت على رأسها، إكليلُ مَرجان
في صوتها صَلَق، في عُودها نَزَق
أوتارُها نُطُق، تَلْفِظه كَفّــــان
حتّى إذا ثَمِلوا، من طُول ما نَهِلوا
قالوا وما عقلوا، تِمثالَ وَسْنــان
قَتْلَى وما قُتلوا، جَهْلى وما جهِلوا
سَكْرَى وما انتقلوا، من حكم لقمان
ماتوا وما قُبروا، عاشوا وما نُشروا
قاموا وما حُشروا، من تحت رَيْحان
دارت قواقرُهم، لانت مُغامزُهم
طابت غرائزهم، من خير أخدان
حنّت مزامرهم، طابت مَسامرهُم
عالت عناصرهم، من قصر غُمدان
قالوا لَدَى طرب بالقول لا كَذِبٍ
الحمد لله شكراً كُلَّ أرمـــان
من أجمل ما قرأت لشاعر عباسي.
الاثنين، يونيو 07، 2010
تبا لحكومة تقتل رعاياها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
تباً لحكومة .... تباً لها ؟؟ وهي تقتل وتسحل رعاياها. ؟
وأية أمانة يحملها الحاكم الذي تمتد يده
لذبح رعاياه من الوريد إلى الوريد ؟؟
مخيفة وجوهكم المخبأة خلف تلك الأقنعة السوداء !! ألا تخجلون من
رفع رايات النصر على أشلاء مواطنكم ؟؟؟ يا له من نصر بائس !!
تصلّون بعد "تحرير" بعض (الحواكير )التابعة لرعايكم ؟؟ يا له من
تحرير رخيص ؟؟ ترى هذه هي المهمات الجليلة التي أوكلت لكم
لإنجازها ؟؟ وهذا هو العهد الذي أقسمتم على الوفاء به لشعبكم وأمتكم؟؟
أية رايات هذه التي ترفعونها فوق دماء مواطنيكم ؟؟ أية صلوات هذه
التي تؤدونها على أشلاء رعايكم ؟ أهي رايات للنصر ترفعونها على
وقع صراخ الأطفال وعويل الثكالى اللائي ربين أبناءهن ليموتوا
في سبيل السودان الوطن وليس ضحايا للحقد الأعمى والتعصب وشهوة السلطة ؟؟
وبعد : أوتعتقدون أن رب البرية يقبل صلواتكم أيها المنافقون ؟؟
فرُب صلاة أفسدت صلوات كما قيل !!
تمثل حكومتكم حقبة سوداء كالحة ــ كما وجوهكم ــ حقبة مظلمة
في تاريخ السودان !! السودان الذي ذاق الهوان مرتين؟؟؟
مرة تحت وطأة مستعمر .. لا يقيم حرمة لشيء ..ورغم انه
يغتال البشر والشجر والحجر !! لكنه ارحم منكم؟؟؟
ومرة بأبناء عاقين لم يولدوا من رحم طهارته وأصالته ؟؟
بل ولدوا من رحم غياهب العصور السوداء السالفة المظلمة ؟؟
ومن لوثة خلق قابيل ؟؟ إنها نكبات الحكومات العسكرية الأشد خطراً
وفتكاً وسواداً في تاريخ السودان ؟؟
فقفوا نزواتكم أيها الآثمون. ولا مكان إلا للسالكين السبل التي
تؤدي إلى الحرية والعدالة و المساواة ..!
اللهم احفظ السودان وشعب دارفورمن الرصاص الأعمى ...
والحقد الأعمى يا رب العالمين !!
وأية أمانة يحملها الحاكم الذي تمتد يده
لذبح رعاياه من الوريد إلى الوريد ؟؟
مخيفة وجوهكم المخبأة خلف تلك الأقنعة السوداء !! ألا تخجلون من
رفع رايات النصر على أشلاء مواطنكم ؟؟؟ يا له من نصر بائس !!
تصلّون بعد "تحرير" بعض (الحواكير )التابعة لرعايكم ؟؟ يا له من
تحرير رخيص ؟؟ ترى هذه هي المهمات الجليلة التي أوكلت لكم
لإنجازها ؟؟ وهذا هو العهد الذي أقسمتم على الوفاء به لشعبكم وأمتكم؟؟
أية رايات هذه التي ترفعونها فوق دماء مواطنيكم ؟؟ أية صلوات هذه
التي تؤدونها على أشلاء رعايكم ؟ أهي رايات للنصر ترفعونها على
وقع صراخ الأطفال وعويل الثكالى اللائي ربين أبناءهن ليموتوا
في سبيل السودان الوطن وليس ضحايا للحقد الأعمى والتعصب وشهوة السلطة ؟؟
وبعد : أوتعتقدون أن رب البرية يقبل صلواتكم أيها المنافقون ؟؟
فرُب صلاة أفسدت صلوات كما قيل !!
تمثل حكومتكم حقبة سوداء كالحة ــ كما وجوهكم ــ حقبة مظلمة
في تاريخ السودان !! السودان الذي ذاق الهوان مرتين؟؟؟
مرة تحت وطأة مستعمر .. لا يقيم حرمة لشيء ..ورغم انه
يغتال البشر والشجر والحجر !! لكنه ارحم منكم؟؟؟
ومرة بأبناء عاقين لم يولدوا من رحم طهارته وأصالته ؟؟
بل ولدوا من رحم غياهب العصور السوداء السالفة المظلمة ؟؟
ومن لوثة خلق قابيل ؟؟ إنها نكبات الحكومات العسكرية الأشد خطراً
وفتكاً وسواداً في تاريخ السودان ؟؟
فقفوا نزواتكم أيها الآثمون. ولا مكان إلا للسالكين السبل التي
تؤدي إلى الحرية والعدالة و المساواة ..!
اللهم احفظ السودان وشعب دارفورمن الرصاص الأعمى ...
والحقد الأعمى يا رب العالمين !!
الأربعاء، يونيو 02، 2010
سرديات (1)
ذكرياتي في (النمره)
..........................
هي بيوت يتم انشاءها من سيقان الذرة (القصب)وهي تكون دائما في الحواشة ويسكنها العمال الموسمين الذين يعملون في جني القطن (اللقيط) ولذلك يطلق عليهم اهل الجزيرة عدة اسماء (اللقاط) (اهل الخلاء) لانهم يسكنون فيه ،(وناس النمره) والمقصود بها نمرة الحواشة و(النزال)بضم النون وفتح الزاي لانهم ينزلون بها بمجرد وصولهم ،وهي كلها اسماء ذات مدلول واحدة ،وفي الأغلب تكون هذه البيوت واسعة وتحتوي مقدمتها على اشكال تشبه الحيوانات او زخارف بأشكال مختلفة. و تقسم إلى قسمين أحدهما لاستقبال الضيوف وآخر لسكن الاسرة، وبينهما حاجز قصبي لستر الاسرة. و بيوت النمرة اساسها البساطة،وهذه البيوت وانت تمر بها نهارا لاصخب فيها وان كان بها كثير من النصب والمعاناة ،لانها لاتحمي من برد الشتاء ولامن امطار الخريف ،ورغم ذلك تجد اهلها في اريحيه دائمةليلا وهم يضحكون ويقهقهون وربما تلازمك اسئلة حائره،الناس ديل البضحكم شنو؟؟؟وبضحكوا لشنو؟؟؟وفي شنو بيوت كلها كم كوليقة قصب وصمت الحواشات المطبق الذي يجتاح أي خيال يجتهد في صنع الفرحة هنا ويغمره بالملل ، وسطوة الضحوة.. والضهرية .. ولقيط القطن .. وسربة انصاص الليالى فانها تترك ماتبقى من مساحة (للتعب ) ليتحكر فى ضهر الترعة ، وضحكة اهل النمره بتطلع من جوووه .. وقمر سبعتين يزيدها حضور وحلاوة واحلى حاجة انو هى ضحكة صافية كذا الحليب ....ولكي تشاركهم تلك الفرحة والضحكة لاتحتاج سوي سرج مريح يجعلك تسابق بساط الريح وان تحمل معك صرة من بن وشاي لتجد الفرح متاح للجميع في هذة البيوتات ، مازالت ذاكرتي تختزن ذكريات اول مره التقي باهل النمره عندما امرني ابي ان أحمل جوالات القطن الممركات (وهي التي يكتب عليها اسم المزارع ونمره الحواشة غالبا حتي يتم ملاها بالقطن بعد جنيه)،وان انظر لهولاء الناس ولهذه البيوت المصنوعه من سقان القصب بدهشة واستتغراب وتخيل كيف انهم يقضون يومهم في هذه (الصقيعة الواسعة )والمخيفة حد الجنون بالنسبة لي ، وقد قطعت حبل خيالي اغاني(حاجة اسيا) ،التي مازلت اتذكرها بصوتها العذبة وهي تسرِّح شعر بنتها. أغاني تحمل معاني الحصاد والنماء وأغاني عن الطير وفتيات الحقول.. أغاني تزيح كدر وسكون ( النمره )في ساعات النهار.. وانا انظر للبنت تزكرت دروس التاريخ والفراعنه الذين يهبون النهر اجمل فتياتهم بطقوس مثيرة ليكف عن كوارثهم ، نهضت نحو شنطة بالية في ركن قصي واختارت فستان اصفر أجمل فساتينها ،ارتدته بهدوء ،لفت عنقها بطرحه خضراء،ودائما يكونون اهل النمره جميعهم في هذا اليوم في كامل اناقتهم المتواضعه ،لانه يوم صرف القروش من المزارعين ،ويسمي يوم (العبار) بكسر العين وفتح الباء،وهذا اليوم ياتي بعد ايام من العمل الشاق في جني القطن والكل يترقب ما تسفر عنه نتيجة ماجناه ،والميزان الذي يستخدم فيه عبارة عن ميزان حديدي به نمر باللغة الانجليزية (اصغر وحده فيه تبدا من واحد رطل ) فكل ماشبكته في القطن الذي يربط بالشوال غالبا وانت ترفعه الي اعلي تبدو نمره واضحة للقراءه ،فال(36 رطل ) تسمي قفة وهكذا .... ويكاد صوت امها خارج بيت القصب وهي تنادينا يتحول الي جلبة خفيفة مع حفيف سقان الذرة المكونة للبيت؟؟؟ يااولاد امرقوا علي الحواشة؟؟؟؟ا النسوان مشن قدمنا ؟؟؟؟عشان نعبر بالضوء...
وبدءت تحكي لي عن والدها ،وعن وعدوه لها بانها سوف ياخذها المدرسة عندما تكبر وهاهي اليوم تبلغ مبلغ النساء ولم تري حتي مجرد رؤية مدرسه ..فكانت لاتريد له الموت ،اشفقت علي قلبها ان يتفطر لذكرها له ،فحاولت مقاطعتها وتحويل الموضوع ،تسريحة شعرك جميلة هكذا قلتها وانا انظر لعينيها التي تترقق بالدمع من ذكريتها المؤلمة ،اسمها السودان قفل ؟؟؟قالت ذلك وهي مازالت في حاله حزن واسئ ، واخذت انظر الي حقول القطن التي لا تبعد الا قليلا،وانا ممسك بالميزان لبداية العبار وهي تبتسم في قلق وتنظر لي احسست عندها ببراءتها تسري تحت جلدي ؟؟؟قطني دا بجيب كم عليك الله؟؟؟؟وقبل ان اجيبها ،وهي مازالت تنفش في قطنها لتنظفه من بقايا عيدان القطن اليابسه ،بداءت بالاوخريات ؟؟؟ دا قفة ياحاجة وعليك الله اولدي شوف لي المربوط دا بجيب كم ؟؟؟دا ياخالة (قفتين الا) قولي قفتين ،الله يبارك فيك اولدي؟؟؟وفجاة صرخة تشق سكون الخلاء ، عضتني عقرب ...عقرب ,,,هنا هنا ...وين وين ...؟؟؟ وانا علي ضفاف الفاجعه والدهشة تتملكني وارمي بالميزان و بالكراس والقلم اللذان اعطاني لهما ابي لكي اسجل بهما قفاف القطن ونسوان اللقيط...
كنت قاعده فوق القطن المربوط دا ؟؟؟ ويبدو ان العقرب اللعينة لم تجد غير هذه الدرة كي تفرق فيها كامل سموممها؟؟؟؟احسست برعشه تسري في اوصالي وانا احملها بقوة مذعورا ؟؟؟فتحت عينيها بهدوء وبصوت خافت قالت ؟؟؟.....عليك الله وديني الفريق ؟؟؟لفكي موسي ...عشان اقلبا لي ...وهناك امرني فكي موسي بالخروج ؟؟؟ وتمددت هي علي العنقريب ،احسست ببرودة الجسد؟؟؟وانا احني ظهري للخروج من باب القصب الذي يكاد يلامس الواطه ؟؟؟ والشيخ يسال وهي في ابراج موتها العالي ،تهمهم ،،هنا ؟؟؟ يبدو هذه العقرب من العهر بمكان ؟؟؟فلم تجد غير هذا الموضع الحساس ؟؟؟؟ وانا انظر من خلال فرجة القصب (الرقراق) واقتصد في تنفسي حتي اسمع صوت فكي موسي وهي يتلوا بصوت خافت ؟؟؟
، واخيرا قررت الدخول فلم اجد سواء جسدها البارد الممدد علي السرير.....
..........................
هي بيوت يتم انشاءها من سيقان الذرة (القصب)وهي تكون دائما في الحواشة ويسكنها العمال الموسمين الذين يعملون في جني القطن (اللقيط) ولذلك يطلق عليهم اهل الجزيرة عدة اسماء (اللقاط) (اهل الخلاء) لانهم يسكنون فيه ،(وناس النمره) والمقصود بها نمرة الحواشة و(النزال)بضم النون وفتح الزاي لانهم ينزلون بها بمجرد وصولهم ،وهي كلها اسماء ذات مدلول واحدة ،وفي الأغلب تكون هذه البيوت واسعة وتحتوي مقدمتها على اشكال تشبه الحيوانات او زخارف بأشكال مختلفة. و تقسم إلى قسمين أحدهما لاستقبال الضيوف وآخر لسكن الاسرة، وبينهما حاجز قصبي لستر الاسرة. و بيوت النمرة اساسها البساطة،وهذه البيوت وانت تمر بها نهارا لاصخب فيها وان كان بها كثير من النصب والمعاناة ،لانها لاتحمي من برد الشتاء ولامن امطار الخريف ،ورغم ذلك تجد اهلها في اريحيه دائمةليلا وهم يضحكون ويقهقهون وربما تلازمك اسئلة حائره،الناس ديل البضحكم شنو؟؟؟وبضحكوا لشنو؟؟؟وفي شنو بيوت كلها كم كوليقة قصب وصمت الحواشات المطبق الذي يجتاح أي خيال يجتهد في صنع الفرحة هنا ويغمره بالملل ، وسطوة الضحوة.. والضهرية .. ولقيط القطن .. وسربة انصاص الليالى فانها تترك ماتبقى من مساحة (للتعب ) ليتحكر فى ضهر الترعة ، وضحكة اهل النمره بتطلع من جوووه .. وقمر سبعتين يزيدها حضور وحلاوة واحلى حاجة انو هى ضحكة صافية كذا الحليب ....ولكي تشاركهم تلك الفرحة والضحكة لاتحتاج سوي سرج مريح يجعلك تسابق بساط الريح وان تحمل معك صرة من بن وشاي لتجد الفرح متاح للجميع في هذة البيوتات ، مازالت ذاكرتي تختزن ذكريات اول مره التقي باهل النمره عندما امرني ابي ان أحمل جوالات القطن الممركات (وهي التي يكتب عليها اسم المزارع ونمره الحواشة غالبا حتي يتم ملاها بالقطن بعد جنيه)،وان انظر لهولاء الناس ولهذه البيوت المصنوعه من سقان القصب بدهشة واستتغراب وتخيل كيف انهم يقضون يومهم في هذه (الصقيعة الواسعة )والمخيفة حد الجنون بالنسبة لي ، وقد قطعت حبل خيالي اغاني(حاجة اسيا) ،التي مازلت اتذكرها بصوتها العذبة وهي تسرِّح شعر بنتها. أغاني تحمل معاني الحصاد والنماء وأغاني عن الطير وفتيات الحقول.. أغاني تزيح كدر وسكون ( النمره )في ساعات النهار.. وانا انظر للبنت تزكرت دروس التاريخ والفراعنه الذين يهبون النهر اجمل فتياتهم بطقوس مثيرة ليكف عن كوارثهم ، نهضت نحو شنطة بالية في ركن قصي واختارت فستان اصفر أجمل فساتينها ،ارتدته بهدوء ،لفت عنقها بطرحه خضراء،ودائما يكونون اهل النمره جميعهم في هذا اليوم في كامل اناقتهم المتواضعه ،لانه يوم صرف القروش من المزارعين ،ويسمي يوم (العبار) بكسر العين وفتح الباء،وهذا اليوم ياتي بعد ايام من العمل الشاق في جني القطن والكل يترقب ما تسفر عنه نتيجة ماجناه ،والميزان الذي يستخدم فيه عبارة عن ميزان حديدي به نمر باللغة الانجليزية (اصغر وحده فيه تبدا من واحد رطل ) فكل ماشبكته في القطن الذي يربط بالشوال غالبا وانت ترفعه الي اعلي تبدو نمره واضحة للقراءه ،فال(36 رطل ) تسمي قفة وهكذا .... ويكاد صوت امها خارج بيت القصب وهي تنادينا يتحول الي جلبة خفيفة مع حفيف سقان الذرة المكونة للبيت؟؟؟ يااولاد امرقوا علي الحواشة؟؟؟؟ا النسوان مشن قدمنا ؟؟؟؟عشان نعبر بالضوء...
وبدءت تحكي لي عن والدها ،وعن وعدوه لها بانها سوف ياخذها المدرسة عندما تكبر وهاهي اليوم تبلغ مبلغ النساء ولم تري حتي مجرد رؤية مدرسه ..فكانت لاتريد له الموت ،اشفقت علي قلبها ان يتفطر لذكرها له ،فحاولت مقاطعتها وتحويل الموضوع ،تسريحة شعرك جميلة هكذا قلتها وانا انظر لعينيها التي تترقق بالدمع من ذكريتها المؤلمة ،اسمها السودان قفل ؟؟؟قالت ذلك وهي مازالت في حاله حزن واسئ ، واخذت انظر الي حقول القطن التي لا تبعد الا قليلا،وانا ممسك بالميزان لبداية العبار وهي تبتسم في قلق وتنظر لي احسست عندها ببراءتها تسري تحت جلدي ؟؟؟قطني دا بجيب كم عليك الله؟؟؟؟وقبل ان اجيبها ،وهي مازالت تنفش في قطنها لتنظفه من بقايا عيدان القطن اليابسه ،بداءت بالاوخريات ؟؟؟ دا قفة ياحاجة وعليك الله اولدي شوف لي المربوط دا بجيب كم ؟؟؟دا ياخالة (قفتين الا) قولي قفتين ،الله يبارك فيك اولدي؟؟؟وفجاة صرخة تشق سكون الخلاء ، عضتني عقرب ...عقرب ,,,هنا هنا ...وين وين ...؟؟؟ وانا علي ضفاف الفاجعه والدهشة تتملكني وارمي بالميزان و بالكراس والقلم اللذان اعطاني لهما ابي لكي اسجل بهما قفاف القطن ونسوان اللقيط...
كنت قاعده فوق القطن المربوط دا ؟؟؟ ويبدو ان العقرب اللعينة لم تجد غير هذه الدرة كي تفرق فيها كامل سموممها؟؟؟؟احسست برعشه تسري في اوصالي وانا احملها بقوة مذعورا ؟؟؟فتحت عينيها بهدوء وبصوت خافت قالت ؟؟؟.....عليك الله وديني الفريق ؟؟؟لفكي موسي ...عشان اقلبا لي ...وهناك امرني فكي موسي بالخروج ؟؟؟ وتمددت هي علي العنقريب ،احسست ببرودة الجسد؟؟؟وانا احني ظهري للخروج من باب القصب الذي يكاد يلامس الواطه ؟؟؟ والشيخ يسال وهي في ابراج موتها العالي ،تهمهم ،،هنا ؟؟؟ يبدو هذه العقرب من العهر بمكان ؟؟؟فلم تجد غير هذا الموضع الحساس ؟؟؟؟ وانا انظر من خلال فرجة القصب (الرقراق) واقتصد في تنفسي حتي اسمع صوت فكي موسي وهي يتلوا بصوت خافت ؟؟؟
، واخيرا قررت الدخول فلم اجد سواء جسدها البارد الممدد علي السرير.....
الثلاثاء، يونيو 01، 2010
الكنابي ....بيوت الصفيح في الجزيرة.......
كمبو طويل .....بشري الفاضل
توجد في عمق الجزيرة، حيث القرى متناثرة بلا حصر عدد النجوم في السماء، (دارفور أخرى!) يعيش سكانها الوافدون لمناطق الانتاج هنا في (كنابي). و(الكنابي) جمع كمبو. وهي مساكن لا تحترم كرامة الإنسان حلت مكان الأشجار التي قطعها سكان الجزيرة عن آخرها طلباً للوقود في فترة ما قبل الغاز، وطلباً للمال في فترة انقطاع موارد الزراعة.
(كمبو طويل) هو أحد هذه (الكنابي). وقد خبره أهلي بمنطقتهم وسط الجزيرة. وهو شريط طويل يمر فوق ظهر الترعة، وأنت خارج من قنطرة ود البر إلى ما بعد قرية زنقاحة. شريط طويل من القطاطي تمسك برقاب بعضها البعض. فإذا خرج طفل من قطية أهله، في غفلة منهم، فمصيره الغرق! ولك أن تقارن غرقه بغرق طفل من سكان البيوت الفاخرة في القليل من المدن السودانية، فيبدو الحال، بجامع الغرق هنا مع الفارق طبعاً، كما لو أن حوض السباحة، في مثل تلك القصور، مقام قبالة الغرف مباشرة، لكن بدون سياج، فيخرج الطفل إلى حتفه. (تخيلت ذلك لكن أخي قال لي إن طفلاً من كمبو طويل قد غرق في الترعةبالفعل قبل سنوات ووجدوا جثه محبوسة قرب الكبري القريب)
هذه القطاطي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. دعك من الشفخانة أو نقطة الغيار، فهذه شطحة لن يغفرها لي سكان القرى المجاورة لكمبو طويل! لكن لا توجد حتى أماكن لقضاء الحاجة! وكان الإنجليز على أيامهم، عندما كانت قرى الجزيرة كلها عبارة عن قطاطي، ينشئون لكل قرية مرحاضاً جماعياً، لئلا يستعين السكان بالترع مباشرة، فتنتشر البلهارسيا. بل وكانوا يوفدون مفتشاً للصحة يقيم بتلك القرى لتوعية السكان في شئونهم الصحية.
سألت مرافقي، وكنت قد غبت عن الديار لعقد ويزيد، ما اسم هذا المكان؟! فأجابني: كمبو طويل. وهالني أن عدد سكانه يضاهي عدد سكان قرية بكاملها. وثمة شريط آخر أطول، يمتد ما بين قرية تنوب وقرية المريبيعة. وسكان الكمبو من هذا النوع الجديد الذي انتظم كل ترع الجزيرة هم العمال الزراعيون الوافدون، غالباً، من دارفور. ثم صاروا يشاركون المزارعين أصحاب الأرض بالوكالة، فيقومون بالعمليات الزراعية كلها، بصلاً، مثلاً، أو فولاً، ثم يقتسمون معهم المحصول. لكن، بينما قامت (الكنابي الطويلة) على امتداد الترع بالجزيرة، وربما المناقل، نمت مساكن المزارعين، خلال عقود قليلة، من قطاطي القش، لقطاطي القش والطين، فبيوت الجالوص المربعة بدون حيشان، ثم ظهرت الحيشان المسورة بالشوك أولاً، ثم المسورة بالجالوص، ثم الطوب اللبن، إلى أن أخذت البيوت تبنى، مؤخراً، بالطوب الأحمر المحروق، ودخلتها المياه والكهرباء والهواتف. باختصار جرى تحديث مساكن القرى بالتدريج خلال نصف قرن، لكن (كمبو طويل) وإخوانه ظلوا على حالهم منذ إنشائهم.
غير أن هذا التفاوت ليس هو الوحيد هنا. فثمة نوع آخر من (البيوت)، إن جاز التعبير، هش وأسوأ من هذه الكنابي؛ فهل الأسمال البالية التي يقطن تحتها البدو بيوت؟! وهل قطاطي وكرانك القصب وسط الحواشات والجناين بيوت؟! وعموماً، إذا القينا نظرة على كافة الإنشاءات السكنية في السودان، لهالنا هذا التفاوت الهائل بين الذين يملكون المال والخبرة والذين لا يملكون. فالمسألة ليست فقراً فقط، بل فقر ونقصان خبرة ومعرفة أيضاً!
السودان تسكنه قبيلتان فقط، لا عدة قبائل: قبيلة مستقرة ببيوت تلتزم الحد الادنى للكرامة الانسانية، وإن كان معظم أفرادها فقراء، وقبيلة غير مستقرة لا بيوت لها، أو أن بيوتها لا تقيها هجير السودان، وأمطاره، ووحوشه، وأمراضه. هؤلاء الأخيرون هم الذين يجب البدء، عاجلاً، في توطينهم في مساكن تليق بإنسانيتهم، لا الاكتفاء بالتحسر، شعرياً، على بؤسهم! وسينجح الساسة، أيما نجاح، في استقطاب الأغلبيات، إن سعوا لحل مشاكل الذين لا يعرفون كيف يطالبون بتصحيح أوضاعهم البائسة، أي المصابين بالبيات الاجتماعي والسياسي. فالعبرة ليست في الالتفات لمطالب الجماهير فحسب، بل في الالتفات لمن لا حيلة لهم للمطالبة، وانتشال مطالبهم من جوف الطين!
توجد في عمق الجزيرة، حيث القرى متناثرة بلا حصر عدد النجوم في السماء، (دارفور أخرى!) يعيش سكانها الوافدون لمناطق الانتاج هنا في (كنابي). و(الكنابي) جمع كمبو. وهي مساكن لا تحترم كرامة الإنسان حلت مكان الأشجار التي قطعها سكان الجزيرة عن آخرها طلباً للوقود في فترة ما قبل الغاز، وطلباً للمال في فترة انقطاع موارد الزراعة.
(كمبو طويل) هو أحد هذه (الكنابي). وقد خبره أهلي بمنطقتهم وسط الجزيرة. وهو شريط طويل يمر فوق ظهر الترعة، وأنت خارج من قنطرة ود البر إلى ما بعد قرية زنقاحة. شريط طويل من القطاطي تمسك برقاب بعضها البعض. فإذا خرج طفل من قطية أهله، في غفلة منهم، فمصيره الغرق! ولك أن تقارن غرقه بغرق طفل من سكان البيوت الفاخرة في القليل من المدن السودانية، فيبدو الحال، بجامع الغرق هنا مع الفارق طبعاً، كما لو أن حوض السباحة، في مثل تلك القصور، مقام قبالة الغرف مباشرة، لكن بدون سياج، فيخرج الطفل إلى حتفه. (تخيلت ذلك لكن أخي قال لي إن طفلاً من كمبو طويل قد غرق في الترعةبالفعل قبل سنوات ووجدوا جثه محبوسة قرب الكبري القريب)
هذه القطاطي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. دعك من الشفخانة أو نقطة الغيار، فهذه شطحة لن يغفرها لي سكان القرى المجاورة لكمبو طويل! لكن لا توجد حتى أماكن لقضاء الحاجة! وكان الإنجليز على أيامهم، عندما كانت قرى الجزيرة كلها عبارة عن قطاطي، ينشئون لكل قرية مرحاضاً جماعياً، لئلا يستعين السكان بالترع مباشرة، فتنتشر البلهارسيا. بل وكانوا يوفدون مفتشاً للصحة يقيم بتلك القرى لتوعية السكان في شئونهم الصحية.
سألت مرافقي، وكنت قد غبت عن الديار لعقد ويزيد، ما اسم هذا المكان؟! فأجابني: كمبو طويل. وهالني أن عدد سكانه يضاهي عدد سكان قرية بكاملها. وثمة شريط آخر أطول، يمتد ما بين قرية تنوب وقرية المريبيعة. وسكان الكمبو من هذا النوع الجديد الذي انتظم كل ترع الجزيرة هم العمال الزراعيون الوافدون، غالباً، من دارفور. ثم صاروا يشاركون المزارعين أصحاب الأرض بالوكالة، فيقومون بالعمليات الزراعية كلها، بصلاً، مثلاً، أو فولاً، ثم يقتسمون معهم المحصول. لكن، بينما قامت (الكنابي الطويلة) على امتداد الترع بالجزيرة، وربما المناقل، نمت مساكن المزارعين، خلال عقود قليلة، من قطاطي القش، لقطاطي القش والطين، فبيوت الجالوص المربعة بدون حيشان، ثم ظهرت الحيشان المسورة بالشوك أولاً، ثم المسورة بالجالوص، ثم الطوب اللبن، إلى أن أخذت البيوت تبنى، مؤخراً، بالطوب الأحمر المحروق، ودخلتها المياه والكهرباء والهواتف. باختصار جرى تحديث مساكن القرى بالتدريج خلال نصف قرن، لكن (كمبو طويل) وإخوانه ظلوا على حالهم منذ إنشائهم.
غير أن هذا التفاوت ليس هو الوحيد هنا. فثمة نوع آخر من (البيوت)، إن جاز التعبير، هش وأسوأ من هذه الكنابي؛ فهل الأسمال البالية التي يقطن تحتها البدو بيوت؟! وهل قطاطي وكرانك القصب وسط الحواشات والجناين بيوت؟! وعموماً، إذا القينا نظرة على كافة الإنشاءات السكنية في السودان، لهالنا هذا التفاوت الهائل بين الذين يملكون المال والخبرة والذين لا يملكون. فالمسألة ليست فقراً فقط، بل فقر ونقصان خبرة ومعرفة أيضاً!
السودان تسكنه قبيلتان فقط، لا عدة قبائل: قبيلة مستقرة ببيوت تلتزم الحد الادنى للكرامة الانسانية، وإن كان معظم أفرادها فقراء، وقبيلة غير مستقرة لا بيوت لها، أو أن بيوتها لا تقيها هجير السودان، وأمطاره، ووحوشه، وأمراضه. هؤلاء الأخيرون هم الذين يجب البدء، عاجلاً، في توطينهم في مساكن تليق بإنسانيتهم، لا الاكتفاء بالتحسر، شعرياً، على بؤسهم! وسينجح الساسة، أيما نجاح، في استقطاب الأغلبيات، إن سعوا لحل مشاكل الذين لا يعرفون كيف يطالبون بتصحيح أوضاعهم البائسة، أي المصابين بالبيات الاجتماعي والسياسي. فالعبرة ليست في الالتفات لمطالب الجماهير فحسب، بل في الالتفات لمن لا حيلة لهم للمطالبة، وانتشال مطالبهم من جوف الطين!
الأحد، مايو 30، 2010
حكاوي سنوات التيه
الاغتراب... والمغتربون عالم تاني... المغترب يشيل شنطتو ويشرّق... قاصد ديار الزيت... يمشي هناك عشان ياخد لو سنتين تلاتة ويعرس ويشتري بيت وعربية... ويجي راجع يقعد عند اهلو... لكن يلقى نفسو ورط في الغربة... والزمن يجري بهنا وبهناك... مغتربين الخليج... ولقوانين دول القّطرة والعقال... يلقى نفسو لا هو خليجي ولا هو سوداني... يلقى نفسو حاجة كدا ما معروفة شنو... هناك لاهو مواطن عشان يقعد ويتوهّط سمح... وهنا يلقى نفسو مواطن مع وقف التنفيذ... ضايع... بين الاتنين يضيع هو... مغتربين السعودية حاجة تانية... حاجة تجنن الما يجن... خليط من الشعور بالدونية وشعور بالفوقية في وقت واحد... شعور بالدونية للبلاقيهو من الغربة... وبالفوقية لانو كان لما يرجع هنا بيتعامل كانو حاجة تانية وزول فريد في نوعو... يحيط به الناس من كل جانب... واول ما يفلس ويعلّم الله يبدو يسالوهو انت راجع متين؟... عشان يمشي يخم ويجي تاني... هذا المخلوق المغترب في حياته يمر باربع مراحل رئيسية هي المرحلة القردية... ثم المرحلة الحمارية... ثم المرحلة القُرادية... هذا المراحل لها التأثير في تكوينو الوجداني وسلوكو....
المرحلة القردية
تبدأ هذه المرحلة اول ما يبدا المغترب في اجراءات السفر... يبدا يحس انه اصبح جزءا من فصيلة المغتربين... ويتصرف على هذا الاساس... واول ما يقول بسم الله ويخت كراعو في قفص اغترابو... يبدا يحاكي من سبقوهو في الاغتراب... .يبدا يفكر يشتري عربية... ثم ستالايت في اوضتو براهو... ثم المتزوج يفكر يجيب مرتو بهناك ويقعد يجهز في البيت من العفش زي الجماعة القبالو بالضبط... من غرف نوم وعرف جلوس وسراير وموكيت وملايات امريكية وايطالية ولو في ملايات امم متحدة يشتريها زي الكبار والقدرو من المغتربين... ثم يبدأ في التوالد... التوالد هناك يتم في موسم معلوم ومعروف حسب خبرتي يتم اغلبه في فترة الشتاء اما فترة الصيف فهي للاجازات والعُمرة لمن لم يستطيع للاجازة سبيلا حكمة ربنا قعدت في منطقة حضرت فيها موسم توالد في اسبوع واحد كان هناك خمسة ولادات ضكور... والخمسة أي واحد فيهم ابوهو سماهو محمد ودا كان نتيجة تأثير المرحلة القردية... وقد حباني الله بان اتعرف على احد المغتربين في السعودية عندو تلاتة من الابناء يحملون اسم محمد... محمد سادة.. ثم محمد المامون..ثم محمد الامين... واقترحت عليه مساعدة مني في حل ازمة الاسامي ان يسمي الولد الجايي محمد وردي... ولو انزنق والحكاية جرت وورت معاهو يسمي البعدو محمد فرفور... العجيبة انو اسمو هو براهو محمد عثمان... المرحلة القردية مرحلة قصيرة الامد... والغربة والشغل وجهاز المغتربين وضرايبو والكفيل ما بيخلو أي مغترب يستمتع بهذه المرحلة... لهذا نجد ان المخلوق المغترب يدخل في المرحلة الحمارية سريع جدا...
المرحلة الحمارية
تتميز هذه المرحلة بالسكون والهدوء و الطاعة العمياء... وهي اطول مرحلة من مراحل تطور المغترب... ويكون المغترب فيها حمار شغل... البيت الشغل وبالعكس... ويكون عارف من تشرق الشمش هو الليلة حيسوي شنو... وقد استفاد بعض الكفلاء من هذه المرحلة ومميزاتها الحمارية... بان يطلبوا من المخلوق المغترب... ان يشتغل أي حاجة في أي وقت... ويقوم هذا المخلوق بالعمل بهمة عالية ونفس راضية ورضى عنها... كما ان بعض الذكيات من نسوان المغتربين استفادت من هذه المرحلة والطاعة بان كانت تطلب من بعلها كل ما تتمناهو وهو ما بيقول لا... يتمنى المغترب السعودي في هذه المرحلة بان ينادوهو بابي فلان... ابو محمد.. ابو عادل... ابو فاطنة... ابو نفيسة... ابو كديسة... كما وانه تبدو عليه ملامح تقالة الدم... . بدءا من الدقن المشغنفة.. وانتهاء بالنكت البايخة التي لو استمعت لواحدة منها تقوم عليهو تعضيهو في نص قنقونو ولما تمشي البيت تقفل عليك اوضة وتقعد تبكي لمن الله يغفر ليك تبكي عشان بياخة النكتة وعشان ربنا ابتلاك ببلوة وهي عظيمة الا على الخاشعين... ايضا قد حباني الله باحد النكتنجية من مغتربي المرحلة الحمارية... يحكي النكتة ويضحك فيها هو لحدي ما دموعو تجري... حتى لو حكاها عشرين مرة في الدقيقة... وكنت لما اشوفو جايي علي اسال الله سبحانه وتعالى ان يلزمني الصبر الجميل والسلوان... وان يجعل استماعي الى نكته في ميزان حسناتي... ويتميز مغترب المرحلة الحمارية بدقة وسرعة تحويل قيمة الريال الى العملة السودانية مرورا بالدولار... تتم هذه العمليات بسرعة جدا في راسو... ويديك نتيجة تحويل أي مبلغ بكل دقة وامانة حتى الكسور ما يخليها... ايضا مغترب المرحلة الحمارية يكون شغوف جدا ومعجب جدا بكفيلو... يقعد وسط الناس ولو بيتكلمو في الكورة ينط هو ويقول يا زول ها والله الكفيل كفيلي انا... وبس... ثم يحكي عن احترامو ليهو وكيف بيتعامل معاهو مع انك تكون واثقا تمام الثقة انو نضمو دا كلو اماني... واضغاث احلام... ثم تبدأ بوادر انتهاء المرحلة الحمارية تلوح في الافق وتظهر بوادر المرحلة القرادية... بان يبدأ المغترب يفكر في البديل في حالة الاستغناء عنه... والبديل داخل بلد الاغتراب.. وتظهر عليه القرادية جلية عندما يستغنى عنه فعلا...
المرحلة القُرادية
وهي مرحلة قد تطول وتقصر حسب عمر المغترب... المصّر ان يكون قُرادة للنهاية... وهي تتميز بان يقوم المغترب بالتشبث بالشغل والبقاء اطول فترة في بلد الاغتراب... يرفدوهو من شغل يشعبط في شغل تاني... يسفروهو يكون شال معاهو فيزا ويرجع تاني.. يكشوهو يرجع عُمرة او حج ويكسر ركبة هناك... لاحظت ان هذه المرحلة ليست حكرا على السوداني... ايضا هناك القراد المصري والقراد الهندي والقراد الباكستاني... ما يميز القراد السوداني انه يتكاثر ويتوالد في العائل وهو ياخد فترة طويله متشعبط في الهدف... عكس القراد المصري الذي يكون فترة تطفله قصيرة لكنها مجزية ومضرة حد الضرر ما يقيف لو حد...
المرحلة الكلبية الاستثنائية او (مرحلة كلب الحر)
وهي استثنائية لانها تتم خارج بلد الاغتراب وداخل السودان... المخلوق المغترب يقرر ان يرجع الي السودان... مصدقا نضم الحكومة في التلفزيون بان المغتربين يرجعوا والبلد محتاجة لخبراتهم وان السودان احسن بلد ممكن الواحد يستثمر اموالو فيهو... ثم تبدأ رحلة الجري... لو عندو بيت قاعد يبني فيهو يقعد يتجارا عليهو وقتو كلو ورا لواري الطوب والاسمنت... وبعد كدا يقعد يتجارا.. ثم يبدا الجري في السهلة عشان يعرف البلد والناس بتسوي في شنو؟... ويشتغل شنو؟ يجري كما يجري كلب الحر يجري عشان يشوف مدارس وجامعات لي وليداتو... ثم يستمرئ الجري قد يكون اشد عدوا من كلب الحر زاتو... ثم ... ثم بعد فترة يمشي الحج للمرة الاخيرة ثم يعمل عمليه بروستاتا... ثم يتوفاهو الله الى رحمته...
المرحلة القردية
تبدأ هذه المرحلة اول ما يبدا المغترب في اجراءات السفر... يبدا يحس انه اصبح جزءا من فصيلة المغتربين... ويتصرف على هذا الاساس... واول ما يقول بسم الله ويخت كراعو في قفص اغترابو... يبدا يحاكي من سبقوهو في الاغتراب... .يبدا يفكر يشتري عربية... ثم ستالايت في اوضتو براهو... ثم المتزوج يفكر يجيب مرتو بهناك ويقعد يجهز في البيت من العفش زي الجماعة القبالو بالضبط... من غرف نوم وعرف جلوس وسراير وموكيت وملايات امريكية وايطالية ولو في ملايات امم متحدة يشتريها زي الكبار والقدرو من المغتربين... ثم يبدأ في التوالد... التوالد هناك يتم في موسم معلوم ومعروف حسب خبرتي يتم اغلبه في فترة الشتاء اما فترة الصيف فهي للاجازات والعُمرة لمن لم يستطيع للاجازة سبيلا حكمة ربنا قعدت في منطقة حضرت فيها موسم توالد في اسبوع واحد كان هناك خمسة ولادات ضكور... والخمسة أي واحد فيهم ابوهو سماهو محمد ودا كان نتيجة تأثير المرحلة القردية... وقد حباني الله بان اتعرف على احد المغتربين في السعودية عندو تلاتة من الابناء يحملون اسم محمد... محمد سادة.. ثم محمد المامون..ثم محمد الامين... واقترحت عليه مساعدة مني في حل ازمة الاسامي ان يسمي الولد الجايي محمد وردي... ولو انزنق والحكاية جرت وورت معاهو يسمي البعدو محمد فرفور... العجيبة انو اسمو هو براهو محمد عثمان... المرحلة القردية مرحلة قصيرة الامد... والغربة والشغل وجهاز المغتربين وضرايبو والكفيل ما بيخلو أي مغترب يستمتع بهذه المرحلة... لهذا نجد ان المخلوق المغترب يدخل في المرحلة الحمارية سريع جدا...
المرحلة الحمارية
تتميز هذه المرحلة بالسكون والهدوء و الطاعة العمياء... وهي اطول مرحلة من مراحل تطور المغترب... ويكون المغترب فيها حمار شغل... البيت الشغل وبالعكس... ويكون عارف من تشرق الشمش هو الليلة حيسوي شنو... وقد استفاد بعض الكفلاء من هذه المرحلة ومميزاتها الحمارية... بان يطلبوا من المخلوق المغترب... ان يشتغل أي حاجة في أي وقت... ويقوم هذا المخلوق بالعمل بهمة عالية ونفس راضية ورضى عنها... كما ان بعض الذكيات من نسوان المغتربين استفادت من هذه المرحلة والطاعة بان كانت تطلب من بعلها كل ما تتمناهو وهو ما بيقول لا... يتمنى المغترب السعودي في هذه المرحلة بان ينادوهو بابي فلان... ابو محمد.. ابو عادل... ابو فاطنة... ابو نفيسة... ابو كديسة... كما وانه تبدو عليه ملامح تقالة الدم... . بدءا من الدقن المشغنفة.. وانتهاء بالنكت البايخة التي لو استمعت لواحدة منها تقوم عليهو تعضيهو في نص قنقونو ولما تمشي البيت تقفل عليك اوضة وتقعد تبكي لمن الله يغفر ليك تبكي عشان بياخة النكتة وعشان ربنا ابتلاك ببلوة وهي عظيمة الا على الخاشعين... ايضا قد حباني الله باحد النكتنجية من مغتربي المرحلة الحمارية... يحكي النكتة ويضحك فيها هو لحدي ما دموعو تجري... حتى لو حكاها عشرين مرة في الدقيقة... وكنت لما اشوفو جايي علي اسال الله سبحانه وتعالى ان يلزمني الصبر الجميل والسلوان... وان يجعل استماعي الى نكته في ميزان حسناتي... ويتميز مغترب المرحلة الحمارية بدقة وسرعة تحويل قيمة الريال الى العملة السودانية مرورا بالدولار... تتم هذه العمليات بسرعة جدا في راسو... ويديك نتيجة تحويل أي مبلغ بكل دقة وامانة حتى الكسور ما يخليها... ايضا مغترب المرحلة الحمارية يكون شغوف جدا ومعجب جدا بكفيلو... يقعد وسط الناس ولو بيتكلمو في الكورة ينط هو ويقول يا زول ها والله الكفيل كفيلي انا... وبس... ثم يحكي عن احترامو ليهو وكيف بيتعامل معاهو مع انك تكون واثقا تمام الثقة انو نضمو دا كلو اماني... واضغاث احلام... ثم تبدأ بوادر انتهاء المرحلة الحمارية تلوح في الافق وتظهر بوادر المرحلة القرادية... بان يبدأ المغترب يفكر في البديل في حالة الاستغناء عنه... والبديل داخل بلد الاغتراب.. وتظهر عليه القرادية جلية عندما يستغنى عنه فعلا...
المرحلة القُرادية
وهي مرحلة قد تطول وتقصر حسب عمر المغترب... المصّر ان يكون قُرادة للنهاية... وهي تتميز بان يقوم المغترب بالتشبث بالشغل والبقاء اطول فترة في بلد الاغتراب... يرفدوهو من شغل يشعبط في شغل تاني... يسفروهو يكون شال معاهو فيزا ويرجع تاني.. يكشوهو يرجع عُمرة او حج ويكسر ركبة هناك... لاحظت ان هذه المرحلة ليست حكرا على السوداني... ايضا هناك القراد المصري والقراد الهندي والقراد الباكستاني... ما يميز القراد السوداني انه يتكاثر ويتوالد في العائل وهو ياخد فترة طويله متشعبط في الهدف... عكس القراد المصري الذي يكون فترة تطفله قصيرة لكنها مجزية ومضرة حد الضرر ما يقيف لو حد...
المرحلة الكلبية الاستثنائية او (مرحلة كلب الحر)
وهي استثنائية لانها تتم خارج بلد الاغتراب وداخل السودان... المخلوق المغترب يقرر ان يرجع الي السودان... مصدقا نضم الحكومة في التلفزيون بان المغتربين يرجعوا والبلد محتاجة لخبراتهم وان السودان احسن بلد ممكن الواحد يستثمر اموالو فيهو... ثم تبدأ رحلة الجري... لو عندو بيت قاعد يبني فيهو يقعد يتجارا عليهو وقتو كلو ورا لواري الطوب والاسمنت... وبعد كدا يقعد يتجارا.. ثم يبدا الجري في السهلة عشان يعرف البلد والناس بتسوي في شنو؟... ويشتغل شنو؟ يجري كما يجري كلب الحر يجري عشان يشوف مدارس وجامعات لي وليداتو... ثم يستمرئ الجري قد يكون اشد عدوا من كلب الحر زاتو... ثم ... ثم بعد فترة يمشي الحج للمرة الاخيرة ثم يعمل عمليه بروستاتا... ثم يتوفاهو الله الى رحمته...
السبت، مايو 29، 2010
فخاخ الرائحة هل هي رواية تناص أم تلاص ؟
فخاخ الرائحة هل هي رواية تناص أم تلاص ؟
المحيميد يقع في فخ ( الحكايات المروية )
عمان : خالد السلماوي
salamwe@maktoob.com
مصادفة كنت أشاهد حوار العربية ( اضاءات ) تركي الدخيل مع الروائي السعودي يوسف المحيميد .ما سمعته كلاما غريبا غيرا متراكبا أو حتى متوازنا وما لفتني إلغاؤه كل الحركة الروائية السعودية الطويلة الحافلة بالأسماء الجميلة والواعدة. مبقيا ذاته على سدة الرواية السعودية متفردا بها . ثم تعجبت من منطقه العجيب وهو يقص علينا كيف تم ترشيح فخاخ الرائحة للترجمة وشروط الترشيح الصعبة التي لا يدخل في إطارها سوى نص بثقل فخاخ الرائحة بما يناقض الواقع تماما , وكأن الجالسين أمام شاشة التلفاز سذج أو أنهم يغطون في نوم عميق .فقررت الحصول على الرواية وبحثت عنها فلم أجدها عند أصدقائي , وكان معرض الكتاب في عمان فرصة سانحة لاقتناء الرواية , ولأنها صغيرة الحجم فقد قرأتها بنهم في ساعتين متواصلتين لاكتشاف قدر إبداع الكاتب الذي تعاظم في حوار العربي . المفاجأة في الرواية التي صعقتني هو اجتراؤه على نص قديم كنت قرأته قبل أعوام .. رواية سودانية رائعة ومعروفة كتبت قبل اكثر من عشر سنوات وهي( سالم ود السما )للروائي السوداني المبدع الطيب الزبير وحتى أشرك القارئ معي في ما ارتكبه المحيميد لنقرأ أولا في النص الأصل ثم النص التقليد .
من رواية سالم ود السما :
فسالم ليس عبداً عادياً بل هو كنز فى سوق النخاسين . فالصبى وسيم ، بهى الطلعة ، حنطي اللون ، يحفظ القرآن ويجيد القراءة والكتابة والحساب لذا فهو ليس من نوع الصبية الذين يختطفهم ود نقادى ويبيعهم بمائتي ريال مصرى لبدو البطانه ليرعون الأبل والغنم . وهناك سوق واحدة يمكن أن يباع فيها بمال كثيرهو ميناء سواكن على ساحل البحر الأحمر ، حيث يحضر عملاء لأمراء ووجهاء حجازيين ويشترون الرقيق لحسابهم من هناك ثم يهربونهم فى سفن خاصة إلى ميناء جدة على الساحل الشرقى للبحر الأحمر حيث يباعون فى الحجاز بأضعاف أثمانهم فى سواكن . فتجارة الرق ماتزال رائجة فى مدن شبه الجزيرة العربية والخليج مثل مكة والمدينة والمنامة والبحرين ومسقط وصور وأبو ظبى ودبى . وبما أن الأنجليز قد أفلحوا فى تجفيف المصدر الرئيسي لهذه التجارة ، وهو أفريقيا ، فأن المغامرين الذين يتمكنون من الوصول بعبيدهم إلى جدة يجنون أرباحاً طائلة. وبعد رحلة بالجمال أستغرقت عشرة أيام كان الخاطفان خلالها يسيران ليلاً ويتلطفان بالغابات والأودية والكهوف خلال النهار وصلا بسالم إلى سواكن . لم يكن بيع وشراء العبيد أمراً سهلا بسواكن وذلك لأنها ميناء السودان الأوحد وبها وجود مكثف للحكومة . فهناك معتمد جبال البحر الأحمر إلى جانب مدير الميناء وكلاهما بريطانى له سلطات واسعة . فللأوَّل تتبع شرطة المديرية وللثانى شرطة الميناء ومع كل واحد من الجهازين نشرة من السكرتير الإدارى بالخرطوم تحكى قصة أختفاء سالم وتحوى وصفا دقيقا لملامحه وهيئته وصورة للصبى رسمها فنان هندى على ضوء الوصف الدقيق لشكله وتقاطيع وجهه ، وهى قريبة جدا من الواقع . كان بالسفينة التى أبحرت بسالم أربعة رجال ، ثلاثة عرب ورجل أسود كالكحل لم ير سالم فى حياته إنسانا بضخامته وكان يتولى قيادة السفينة . يرتدى الرجل الأسود إزاراً أخضر ويعصب رأسه بقطعة قماش حمراء . عندما أراد الرجل الأسود ربط إزاره بتكة قطنية طولها متر ونصف مط جسمه إلى أعلى وكأنه أراد الأمساك بشئ معلق فى السماء ، ولم ير سالم طرفى التكة بعد أن ربطت إذا غطاهما شحم البطن وتدلى خمس بوصات إلى أسفل بينما تدلى شحم العنق على الكتفين وأصبح كحلقة المحراث على حدبة الثور . يحمل فكه العلوى أربعة أنياب مترادفة عجزت شفتاه عن حجبها فجعلته يبدو كخنزير برَّى شرس . فى اليوم الثانى كان البحر هادئا فأقبل الرجل الأسود نحو سالم والتفت إلى رجلين كانا معه وقال لهما : - امسكوه . فدنا أحد الرجلين من سالم وأمسكه من الخلف بينما أمسك الآخر بتكتة وحلها . ولما قاوم سالم لطمه الرجل الأسود على أنفه فاحمر البحر أمام عينيه ثم أسوَّد وسقط فى قاع السفينة ولم يدر ما حل به بعد ذلك . عندما أفاق الصبي من أغماءته كان يشعر بألم شديد فى خصيتيه ورغبة فى التبوُّل ، وكان الرجل الأسود يقف إلى جانبه فسأله : - عايز إيه ؟ - عايز أبول . - بول هنا . ومد له إناءً ، وبعد ألم شديد وعذاب لم يذقه سالم فى حياته من قبل ، بال دماً . وعندما تحسس خصيتيه لم يجد لهما أثراً ولم يبق منهما سوى الجلد الذى تدلى كثديي جدته سليمة العاريين عندما تكون منهمكة فى عمل المريسة ، فأدرك ما حل به خلال إغماءته . كانت جدته سليمة تشترى الحملان الهزيلة لتسمينها ببقايا المريسة ، وكانت كلما اشترت حملاً جديدا حملته إلى عبد التام : - عبد التام اخْصِ لى الحمل دا . فيمسك عبد التام خصية الحمل بيده الغليظة الخشنة ويعصرها حتى تتكسَّر ثم يكرِّر العملية مع الخصية الأخرى . إذن لقد خصوه ! خصاه العبد الأسود اللعين بيده الضخمة الخشنة التى تشبه لسان فرس النهر ....... أصبح خصيا كحملان سليمة ...... ولكن سليمة كانت تقول أن الحملان الخصية تسمن سريعاً ، فلماذا خصوه هو الآن ...... أيريدونه أن يصبح سميناً كالعبد الذى خصاه ؟ وفجأة تذكَّر....... كان سالم يقف على دكة من الحجر والخرصانة ، ارتفاعها متر ، وسط سوق العبيد بجدة ، وقد ألبس إزاراً أزرق غطى مابين الخصر والركبتين وترك باقي الجسم عارياً ليتفحصه الراغبون فأغمض عينيه للحظة وتمنى أن يكون مايراه ويسمعه الآن وما عاشه من تجارب خلال الشهرين الماضيين مجرد حلم مزعج سرعان ما يصحو منه ويجد نفسه راقدا على السرير الذى جدّد نسيجه عبد التام قبل يوم واحد من اختطافه ثم يغيَّر من رقدته ليواصل النوم فيمنعه عن ذلك صوت المؤذن عبد الله ود بخيت وهو يحث الناس لصلاة الفجر بصوته الرقيق العذب : - ومن أحسن قولاً ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين ........ الله أكبر ...... الله أكبر ........ فينهض من على فراشه ويملأ القرعة من ماء الزير البارد ثم يخرج من الغرفة ويجلس على أحد بنائر زبائن المريسة ويشرع فى الوضوء ، وماء النيل يمتد أمامه كثوب أبيض غسل ونشر على أرض مستوية ليجف فتهب النسمات العليلة فترفع وسطه قليلا عن الأرض ثم تخفضه . و خلال الوضوء يسمع حداء طه ود التيمان وهو يهش على ثوره كي يسرع فى جر الساقية عندما وصل سالم إلى دار مولاه الجديد أدرك أنه لم تكن هناك ضرورة لخصيه . فالرجل الذى أشتراه لم يدفع مقابله خمسين ألف ريالاً ليضمه الى خدم منزله الذين تقتضى الضرورة خصيهم ، بل يريده أن يكون مديرا لأعماله التجارية . فالشيخ سالم الخفجى واحد من أكبر مطوفى الحجاج بجدة ومكة ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب . وعندما علم أن صبياً سنارياً سوف يباع فى سوق النخاسين وانه يحفظ القرآن ويجيد الحساب حمل معه مائة ألف ريالاً وتوجه إلى هناك . وبعد عامين تعرف خلالهما على كفاءة سالم وسمو أخلاقه جاءه يوماً وهو يحمل فى يده بطاقة مواطنة . - ياسالم ، منذ اليوم أنت مش عبدى ، وإنما ابنى وصاحب التصرُّف فى مالى . - بارك الله فيك يا حاج سالم . - ومنذ اليوم يصير إسمك سليم سالم الخفجى . - بارك الله فيك يا أبوى سالم . - كنت عايز أعتقك قبل عام ، ولكن تريثت ريثما أستصدر لك بطاقة المواطنة هذه . وناولها له ، وتحمل اسم سليم سالم الخفجى ، الجنسية حجازى ، الديانة : مسلم ، تاريخ الميلاد : 1318 هـ . المهنة : تاجر ، أقرب الأقربين : والده وشريكه سالم الخفجى . - أنت حر منذ اليوم ، إذا اخترت البقاء معى فسوف يكون لك ثلث ما نحققه من أرباح فى كل موسم وإذا تركتنى .......... - وهل يترك الإبن أباه ؟ فبكى الخفجى وعانق سالماً . فالرجل عقيم لم ينعم بأبوة أحد ، والصبى تعس لم ينعم ببنوة أحد ، فوجد كل منهما ضالته فى الآخر . يبدأ عمل سالم قبل شهرين من وصول الحجاج إلى جدة ، فيقوم باعداد الدور التى يقيمون بها فى كل من جدة ومكة والمدينة ثم يشترى المواد التموينية ويستأجر العمال الذين يقومون بخدمة الحجيج . وعندما يصل الحجاج يجمع أوراقهم ويحول مدخراتهم إلى الريال الحجازى وينظم القوافل والسيارات التى تقلهم إلى مكة والمدينة ثم تعود بهم ثانية إلى جدة . كل الحجاج من أفريقيا والمغرب العربى ومصر يصلون إلى جدة عن طريق البحر . وقد عرف سالم بين المواطنين والحجاج بكفاءته وأمانته وحسن سيرته . - الخفجى طاح فى عبد زين . - أى والله يساوى وزنو دهب . - لا وكمان سوَّاه ابنو . كان سالم دائم التردد على حلقات العلم بمكة والمدينة فدرس الفقه والتوحيد والتفسير وأصبح عالماً جليلاً . أما حقيقة كونه خصى فلا يعرفها أنسان سوى سالم الخفجى الذى لم يبح بها لأحد ، كما أشترى جارية شركسية وتزوجها بعد أن كاشفها بعاهته فأحبته وأحبها . لا أحد يناديه بالاسم الذى بهويته . الكل يناديه باسم حاج سليم السنارى . فالشلوخ التى على خديه تهدى الناس دون عناء للبلد الذى جاء منه . كما أنَّ وضعه المميز يؤكد أنه جاء إلى الحجاز حاجاً وأصبح من المجاورين .
جزء من نص المحيميد التقليد :
قال العبد وهو يحكي حكايته : ما علينا المهم نقلونا ثاني يوم إلى شندي وتناقص عددنا حتى صرنا في بربر اثنان سقطا ميتين في الطريق اما البقية فلا اعرف اين اختفوا يمكن باعوهم في سوق شندي حتى يعوضوا تكلفة الحملة ويقدروا يدفعوا للجعليين الذين وفروا لهم الحماية اثناء الطريق خرجنا من بربر مع قطيع اغنام هائل واتجهنا ناحية سواكن على البحر في سفينة متوسطة الحجم وضعونا مع اكياس ذرة وصناديق مختومة من زرائب ومستودعات السفينة مظلمة تقريبا اما الاغنام البربر فقد كدسوها على سطح السفينة تحركت السفينة وهي تبتعد عن ميناء سواكن وقتها كان موسم الحج قبل الحج بشهر ونصف بقينا اياما وليالي طويلة في البحر .الى آخر النص الذي أطال فيه مقتبسا من رواية سالم ود السما. وفي جزء آخر من رواية فخاخ الرائحة يسوق المحيميد حكاية العبد توفيق يوم بيع أعطى اسما جديدا وخصي وبيع في جده . الفرق بين النصين أن رواية الطيب الزبير فائقة الصنعة ممتازة السكب التي اعتمدت عليها فخاخ الرائحة , قدمت لنا تجلية لتاريخ طبيعي غير مغتصب بين واقعين , الواقع السوداني والواقع السعودي في مراحل مهمة جدا تأسست على إثرها نمطية الصورة للمجتمع العربي , لم يفلح المحيميد في تقديم هذا النموذج الإحيائي الجميل , مكتفيا بقصاصات من حكايات منقولة بتشويه لا يؤدي الغرض منه كاملا وعندما تأملت في النص الشعبي للشخصية الثانية ( طراد ) اكتشف الهزال الذي يعانيه نص فخاخ الرائحة حيث أسسه على حكاية شعبية متداولة مع شيء من التشويه الذي يكشف عدم تمكن المحيميد من تمرير الحكاية الشعبية بذكاء حيث عكس سذاجة الحدث بينما هي في حقيقتها تشبه الأسطورة .. لنقرأ نص الحكاية الشعبية ربص ثلاثة رجال حنشل لقافلة حجاج بغية سرقتها كما جرت عادتهم . إلا أن نفرا من القافلة تنبهوا لهم , وقبضوا عليهم بجرمهم المشهود , ليحكم عليهم قائد القافلة وأميرها بسجنهما كما هو معروف داخل الرمال . درءا للقتل , المحرم على الحاج , تركوهم يواجهو ن مصيرهم القدري ليحكم الله في أمرهما , وفي الليل داهمهم ذئب جائع نهش رأسي اثنين وترك الثالث , فلما شبع أقعى قريبا منه إلى حد الالتصاق , الذي قرر سريعا في مواجهة الموت المحتوم النزال بما يمتلكه من سلاح لان الرجل المسجون في الرمل لن يستطيع تخليص نفسه إلا بعامل خارجي وإلا لاستطاع ذلك منذ الساعة الأولى من سجنه لقوته المكتنزة أما حينما تتسرب قواه وينتابه الذعر فلن يحرك ساكنا ,فلم يكن لدى الرجل سوى الأسنان , فكشر عن أنيابه وغرسها في فروة رقبة الذئب المرتخية إلى جانبه لتصل إلى لحمه , وهنا مكمن المفاجأة ,حيث استشعر الذئب ألما جارفا عصف به فنهض ساحبا رقبته من مصدر الوجع , ليسحب الرجل معه من مدفنه ويلقي به في العراء , مجردا إياه من براثن الأسر , هنا هبطت على الرجل قوة إرادة البقاء ليصارع الذئب الذي ختله فأتى على أذنه الجانبية فهرسها بين أسنانه الغليظة ليطلق الرجل فكيه الحديديين من شدة ألم الاستئصال الذئبي , ليولي الذئب هاربا بأذن الرجل يلوكها بين أسنانه , هنا انتصر الرجل كما انتصرت الحكاية لتصبح مثل الأسطورة التي تتناولها الألسن بشيء من الإعجاب وكان سبقا إعلاميا قدمه ابن الصحراء , قبل نورثكليف القائل في نظريته الإعلامية الشهيرة ( أن يعض كلب إنسانا فهذا ليس بخبر ولكن أن يعض الإنسان كلبا فهذا هو الخبر ) رواية المحيميد ساق المحيميد هذه الحكاية الشعبية كما هي مع تحريف افقدها ميزتها , حيث تخلص طراد بقوته الكامنة من الرمال مفلتا يديه من الرمل وبهزات جسده تمكن من الخروج إذا لماذا لم يفعلها باكرا ماذا كان ينتظر ربما نسي !!!!. , وهكذا أخفقت ( فخاخ الرائحة ) في تقديم أبطالها ليقع الراوي في فخ حكاية معروفة ساقها بارتجال ,نسف خلالها قيمة الأصل المعنوية بتحريف متعمد , مجيرا انتصار ابن الصحراء للذئب بشكل ساذج أجهض قيمتها الرمزية , ثم أن الرجل الأسطورة بات معتزا فخورا يتباهى بنفسه بين كل القبائل , ليس بحاجة ماسة كما تذهب حكايات الراوي المتعسفة للبحث عن الرزق في المدينة ( الرياض ) ويكون عرضة لتهكمات موظفي المكتب به , وهو ابن الصحراء معارك الذئاب . لم يع المحيميد جيدا هذا التمدد للشخصية البدوية الضاربة في عمق الصحراء, والتمدد المشهدي الآخر الغائص في فضائها بلا حدود , هذان البعدان صنعا في روع البدوي معجزاته . كل هذا جعلني اتتبع تفاصيل الرواية لأكتشف أن فخاخ الرائحة أخفقت في مراعاة الجانب المنطقي في أحداثها , والبعد الزمني أيضا على النحو التالي :
1- قضي على الحنشل تماما منذ العام 1920م . إذا كان عمر طراد فخاخ الرائحة يوم قدومه إلى الرياض سبعين عاما هنا لم تراع الرواية البعد الزمني ليس في حكاية طراد فقط بل في كل حكاياتها كلها مما سنأتي عليه لاحقا . فالبدوي الحنشل انتقل عنده بسرعة الصاروخ مائة سنة قادمة , إلى زمان الرياض الآخذة بالنهوض ليعمل في مهن حقيرة لا تقرها طبائع البدوي وكأنه بذلك يهزأ بعقل المتلقي وهو ليس كذلك حتما .
2 - واقعيا كما تتبناه الحكاية الشعبية فالرجل ذو الأذن المقطوعة اصبح أسطورة حكواتية نبتت في جحيم الصحراء مثل كثير من الحكايات الشعبية لأنها المشاع خصب لتنامي الخيال وتوالد (الرواية) ، والحكاية في الصحراء تجسيد للصراع القائم بين قوى الخير والشر حيث البطل يدخل في صراع مع كائنات تنتمي إلى عوالم غريبة كعالم الجن التي تحضر قريبا من الخيمة، وفي العراء يصارع حيوانات لا تنفصل عن بيئة الصحراء (غزلان أفاعي، ضباع، ذئاب) كما قد يكون حيوانات خيالية أو حتى بها بيئة الصحراء التي تلبس الحكايات لباسا فضفاضا من الخوارق وقد تشربت الحكاية الشعبية بكثير منها وهذا ما يدون لها سفرا خالدا على مر العصور والأزمنة لأنها تحرك مخيال الإنسان وتجعله مقابلا تماما لمفاجأة منتظرة تبلغ أحيانا حيز التصديق الذي يجلب على الإعجاب والخوف أحيانا ، وتلعب الشخصية الرئيسية في الحكاية الخارقة الدور الأكمل في جذب القارئ وتحفيزه لسبر غوره والاندماج بعالمه السحري الخاص ليصبح لهذه الشخصية حضورها المرتبط بوظيفتها ضمن المسار الحكائي، فالبطل شخصية محورية وتجب فيها الصفات التالية : الإقدام والجرأة على خوض المغامرة وركوب الخطر. وهي شخصية فريدة (في الحكاية الاجتماعية ) يحترمها القارئ وترسخ في مخيلته لما تمتلكه من جسد إنساني قوي كما تمنحه الطبيعة الذكاء والجمال والمساعدة . وبالتالي فالبطل متفوق على بقية الشخصيات. ولعل عالم هوليود قد قدرت ثراء هذه الشخصيات الأسطورية ليستلهمها في أعمال فتقت ذائقة العالم الغربي للإقبال عليها مثل فيلم كونن البربري ,حصان طروادة , والدمية ,روبن هود , وشيفرة دافينشي وملك الخواتم , والقلب الشجاع , وأخيرا فيلما 300 وقراصنة الكاريبي هذه الأفلام المأخوذة في مجملها من روايات شهيرة اتكأت على مر العصور على ذلك الخيال المتنامي لإثارة التشويق والجاذبية وبالإضافة إلى القوة الخارقة كما ضمت رموزاً نابضة بالحياة لتقريبها إلى الوجدان الشعبي والمعايشة الفكرية، في الوقت الذي يشوه فيه المحيميد هذه القيمة الشعبية , ويسخر منها , بلا احترام أو تقدير للموروث الشعبي , فالكتابة الإبداعية الحقيقية المستلهمة للحكاية الشعبية مسؤولة عن هذا الوجدان ويجب أن تنقله بأمانة وجدية بلا تحريف يخرجها عن مسارها التاريخي , بما يضمن للرواية مصداقية وللروائي قدرة إبداعية متى استطاع توظيفها بما يخدم غاياته , عن أهدافها كل كتابة جادة هادفة لابد آن تعلن عن أهدافها ضمن مسارها الإبداعي، بجعلها إحدى أركان النص المسقط بذكاء على قضايا المجتمع المختلفة عبر صور جمالية مقبولة . فشلت فخاخ الرائحة في إعادة تصنيع بطولة البدوي حيث تكون فيها من أسلاب مشاعر وأحاسيس دونية بسبب أذنه المنزوعة , ويتمنى أن يقايض عليها بقبيلته , وهذا مالا تقبله النزعة البدوية الصلفة في تعاملها مع الأشياء كما أسلفنا وفق مرجعيات غذته بها الصحراء , بلياليها الحالكة وجفائها وغدرها واستباحتها للذعر والخوف نفسه بما لا يبقي عند ابن الصحراء سوى العشق لعنفوانها و غدرها , بينما بدوي فخاخ الرائحة صنعت نموذجا لشخصية شوهاء , تتواجد على ذاتها وتجعل الكون في صحن أذن طراد . لتنقلب شخصية البدوي رأسا على عقب , فطراد شخصية بدوية مهزومة مترددة تعبث بها شخصيات الرواية العابرة على الرغم أنها مرت بتجربة شبه أسطورية , فلم تستلهم مقدراتها التجربية , وهذا الإسقاط الحكائي ميع شخصية الحدث العظيم في ذات طراد قاهر الطبيعة , والمنتصر على شراهة الذئب المفتوحة للفتك . لم يوظف بذكاء يحسب في صالح الكاتب , لأن القارئ بات في حيرة لا يدري ما الذي يطرحه هذا النص ؟
3 – سائق التاكسي الذي عبأ رحم فتاة سفاحا تورم بطنها به ولم يلتفت له أحد من الناس ، لتلد ناصر عبدالاله فاقد العين ليصبح ابن الحضانة ثم ابن بالتبني لإحدى سيدات المجتمع الرفيع كان ذلك قبل عتق العبيد سنه 1963 هـ وبسبب تصرفه البدائي غضبت عليه السيدة وأعادته فورا لدار الحضانة , بينما توفيق يذكر لنا أن طرده من جنة العمة كان تاليا لحملها المفاجئ فمن نصدق , ربما أراد الحكواتي ترك خيارات للموضوع
4- استعاد الحيميد الخبر الصحفي المنشور في الصحف السعودية قبل عامين اثر قيام شغالة فلبينية بالتحرش بأعضاء طفل صغير, كشف ذلك الأطباء الذين قاموا بتشخيص العلة التي كان يشكو منها الطفل , في أعضائه الجنسية . المحيميد في فخاخه ساق الحكاية نفسها باختلاف زمني ملحوظ , لأن شغالة الفخاخ الفلبينية التي تحرشت بأعضاء ناصر عبد الإله في دار الحضانة قد أقدمت على فعلتها النكراء عام 1960 تقريبا , أي قبيل خروج العبد توفيق من قصر العمة على خلفية قرار عتق الرقيق سنة 63 م , وبناء على مقايسات المنطق الزمني في الرواية , كان عمر ناصر تقريبا خمس سنوات . كما كشفت أحداث الرواية ذلك , ثم ما لهدف في إلصاق مثل هذه الحكايات في نص يفترض أن يأتي متسقا مع ذاته إلا بغية الإطالة فقط.
5- حكاية العبد توفيق المخصي الذي نقش حكايته من رواية سالم ود السما ولم يفلح في تنضيدها جيدا فيوم خرج من قصر العمة إلى الرياض عقب عتق العبيد عام 1963م باحثا عن عمل ؛ لم يجد , لأن ثم أناس يعبئون الأرصفة والأسواق وهم العمالة الآسيوية , والعمالة اللبنانية ,حكاية غريبة وأمر لا يرد على رأس عاقل أو حصيف . هؤلاء الذين لم تعرفهم السعودية إلا مع مطالع الثمنينات الميلادية وأقول ختاما : ليت المحيميد سكت حتى يعفي نصوصه من القراءات الفاحصة .. وليته احترم الأدب الذي اشتغل به حتى يقدم نصوصا جيدة .
عمان : خالد السلماوي
salamwe@maktoob.com
رابط رواية سالم ود السما على النت
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...101522050&rn=1
المحيميد يقع في فخ ( الحكايات المروية )
عمان : خالد السلماوي
salamwe@maktoob.com
مصادفة كنت أشاهد حوار العربية ( اضاءات ) تركي الدخيل مع الروائي السعودي يوسف المحيميد .ما سمعته كلاما غريبا غيرا متراكبا أو حتى متوازنا وما لفتني إلغاؤه كل الحركة الروائية السعودية الطويلة الحافلة بالأسماء الجميلة والواعدة. مبقيا ذاته على سدة الرواية السعودية متفردا بها . ثم تعجبت من منطقه العجيب وهو يقص علينا كيف تم ترشيح فخاخ الرائحة للترجمة وشروط الترشيح الصعبة التي لا يدخل في إطارها سوى نص بثقل فخاخ الرائحة بما يناقض الواقع تماما , وكأن الجالسين أمام شاشة التلفاز سذج أو أنهم يغطون في نوم عميق .فقررت الحصول على الرواية وبحثت عنها فلم أجدها عند أصدقائي , وكان معرض الكتاب في عمان فرصة سانحة لاقتناء الرواية , ولأنها صغيرة الحجم فقد قرأتها بنهم في ساعتين متواصلتين لاكتشاف قدر إبداع الكاتب الذي تعاظم في حوار العربي . المفاجأة في الرواية التي صعقتني هو اجتراؤه على نص قديم كنت قرأته قبل أعوام .. رواية سودانية رائعة ومعروفة كتبت قبل اكثر من عشر سنوات وهي( سالم ود السما )للروائي السوداني المبدع الطيب الزبير وحتى أشرك القارئ معي في ما ارتكبه المحيميد لنقرأ أولا في النص الأصل ثم النص التقليد .
من رواية سالم ود السما :
فسالم ليس عبداً عادياً بل هو كنز فى سوق النخاسين . فالصبى وسيم ، بهى الطلعة ، حنطي اللون ، يحفظ القرآن ويجيد القراءة والكتابة والحساب لذا فهو ليس من نوع الصبية الذين يختطفهم ود نقادى ويبيعهم بمائتي ريال مصرى لبدو البطانه ليرعون الأبل والغنم . وهناك سوق واحدة يمكن أن يباع فيها بمال كثيرهو ميناء سواكن على ساحل البحر الأحمر ، حيث يحضر عملاء لأمراء ووجهاء حجازيين ويشترون الرقيق لحسابهم من هناك ثم يهربونهم فى سفن خاصة إلى ميناء جدة على الساحل الشرقى للبحر الأحمر حيث يباعون فى الحجاز بأضعاف أثمانهم فى سواكن . فتجارة الرق ماتزال رائجة فى مدن شبه الجزيرة العربية والخليج مثل مكة والمدينة والمنامة والبحرين ومسقط وصور وأبو ظبى ودبى . وبما أن الأنجليز قد أفلحوا فى تجفيف المصدر الرئيسي لهذه التجارة ، وهو أفريقيا ، فأن المغامرين الذين يتمكنون من الوصول بعبيدهم إلى جدة يجنون أرباحاً طائلة. وبعد رحلة بالجمال أستغرقت عشرة أيام كان الخاطفان خلالها يسيران ليلاً ويتلطفان بالغابات والأودية والكهوف خلال النهار وصلا بسالم إلى سواكن . لم يكن بيع وشراء العبيد أمراً سهلا بسواكن وذلك لأنها ميناء السودان الأوحد وبها وجود مكثف للحكومة . فهناك معتمد جبال البحر الأحمر إلى جانب مدير الميناء وكلاهما بريطانى له سلطات واسعة . فللأوَّل تتبع شرطة المديرية وللثانى شرطة الميناء ومع كل واحد من الجهازين نشرة من السكرتير الإدارى بالخرطوم تحكى قصة أختفاء سالم وتحوى وصفا دقيقا لملامحه وهيئته وصورة للصبى رسمها فنان هندى على ضوء الوصف الدقيق لشكله وتقاطيع وجهه ، وهى قريبة جدا من الواقع . كان بالسفينة التى أبحرت بسالم أربعة رجال ، ثلاثة عرب ورجل أسود كالكحل لم ير سالم فى حياته إنسانا بضخامته وكان يتولى قيادة السفينة . يرتدى الرجل الأسود إزاراً أخضر ويعصب رأسه بقطعة قماش حمراء . عندما أراد الرجل الأسود ربط إزاره بتكة قطنية طولها متر ونصف مط جسمه إلى أعلى وكأنه أراد الأمساك بشئ معلق فى السماء ، ولم ير سالم طرفى التكة بعد أن ربطت إذا غطاهما شحم البطن وتدلى خمس بوصات إلى أسفل بينما تدلى شحم العنق على الكتفين وأصبح كحلقة المحراث على حدبة الثور . يحمل فكه العلوى أربعة أنياب مترادفة عجزت شفتاه عن حجبها فجعلته يبدو كخنزير برَّى شرس . فى اليوم الثانى كان البحر هادئا فأقبل الرجل الأسود نحو سالم والتفت إلى رجلين كانا معه وقال لهما : - امسكوه . فدنا أحد الرجلين من سالم وأمسكه من الخلف بينما أمسك الآخر بتكتة وحلها . ولما قاوم سالم لطمه الرجل الأسود على أنفه فاحمر البحر أمام عينيه ثم أسوَّد وسقط فى قاع السفينة ولم يدر ما حل به بعد ذلك . عندما أفاق الصبي من أغماءته كان يشعر بألم شديد فى خصيتيه ورغبة فى التبوُّل ، وكان الرجل الأسود يقف إلى جانبه فسأله : - عايز إيه ؟ - عايز أبول . - بول هنا . ومد له إناءً ، وبعد ألم شديد وعذاب لم يذقه سالم فى حياته من قبل ، بال دماً . وعندما تحسس خصيتيه لم يجد لهما أثراً ولم يبق منهما سوى الجلد الذى تدلى كثديي جدته سليمة العاريين عندما تكون منهمكة فى عمل المريسة ، فأدرك ما حل به خلال إغماءته . كانت جدته سليمة تشترى الحملان الهزيلة لتسمينها ببقايا المريسة ، وكانت كلما اشترت حملاً جديدا حملته إلى عبد التام : - عبد التام اخْصِ لى الحمل دا . فيمسك عبد التام خصية الحمل بيده الغليظة الخشنة ويعصرها حتى تتكسَّر ثم يكرِّر العملية مع الخصية الأخرى . إذن لقد خصوه ! خصاه العبد الأسود اللعين بيده الضخمة الخشنة التى تشبه لسان فرس النهر ....... أصبح خصيا كحملان سليمة ...... ولكن سليمة كانت تقول أن الحملان الخصية تسمن سريعاً ، فلماذا خصوه هو الآن ...... أيريدونه أن يصبح سميناً كالعبد الذى خصاه ؟ وفجأة تذكَّر....... كان سالم يقف على دكة من الحجر والخرصانة ، ارتفاعها متر ، وسط سوق العبيد بجدة ، وقد ألبس إزاراً أزرق غطى مابين الخصر والركبتين وترك باقي الجسم عارياً ليتفحصه الراغبون فأغمض عينيه للحظة وتمنى أن يكون مايراه ويسمعه الآن وما عاشه من تجارب خلال الشهرين الماضيين مجرد حلم مزعج سرعان ما يصحو منه ويجد نفسه راقدا على السرير الذى جدّد نسيجه عبد التام قبل يوم واحد من اختطافه ثم يغيَّر من رقدته ليواصل النوم فيمنعه عن ذلك صوت المؤذن عبد الله ود بخيت وهو يحث الناس لصلاة الفجر بصوته الرقيق العذب : - ومن أحسن قولاً ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين ........ الله أكبر ...... الله أكبر ........ فينهض من على فراشه ويملأ القرعة من ماء الزير البارد ثم يخرج من الغرفة ويجلس على أحد بنائر زبائن المريسة ويشرع فى الوضوء ، وماء النيل يمتد أمامه كثوب أبيض غسل ونشر على أرض مستوية ليجف فتهب النسمات العليلة فترفع وسطه قليلا عن الأرض ثم تخفضه . و خلال الوضوء يسمع حداء طه ود التيمان وهو يهش على ثوره كي يسرع فى جر الساقية عندما وصل سالم إلى دار مولاه الجديد أدرك أنه لم تكن هناك ضرورة لخصيه . فالرجل الذى أشتراه لم يدفع مقابله خمسين ألف ريالاً ليضمه الى خدم منزله الذين تقتضى الضرورة خصيهم ، بل يريده أن يكون مديرا لأعماله التجارية . فالشيخ سالم الخفجى واحد من أكبر مطوفى الحجاج بجدة ومكة ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب . وعندما علم أن صبياً سنارياً سوف يباع فى سوق النخاسين وانه يحفظ القرآن ويجيد الحساب حمل معه مائة ألف ريالاً وتوجه إلى هناك . وبعد عامين تعرف خلالهما على كفاءة سالم وسمو أخلاقه جاءه يوماً وهو يحمل فى يده بطاقة مواطنة . - ياسالم ، منذ اليوم أنت مش عبدى ، وإنما ابنى وصاحب التصرُّف فى مالى . - بارك الله فيك يا حاج سالم . - ومنذ اليوم يصير إسمك سليم سالم الخفجى . - بارك الله فيك يا أبوى سالم . - كنت عايز أعتقك قبل عام ، ولكن تريثت ريثما أستصدر لك بطاقة المواطنة هذه . وناولها له ، وتحمل اسم سليم سالم الخفجى ، الجنسية حجازى ، الديانة : مسلم ، تاريخ الميلاد : 1318 هـ . المهنة : تاجر ، أقرب الأقربين : والده وشريكه سالم الخفجى . - أنت حر منذ اليوم ، إذا اخترت البقاء معى فسوف يكون لك ثلث ما نحققه من أرباح فى كل موسم وإذا تركتنى .......... - وهل يترك الإبن أباه ؟ فبكى الخفجى وعانق سالماً . فالرجل عقيم لم ينعم بأبوة أحد ، والصبى تعس لم ينعم ببنوة أحد ، فوجد كل منهما ضالته فى الآخر . يبدأ عمل سالم قبل شهرين من وصول الحجاج إلى جدة ، فيقوم باعداد الدور التى يقيمون بها فى كل من جدة ومكة والمدينة ثم يشترى المواد التموينية ويستأجر العمال الذين يقومون بخدمة الحجيج . وعندما يصل الحجاج يجمع أوراقهم ويحول مدخراتهم إلى الريال الحجازى وينظم القوافل والسيارات التى تقلهم إلى مكة والمدينة ثم تعود بهم ثانية إلى جدة . كل الحجاج من أفريقيا والمغرب العربى ومصر يصلون إلى جدة عن طريق البحر . وقد عرف سالم بين المواطنين والحجاج بكفاءته وأمانته وحسن سيرته . - الخفجى طاح فى عبد زين . - أى والله يساوى وزنو دهب . - لا وكمان سوَّاه ابنو . كان سالم دائم التردد على حلقات العلم بمكة والمدينة فدرس الفقه والتوحيد والتفسير وأصبح عالماً جليلاً . أما حقيقة كونه خصى فلا يعرفها أنسان سوى سالم الخفجى الذى لم يبح بها لأحد ، كما أشترى جارية شركسية وتزوجها بعد أن كاشفها بعاهته فأحبته وأحبها . لا أحد يناديه بالاسم الذى بهويته . الكل يناديه باسم حاج سليم السنارى . فالشلوخ التى على خديه تهدى الناس دون عناء للبلد الذى جاء منه . كما أنَّ وضعه المميز يؤكد أنه جاء إلى الحجاز حاجاً وأصبح من المجاورين .
جزء من نص المحيميد التقليد :
قال العبد وهو يحكي حكايته : ما علينا المهم نقلونا ثاني يوم إلى شندي وتناقص عددنا حتى صرنا في بربر اثنان سقطا ميتين في الطريق اما البقية فلا اعرف اين اختفوا يمكن باعوهم في سوق شندي حتى يعوضوا تكلفة الحملة ويقدروا يدفعوا للجعليين الذين وفروا لهم الحماية اثناء الطريق خرجنا من بربر مع قطيع اغنام هائل واتجهنا ناحية سواكن على البحر في سفينة متوسطة الحجم وضعونا مع اكياس ذرة وصناديق مختومة من زرائب ومستودعات السفينة مظلمة تقريبا اما الاغنام البربر فقد كدسوها على سطح السفينة تحركت السفينة وهي تبتعد عن ميناء سواكن وقتها كان موسم الحج قبل الحج بشهر ونصف بقينا اياما وليالي طويلة في البحر .الى آخر النص الذي أطال فيه مقتبسا من رواية سالم ود السما. وفي جزء آخر من رواية فخاخ الرائحة يسوق المحيميد حكاية العبد توفيق يوم بيع أعطى اسما جديدا وخصي وبيع في جده . الفرق بين النصين أن رواية الطيب الزبير فائقة الصنعة ممتازة السكب التي اعتمدت عليها فخاخ الرائحة , قدمت لنا تجلية لتاريخ طبيعي غير مغتصب بين واقعين , الواقع السوداني والواقع السعودي في مراحل مهمة جدا تأسست على إثرها نمطية الصورة للمجتمع العربي , لم يفلح المحيميد في تقديم هذا النموذج الإحيائي الجميل , مكتفيا بقصاصات من حكايات منقولة بتشويه لا يؤدي الغرض منه كاملا وعندما تأملت في النص الشعبي للشخصية الثانية ( طراد ) اكتشف الهزال الذي يعانيه نص فخاخ الرائحة حيث أسسه على حكاية شعبية متداولة مع شيء من التشويه الذي يكشف عدم تمكن المحيميد من تمرير الحكاية الشعبية بذكاء حيث عكس سذاجة الحدث بينما هي في حقيقتها تشبه الأسطورة .. لنقرأ نص الحكاية الشعبية ربص ثلاثة رجال حنشل لقافلة حجاج بغية سرقتها كما جرت عادتهم . إلا أن نفرا من القافلة تنبهوا لهم , وقبضوا عليهم بجرمهم المشهود , ليحكم عليهم قائد القافلة وأميرها بسجنهما كما هو معروف داخل الرمال . درءا للقتل , المحرم على الحاج , تركوهم يواجهو ن مصيرهم القدري ليحكم الله في أمرهما , وفي الليل داهمهم ذئب جائع نهش رأسي اثنين وترك الثالث , فلما شبع أقعى قريبا منه إلى حد الالتصاق , الذي قرر سريعا في مواجهة الموت المحتوم النزال بما يمتلكه من سلاح لان الرجل المسجون في الرمل لن يستطيع تخليص نفسه إلا بعامل خارجي وإلا لاستطاع ذلك منذ الساعة الأولى من سجنه لقوته المكتنزة أما حينما تتسرب قواه وينتابه الذعر فلن يحرك ساكنا ,فلم يكن لدى الرجل سوى الأسنان , فكشر عن أنيابه وغرسها في فروة رقبة الذئب المرتخية إلى جانبه لتصل إلى لحمه , وهنا مكمن المفاجأة ,حيث استشعر الذئب ألما جارفا عصف به فنهض ساحبا رقبته من مصدر الوجع , ليسحب الرجل معه من مدفنه ويلقي به في العراء , مجردا إياه من براثن الأسر , هنا هبطت على الرجل قوة إرادة البقاء ليصارع الذئب الذي ختله فأتى على أذنه الجانبية فهرسها بين أسنانه الغليظة ليطلق الرجل فكيه الحديديين من شدة ألم الاستئصال الذئبي , ليولي الذئب هاربا بأذن الرجل يلوكها بين أسنانه , هنا انتصر الرجل كما انتصرت الحكاية لتصبح مثل الأسطورة التي تتناولها الألسن بشيء من الإعجاب وكان سبقا إعلاميا قدمه ابن الصحراء , قبل نورثكليف القائل في نظريته الإعلامية الشهيرة ( أن يعض كلب إنسانا فهذا ليس بخبر ولكن أن يعض الإنسان كلبا فهذا هو الخبر ) رواية المحيميد ساق المحيميد هذه الحكاية الشعبية كما هي مع تحريف افقدها ميزتها , حيث تخلص طراد بقوته الكامنة من الرمال مفلتا يديه من الرمل وبهزات جسده تمكن من الخروج إذا لماذا لم يفعلها باكرا ماذا كان ينتظر ربما نسي !!!!. , وهكذا أخفقت ( فخاخ الرائحة ) في تقديم أبطالها ليقع الراوي في فخ حكاية معروفة ساقها بارتجال ,نسف خلالها قيمة الأصل المعنوية بتحريف متعمد , مجيرا انتصار ابن الصحراء للذئب بشكل ساذج أجهض قيمتها الرمزية , ثم أن الرجل الأسطورة بات معتزا فخورا يتباهى بنفسه بين كل القبائل , ليس بحاجة ماسة كما تذهب حكايات الراوي المتعسفة للبحث عن الرزق في المدينة ( الرياض ) ويكون عرضة لتهكمات موظفي المكتب به , وهو ابن الصحراء معارك الذئاب . لم يع المحيميد جيدا هذا التمدد للشخصية البدوية الضاربة في عمق الصحراء, والتمدد المشهدي الآخر الغائص في فضائها بلا حدود , هذان البعدان صنعا في روع البدوي معجزاته . كل هذا جعلني اتتبع تفاصيل الرواية لأكتشف أن فخاخ الرائحة أخفقت في مراعاة الجانب المنطقي في أحداثها , والبعد الزمني أيضا على النحو التالي :
1- قضي على الحنشل تماما منذ العام 1920م . إذا كان عمر طراد فخاخ الرائحة يوم قدومه إلى الرياض سبعين عاما هنا لم تراع الرواية البعد الزمني ليس في حكاية طراد فقط بل في كل حكاياتها كلها مما سنأتي عليه لاحقا . فالبدوي الحنشل انتقل عنده بسرعة الصاروخ مائة سنة قادمة , إلى زمان الرياض الآخذة بالنهوض ليعمل في مهن حقيرة لا تقرها طبائع البدوي وكأنه بذلك يهزأ بعقل المتلقي وهو ليس كذلك حتما .
2 - واقعيا كما تتبناه الحكاية الشعبية فالرجل ذو الأذن المقطوعة اصبح أسطورة حكواتية نبتت في جحيم الصحراء مثل كثير من الحكايات الشعبية لأنها المشاع خصب لتنامي الخيال وتوالد (الرواية) ، والحكاية في الصحراء تجسيد للصراع القائم بين قوى الخير والشر حيث البطل يدخل في صراع مع كائنات تنتمي إلى عوالم غريبة كعالم الجن التي تحضر قريبا من الخيمة، وفي العراء يصارع حيوانات لا تنفصل عن بيئة الصحراء (غزلان أفاعي، ضباع، ذئاب) كما قد يكون حيوانات خيالية أو حتى بها بيئة الصحراء التي تلبس الحكايات لباسا فضفاضا من الخوارق وقد تشربت الحكاية الشعبية بكثير منها وهذا ما يدون لها سفرا خالدا على مر العصور والأزمنة لأنها تحرك مخيال الإنسان وتجعله مقابلا تماما لمفاجأة منتظرة تبلغ أحيانا حيز التصديق الذي يجلب على الإعجاب والخوف أحيانا ، وتلعب الشخصية الرئيسية في الحكاية الخارقة الدور الأكمل في جذب القارئ وتحفيزه لسبر غوره والاندماج بعالمه السحري الخاص ليصبح لهذه الشخصية حضورها المرتبط بوظيفتها ضمن المسار الحكائي، فالبطل شخصية محورية وتجب فيها الصفات التالية : الإقدام والجرأة على خوض المغامرة وركوب الخطر. وهي شخصية فريدة (في الحكاية الاجتماعية ) يحترمها القارئ وترسخ في مخيلته لما تمتلكه من جسد إنساني قوي كما تمنحه الطبيعة الذكاء والجمال والمساعدة . وبالتالي فالبطل متفوق على بقية الشخصيات. ولعل عالم هوليود قد قدرت ثراء هذه الشخصيات الأسطورية ليستلهمها في أعمال فتقت ذائقة العالم الغربي للإقبال عليها مثل فيلم كونن البربري ,حصان طروادة , والدمية ,روبن هود , وشيفرة دافينشي وملك الخواتم , والقلب الشجاع , وأخيرا فيلما 300 وقراصنة الكاريبي هذه الأفلام المأخوذة في مجملها من روايات شهيرة اتكأت على مر العصور على ذلك الخيال المتنامي لإثارة التشويق والجاذبية وبالإضافة إلى القوة الخارقة كما ضمت رموزاً نابضة بالحياة لتقريبها إلى الوجدان الشعبي والمعايشة الفكرية، في الوقت الذي يشوه فيه المحيميد هذه القيمة الشعبية , ويسخر منها , بلا احترام أو تقدير للموروث الشعبي , فالكتابة الإبداعية الحقيقية المستلهمة للحكاية الشعبية مسؤولة عن هذا الوجدان ويجب أن تنقله بأمانة وجدية بلا تحريف يخرجها عن مسارها التاريخي , بما يضمن للرواية مصداقية وللروائي قدرة إبداعية متى استطاع توظيفها بما يخدم غاياته , عن أهدافها كل كتابة جادة هادفة لابد آن تعلن عن أهدافها ضمن مسارها الإبداعي، بجعلها إحدى أركان النص المسقط بذكاء على قضايا المجتمع المختلفة عبر صور جمالية مقبولة . فشلت فخاخ الرائحة في إعادة تصنيع بطولة البدوي حيث تكون فيها من أسلاب مشاعر وأحاسيس دونية بسبب أذنه المنزوعة , ويتمنى أن يقايض عليها بقبيلته , وهذا مالا تقبله النزعة البدوية الصلفة في تعاملها مع الأشياء كما أسلفنا وفق مرجعيات غذته بها الصحراء , بلياليها الحالكة وجفائها وغدرها واستباحتها للذعر والخوف نفسه بما لا يبقي عند ابن الصحراء سوى العشق لعنفوانها و غدرها , بينما بدوي فخاخ الرائحة صنعت نموذجا لشخصية شوهاء , تتواجد على ذاتها وتجعل الكون في صحن أذن طراد . لتنقلب شخصية البدوي رأسا على عقب , فطراد شخصية بدوية مهزومة مترددة تعبث بها شخصيات الرواية العابرة على الرغم أنها مرت بتجربة شبه أسطورية , فلم تستلهم مقدراتها التجربية , وهذا الإسقاط الحكائي ميع شخصية الحدث العظيم في ذات طراد قاهر الطبيعة , والمنتصر على شراهة الذئب المفتوحة للفتك . لم يوظف بذكاء يحسب في صالح الكاتب , لأن القارئ بات في حيرة لا يدري ما الذي يطرحه هذا النص ؟
3 – سائق التاكسي الذي عبأ رحم فتاة سفاحا تورم بطنها به ولم يلتفت له أحد من الناس ، لتلد ناصر عبدالاله فاقد العين ليصبح ابن الحضانة ثم ابن بالتبني لإحدى سيدات المجتمع الرفيع كان ذلك قبل عتق العبيد سنه 1963 هـ وبسبب تصرفه البدائي غضبت عليه السيدة وأعادته فورا لدار الحضانة , بينما توفيق يذكر لنا أن طرده من جنة العمة كان تاليا لحملها المفاجئ فمن نصدق , ربما أراد الحكواتي ترك خيارات للموضوع
4- استعاد الحيميد الخبر الصحفي المنشور في الصحف السعودية قبل عامين اثر قيام شغالة فلبينية بالتحرش بأعضاء طفل صغير, كشف ذلك الأطباء الذين قاموا بتشخيص العلة التي كان يشكو منها الطفل , في أعضائه الجنسية . المحيميد في فخاخه ساق الحكاية نفسها باختلاف زمني ملحوظ , لأن شغالة الفخاخ الفلبينية التي تحرشت بأعضاء ناصر عبد الإله في دار الحضانة قد أقدمت على فعلتها النكراء عام 1960 تقريبا , أي قبيل خروج العبد توفيق من قصر العمة على خلفية قرار عتق الرقيق سنة 63 م , وبناء على مقايسات المنطق الزمني في الرواية , كان عمر ناصر تقريبا خمس سنوات . كما كشفت أحداث الرواية ذلك , ثم ما لهدف في إلصاق مثل هذه الحكايات في نص يفترض أن يأتي متسقا مع ذاته إلا بغية الإطالة فقط.
5- حكاية العبد توفيق المخصي الذي نقش حكايته من رواية سالم ود السما ولم يفلح في تنضيدها جيدا فيوم خرج من قصر العمة إلى الرياض عقب عتق العبيد عام 1963م باحثا عن عمل ؛ لم يجد , لأن ثم أناس يعبئون الأرصفة والأسواق وهم العمالة الآسيوية , والعمالة اللبنانية ,حكاية غريبة وأمر لا يرد على رأس عاقل أو حصيف . هؤلاء الذين لم تعرفهم السعودية إلا مع مطالع الثمنينات الميلادية وأقول ختاما : ليت المحيميد سكت حتى يعفي نصوصه من القراءات الفاحصة .. وليته احترم الأدب الذي اشتغل به حتى يقدم نصوصا جيدة .
عمان : خالد السلماوي
salamwe@maktoob.com
رابط رواية سالم ود السما على النت
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...101522050&rn=1
المشهد الروائي في السودان _
الأربعاء, 17 فبراير 2010
الاربعاء - جدة-جريدة المدينة السعودية
من الصعب أن نحدد بشكل دقيق مسار الرواية السودانية - نعني هنا الرواية بمعناها الحديث وليس القصص الشعبي الذي يعمر التراث السوداني بذخيرة متشعبة منه بمئات اللغات واللهجات لم يبذل جهد علمي شامل لجمعه حتى الآن، رغم بعض الجهود الفردية المبعثرة هنا وهناك، وأخشى أن يكون هذا التراث الشفوي الضخم في طريقه للاندثار لعدم التدوين، وانقطاع سلسلة تداوله من جيل إلى جيل بغروب شمس «الحبوبة» الحكاءة، تلك التي غربت بغروبها شمس مؤسّسة ثقافية كاملة بتعبير عبدالله علي إبراهيم في مقاله الملهم «الحبوبة غروب شمس مؤسسة ثقافية» المنشور بمجلة الدوحة بداية الثمانينيات - إذ هناك مدة زمنية تفصل عادة بين تاريخ كتابة الرواية، وتاريخ نشرها نسبة لإشكالات النشر المعقدة في السودان، ورفع الدولة يدها عن النشر الثقافي، وافتقار الكاتب السوداني إلى طريق ممهد لنشر إنتاجه، ولذا نجد أن الرواية قد تقبع سنوات في حوزة صاحبها قبل أن تجد طريقها إلى القراء، وآية ذلك أن أغلب الباحثين درجوا على اعتبار رواية «إنّهم بشر» للرائد خليل عبدالله الحاج الرواية السادسة في تاريخ الروايات السودانية باعتبار تاريخ صدورها وهو العام 1960، ولكن هذه الرواية كتبت سنة 1954، ولم يستطع صاحبها نشرها سوى في العام 1960 في القاهرة، وبذا فهي ثاني الروايات السودانية ريادةً بالتزامن مع رواية «هائم على الأرض أو رسائل الحرمان» للأديب بدوي عبدالقادر خليل الصادرة سنة 1954، ما لم تكن الأخيرة أيضًا قد كتبت قبل ذلك بسنوات، بل إننا نرجح أن تكون أول رواية سودانية وهي «تاجوج» لعثمان هاشم، والتي يؤرخ لها بالعام 1948، وهو عام صدورها قد كتبت قبل ذلك بسنوات.
الأمر الثاني أن عددا من الروايات الرائدة صدر دون تاريخ نشر مثل «الاختيار» للسر محمد طه، ورواية سميرة مصطفي «درر»ـ ولدت سنة 1936 ـ «عدالة السماء»، وكذلك «الابتسامة الأخيرة « لجعفر نصر، مما يصعّب علينا من مهمة وضع هذه الروايات في سياقها التاريخي، أو إعداد بيبلوغرافيا دقيقة ترصد الرواية السودانية عبر تاريخها.
أضف إلى ذلك أن العديد من الروايات السودانية الرائدة التي صدرت في الخمسينيات أو الستينيات، تعد في حكم المفقودة، ومن الصعب الحصول عليها، ونسخها غير موجودة بدار الوثائق السودانية أو المكتبات العامة، ويتطلب الأمر جهدًا للحصول عليها من بعض المكتبات الخاصة، بل إن متابعة الروايات السودانية الحديثة تعد أمرًا شاقًا ومكلفًا للباحث إذ ما من مكتبة عامة تجمع هذه الروايات، وتيسر سبيل الحصول عليها.
الرواية السودانية الأولى صدورًا هي «تاجوج» إذن للرائد عثمان هاشم وقد انطلق فيها الكاتب من التراث الشعبي السردي السوداني، وذلك باستثماره للقصة الشعبية ذائعة الصيت «غرام تاجوج والمحلّق»، وبيئة الرواية هي شرق السودان حيث تعيش قبيلة الحمران من قبائل البجة، وقبيلة الهدندوة المعروفة، وكانت تاجوج الحمرانية من أجمل النساء، وبها يضرب المثل في الجمال، وقد ذكرت بعض الروايات أنها عاشت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وكان المحلق فارس قبيلته الحمران، وقائد انتصاراتها على الهدندوة، ومتيمًا بابنة عمه تاجوج، ويتزوجها، لكن زواجه منها ينتهي نهاية مأساوية، وقد حاول محمد عثمان هاشم أن ينسج من هذه القصة الشعبية رواية حديثة اتضحت فيها براعته في حبك عقدة فراق «المحلّق» من «تاجوج» بعد أن تزوجها، كما اتضحت براعته في رسم النهاية المأساوية للعاشقين كما تجري قصص العشاق عادة.
ويمكن القول بشكل عام أن بداية الرواية السودانية كانت مشابهة لبداية الرواية العربية عمومًا، وذلك في اتخاذها المنحى العاطفي الرومانسي مسارًا لها، مثلما فعل محمّد حسين هيكل مثلا في روايته «زينب» الصادرة سنة 1914، ولكن الرواية السودانية ما لبثت أن اتخذت مسارًا واقعيًّا ذا علاقة وثيقة بحوار الذات مع المجتمع، وقضايا الصراع الاجتماعي، ومشاكل الطبقات الاجتماعية المختلفة، كما نجد عند خليل عبدالله الحاج في «إنهم بشر» الصادرة سنة 1960، وأبي بكر خالد في «بداية الربيع» 1958، و»النبع المر» 1966، وملكة الدار في «الفراغ العريض»، وقد اتسعت الرواية الأخيرة لمناقشة قضايا المرأة، وطبيعة نظرة المجتمع إليها في ذلك الوقت، والدفاع عن حقها في اختيار الزوج والعمل، وغيرها مما يعد بداية ناضجة للكتابة النسوية.
** الستينيات:
شهدت الستينات قفزة نوعية كبرى في الرواية السودانية، ففضلاً عن ظهور عدد واسع من الروايات السودانية من كتاب مختلفين، فإن الفتح الروائي الكبير الذي قاده الطيب صالح برواياته قد قفز بالرواية السودانية قفزة كبرى، وبسرعة احتل الطيب صالح (1928 ـ 2009 ) مكانه كواحد من أفضل الروائيين في العالم العربي والعالم.
وفي الستينيات أيضًا برزت أسماء روائية مثل السر حسن فضل في روايته «من أجل ليلى» الصادرة سنة 1960، وأمين محمد زين «لقاء عند الغروب» 1963، ومحمد مختار محمد في «سخرية الأقدار» 1967، وعبدالفتاح خضر في «صراع» 1968، وحسن أمين في «دغدغة الأمل» 1968، ولكن يمكن القول بشكل عام إن التيار الرومانسي بكل قصصه العاطفية الفاجعة ظل سائدًا عند أولئك الكُتّاب ابتداء من العنوان حتى آخر كلمة في الرواية، ولم ينج منه سوى إبراهيم إسحق في «حدث في قرية» 1969، والطيب صالح في مجمل أعماله، وأبي بكر خالد في «النبع المر» 1966، وعدد قليل من الروائيين.
** السبعينيات:
أما حقبة السبعينيات فقد شهدت بروز عدد من الأسماء ابتداء من الطيب صالح الذي واصل مشروعه الروائي «ضو البيت» و»مريود»، ثم إبراهيم إسحق الذي أصدر «أعمال الليل والبلدة» 1971، كما أصدر أبوبكر خالد «القفز فوق حائط قصير» 1976، وعمر الحميدي «جزيرة العوض» التي وصفها جمال محمد أحمد بأنها «رواية السبعينيات في العربية».
ويمكن أن نرصد في هذه الحقبة تراجع التيار الرومانسي الذي ظل يمارس سطوته على عدد من الروايات الستينية، وأضحت الواقعية بتياراتها العديدة: «الواقعية الاجتماعية، الواقعية الفنية، الواقعية النقدية،...» هي سيدة الموقف، كما يمكن أن نرصد في هذا العهد الانتباه العميق لخصوصية فن الرواية، فلم تعد كما كانت عدد من الستينيين عرضًا صريحًا فجًّا لآلام الذات وآمالها، وتعليقًا عاطفيًّا على أحداث الحياة، كما خفت الروح الخطابية والوعظية، وخفت تأوهات الذات وصراخها، وإن كانت الساحة الروائية لم تخل من الرومانسية تمامًا كما عند كتاب أمثال عبدالله خوجلي، وإبراهيم عبدالعزيز، وفؤاد عبدالعظيم.
** الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها:
برز جيل جديد في الثمانينيات، فبالإضافة إلى الذين واصلوا كتابة الرواية من الأجيال السابقة، برز روائيون أمثال إبراهيم بشير في «التراب والرحيل «1989، وبابكر علي ديومة في «الخرطوم وداعًا» 1985، وبشرى هباني في «مسرة» 1986، وغيرهم.
أما في التسعينيات وما بعدها فبالإضافة إلى إبراهيم إسحق الذي واصل فتوحاته الروائية فقد برز عدد كبير من الأسماء الجديدة أهمها: محمد الحسن البكري، أحمد حمد الملك، أمير تاج السر، عبد العزيز بركة ساكن، أبكر آدم إسماعيل، ليلى أبوالعلا، محسن خالد، علي الرفاعي، منصور الصويم..
وفي هذا الجيل يمكن أن نرصد تحوّلاً نوعيًّا في استخدام تقنيات الرواية، إذ انفتحت الرواية السودانية على الرواية العالمية شرقًا وغربًا، ولاسيما الرواية القادمة من أمريكا اللاتينية على يد غارثيا ماركيز، وجورج أمادو، وإيزابيل أليندي، وغيرهم.
ومن أهم السمات البنائية والدلالية في الرواية في هذا العهد:
* النقد الحاد للواقع مما ساد فيه من قيم اجتماعية، وتشريح البنية السياسية والاقتصادية للمجتمع مثلما نجد في روايات أبكر آدم إسماعيل، ومروان حامد في «الغنيمة والإياب»، و»مندكورو: برق وهلال»، وعمر عبّاس في «الجبخانة»، و إبراهيم سليم في «مسار الأسراب»، وأحمد حمد الملك في «الخريف يأتي مع صفاء».
* بناء الواقع الروائي على الحلم والمخيلة والواقعية السحرية كما نجد عند أحمد حمد الملك في «الفرقة الموسيقية» و»عصافير آخر أيام الخريف».
* مزج السيرة الذاتية بالرواية كما نجد عند أمير تاج السر في»نار الزغاريد» و»سماء بلون الياقوت» وغيرها.
* اللجوء الى التاريخ كاستعارة كبرى يستطيع الروائي من خلالها أن يفجّر أسئلة المشهد الراهن دون الوقوع في شرك المباشرة مثلما نجد عند محمّد الحسن البكري في «أحوال المحارب القديم» و»أهل البلاد الشاهقة» و»سمر الفتنة».
* استبطان الواقع المحلى وأسطرته في رواية تتخذ من المحلى مسارًا إلى الإنساني والكلي والكوني مثلما نجد عند إبراهيم إسحق في مجمل أعماله الروائية.
* الاشتغال على المهمّش اجتماعيًّا وإبراز بطولاته التي لا يكاد ينتبه إليها أحد، وإعادته إلى صدارة المشهد كما نجد عند منصور الصويم في روايته «ذاكرة شرير»، وأبكر آدم إسماعيل في مجمل أعماله الروائية.
* تقنية تعدد الرواة الذين يتناوبون على السرد من وجهات نظر مختلفة حول ذات المحكي مثلما نجد عند محمد بدوى حجازي في «باب الحياة».
الاربعاء - جدة-جريدة المدينة السعودية
من الصعب أن نحدد بشكل دقيق مسار الرواية السودانية - نعني هنا الرواية بمعناها الحديث وليس القصص الشعبي الذي يعمر التراث السوداني بذخيرة متشعبة منه بمئات اللغات واللهجات لم يبذل جهد علمي شامل لجمعه حتى الآن، رغم بعض الجهود الفردية المبعثرة هنا وهناك، وأخشى أن يكون هذا التراث الشفوي الضخم في طريقه للاندثار لعدم التدوين، وانقطاع سلسلة تداوله من جيل إلى جيل بغروب شمس «الحبوبة» الحكاءة، تلك التي غربت بغروبها شمس مؤسّسة ثقافية كاملة بتعبير عبدالله علي إبراهيم في مقاله الملهم «الحبوبة غروب شمس مؤسسة ثقافية» المنشور بمجلة الدوحة بداية الثمانينيات - إذ هناك مدة زمنية تفصل عادة بين تاريخ كتابة الرواية، وتاريخ نشرها نسبة لإشكالات النشر المعقدة في السودان، ورفع الدولة يدها عن النشر الثقافي، وافتقار الكاتب السوداني إلى طريق ممهد لنشر إنتاجه، ولذا نجد أن الرواية قد تقبع سنوات في حوزة صاحبها قبل أن تجد طريقها إلى القراء، وآية ذلك أن أغلب الباحثين درجوا على اعتبار رواية «إنّهم بشر» للرائد خليل عبدالله الحاج الرواية السادسة في تاريخ الروايات السودانية باعتبار تاريخ صدورها وهو العام 1960، ولكن هذه الرواية كتبت سنة 1954، ولم يستطع صاحبها نشرها سوى في العام 1960 في القاهرة، وبذا فهي ثاني الروايات السودانية ريادةً بالتزامن مع رواية «هائم على الأرض أو رسائل الحرمان» للأديب بدوي عبدالقادر خليل الصادرة سنة 1954، ما لم تكن الأخيرة أيضًا قد كتبت قبل ذلك بسنوات، بل إننا نرجح أن تكون أول رواية سودانية وهي «تاجوج» لعثمان هاشم، والتي يؤرخ لها بالعام 1948، وهو عام صدورها قد كتبت قبل ذلك بسنوات.
الأمر الثاني أن عددا من الروايات الرائدة صدر دون تاريخ نشر مثل «الاختيار» للسر محمد طه، ورواية سميرة مصطفي «درر»ـ ولدت سنة 1936 ـ «عدالة السماء»، وكذلك «الابتسامة الأخيرة « لجعفر نصر، مما يصعّب علينا من مهمة وضع هذه الروايات في سياقها التاريخي، أو إعداد بيبلوغرافيا دقيقة ترصد الرواية السودانية عبر تاريخها.
أضف إلى ذلك أن العديد من الروايات السودانية الرائدة التي صدرت في الخمسينيات أو الستينيات، تعد في حكم المفقودة، ومن الصعب الحصول عليها، ونسخها غير موجودة بدار الوثائق السودانية أو المكتبات العامة، ويتطلب الأمر جهدًا للحصول عليها من بعض المكتبات الخاصة، بل إن متابعة الروايات السودانية الحديثة تعد أمرًا شاقًا ومكلفًا للباحث إذ ما من مكتبة عامة تجمع هذه الروايات، وتيسر سبيل الحصول عليها.
الرواية السودانية الأولى صدورًا هي «تاجوج» إذن للرائد عثمان هاشم وقد انطلق فيها الكاتب من التراث الشعبي السردي السوداني، وذلك باستثماره للقصة الشعبية ذائعة الصيت «غرام تاجوج والمحلّق»، وبيئة الرواية هي شرق السودان حيث تعيش قبيلة الحمران من قبائل البجة، وقبيلة الهدندوة المعروفة، وكانت تاجوج الحمرانية من أجمل النساء، وبها يضرب المثل في الجمال، وقد ذكرت بعض الروايات أنها عاشت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وكان المحلق فارس قبيلته الحمران، وقائد انتصاراتها على الهدندوة، ومتيمًا بابنة عمه تاجوج، ويتزوجها، لكن زواجه منها ينتهي نهاية مأساوية، وقد حاول محمد عثمان هاشم أن ينسج من هذه القصة الشعبية رواية حديثة اتضحت فيها براعته في حبك عقدة فراق «المحلّق» من «تاجوج» بعد أن تزوجها، كما اتضحت براعته في رسم النهاية المأساوية للعاشقين كما تجري قصص العشاق عادة.
ويمكن القول بشكل عام أن بداية الرواية السودانية كانت مشابهة لبداية الرواية العربية عمومًا، وذلك في اتخاذها المنحى العاطفي الرومانسي مسارًا لها، مثلما فعل محمّد حسين هيكل مثلا في روايته «زينب» الصادرة سنة 1914، ولكن الرواية السودانية ما لبثت أن اتخذت مسارًا واقعيًّا ذا علاقة وثيقة بحوار الذات مع المجتمع، وقضايا الصراع الاجتماعي، ومشاكل الطبقات الاجتماعية المختلفة، كما نجد عند خليل عبدالله الحاج في «إنهم بشر» الصادرة سنة 1960، وأبي بكر خالد في «بداية الربيع» 1958، و»النبع المر» 1966، وملكة الدار في «الفراغ العريض»، وقد اتسعت الرواية الأخيرة لمناقشة قضايا المرأة، وطبيعة نظرة المجتمع إليها في ذلك الوقت، والدفاع عن حقها في اختيار الزوج والعمل، وغيرها مما يعد بداية ناضجة للكتابة النسوية.
** الستينيات:
شهدت الستينات قفزة نوعية كبرى في الرواية السودانية، ففضلاً عن ظهور عدد واسع من الروايات السودانية من كتاب مختلفين، فإن الفتح الروائي الكبير الذي قاده الطيب صالح برواياته قد قفز بالرواية السودانية قفزة كبرى، وبسرعة احتل الطيب صالح (1928 ـ 2009 ) مكانه كواحد من أفضل الروائيين في العالم العربي والعالم.
وفي الستينيات أيضًا برزت أسماء روائية مثل السر حسن فضل في روايته «من أجل ليلى» الصادرة سنة 1960، وأمين محمد زين «لقاء عند الغروب» 1963، ومحمد مختار محمد في «سخرية الأقدار» 1967، وعبدالفتاح خضر في «صراع» 1968، وحسن أمين في «دغدغة الأمل» 1968، ولكن يمكن القول بشكل عام إن التيار الرومانسي بكل قصصه العاطفية الفاجعة ظل سائدًا عند أولئك الكُتّاب ابتداء من العنوان حتى آخر كلمة في الرواية، ولم ينج منه سوى إبراهيم إسحق في «حدث في قرية» 1969، والطيب صالح في مجمل أعماله، وأبي بكر خالد في «النبع المر» 1966، وعدد قليل من الروائيين.
** السبعينيات:
أما حقبة السبعينيات فقد شهدت بروز عدد من الأسماء ابتداء من الطيب صالح الذي واصل مشروعه الروائي «ضو البيت» و»مريود»، ثم إبراهيم إسحق الذي أصدر «أعمال الليل والبلدة» 1971، كما أصدر أبوبكر خالد «القفز فوق حائط قصير» 1976، وعمر الحميدي «جزيرة العوض» التي وصفها جمال محمد أحمد بأنها «رواية السبعينيات في العربية».
ويمكن أن نرصد في هذه الحقبة تراجع التيار الرومانسي الذي ظل يمارس سطوته على عدد من الروايات الستينية، وأضحت الواقعية بتياراتها العديدة: «الواقعية الاجتماعية، الواقعية الفنية، الواقعية النقدية،...» هي سيدة الموقف، كما يمكن أن نرصد في هذا العهد الانتباه العميق لخصوصية فن الرواية، فلم تعد كما كانت عدد من الستينيين عرضًا صريحًا فجًّا لآلام الذات وآمالها، وتعليقًا عاطفيًّا على أحداث الحياة، كما خفت الروح الخطابية والوعظية، وخفت تأوهات الذات وصراخها، وإن كانت الساحة الروائية لم تخل من الرومانسية تمامًا كما عند كتاب أمثال عبدالله خوجلي، وإبراهيم عبدالعزيز، وفؤاد عبدالعظيم.
** الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها:
برز جيل جديد في الثمانينيات، فبالإضافة إلى الذين واصلوا كتابة الرواية من الأجيال السابقة، برز روائيون أمثال إبراهيم بشير في «التراب والرحيل «1989، وبابكر علي ديومة في «الخرطوم وداعًا» 1985، وبشرى هباني في «مسرة» 1986، وغيرهم.
أما في التسعينيات وما بعدها فبالإضافة إلى إبراهيم إسحق الذي واصل فتوحاته الروائية فقد برز عدد كبير من الأسماء الجديدة أهمها: محمد الحسن البكري، أحمد حمد الملك، أمير تاج السر، عبد العزيز بركة ساكن، أبكر آدم إسماعيل، ليلى أبوالعلا، محسن خالد، علي الرفاعي، منصور الصويم..
وفي هذا الجيل يمكن أن نرصد تحوّلاً نوعيًّا في استخدام تقنيات الرواية، إذ انفتحت الرواية السودانية على الرواية العالمية شرقًا وغربًا، ولاسيما الرواية القادمة من أمريكا اللاتينية على يد غارثيا ماركيز، وجورج أمادو، وإيزابيل أليندي، وغيرهم.
ومن أهم السمات البنائية والدلالية في الرواية في هذا العهد:
* النقد الحاد للواقع مما ساد فيه من قيم اجتماعية، وتشريح البنية السياسية والاقتصادية للمجتمع مثلما نجد في روايات أبكر آدم إسماعيل، ومروان حامد في «الغنيمة والإياب»، و»مندكورو: برق وهلال»، وعمر عبّاس في «الجبخانة»، و إبراهيم سليم في «مسار الأسراب»، وأحمد حمد الملك في «الخريف يأتي مع صفاء».
* بناء الواقع الروائي على الحلم والمخيلة والواقعية السحرية كما نجد عند أحمد حمد الملك في «الفرقة الموسيقية» و»عصافير آخر أيام الخريف».
* مزج السيرة الذاتية بالرواية كما نجد عند أمير تاج السر في»نار الزغاريد» و»سماء بلون الياقوت» وغيرها.
* اللجوء الى التاريخ كاستعارة كبرى يستطيع الروائي من خلالها أن يفجّر أسئلة المشهد الراهن دون الوقوع في شرك المباشرة مثلما نجد عند محمّد الحسن البكري في «أحوال المحارب القديم» و»أهل البلاد الشاهقة» و»سمر الفتنة».
* استبطان الواقع المحلى وأسطرته في رواية تتخذ من المحلى مسارًا إلى الإنساني والكلي والكوني مثلما نجد عند إبراهيم إسحق في مجمل أعماله الروائية.
* الاشتغال على المهمّش اجتماعيًّا وإبراز بطولاته التي لا يكاد ينتبه إليها أحد، وإعادته إلى صدارة المشهد كما نجد عند منصور الصويم في روايته «ذاكرة شرير»، وأبكر آدم إسماعيل في مجمل أعماله الروائية.
* تقنية تعدد الرواة الذين يتناوبون على السرد من وجهات نظر مختلفة حول ذات المحكي مثلما نجد عند محمد بدوى حجازي في «باب الحياة».
تقولي شنو- سيد احمد الحاردلو
تقول لِى شنو
-1-
تقول لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-2-
أنحنَا السَّاسْ
ونَحنا الرَّاسْ
ونحن الدّنيا جبناهَا
وبَنيناها..
بِويت ..فى بِويتْ
وأسْعل جدى ترهاقَا
وخلى الفَاقة .. والقَاقا
-3-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-4-
تَالا أبوى .. بعنخى لَزَمْ
وتَالا اللُمْ..أَبوىْ أوْلبَابْ
وأمى مهيرة بتْ عبودْ
وأخويا المهدى ..سيد السيفْ
والخلى النصارى تقيفْ
هناك ..فى القيفْ ،
-5-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-6-
ونحن الشينْ
ونحن الزينْ
ونحن العقبه والعتمور
ونحن القِبله .. والقرعانْ
ونحن الشانْ
ونحن النانْ
أتينا عشانْ
نسوى الدّنيا للإنسانْ
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-8-
ونحن الصّافى
والوَافى ،
ونحن الشّافى
والكافِى ،
ونحن الزادْ
ونحن العِينه
والزِيّنه ،
ونحن – يمين – أهالينا
أهلى سرورْ
ووكَتين ينزل المستورْ
تَرَانَه النور
-9-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-10-
ونحن الجبنه واللبريقْ
ونحن قداحنا سَاوات ضيقْ
ونحن بيوتنا مفتوحاتْ
مَسَاىْ .. وَصباحْ
ونحن وشُوشنا
مطروحاتْ
مَسَاىْ وصباحْ
ونحن السَمحه
والقَمحه
ونحن الطله .. واللمحه ،
ونحن الصِيدْ
ونحن العيدْ ،
-11-
تقولى لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-12-
ونحن عُزَازْ
ونحن حَرَازْ
ونحن هَشَابْ
ونحن قُمُوحْ
ونحن تُمُورْ
ونحن عُيُوشْ
ونحن النيلْ
وَكضَاب – يا زويل – منْ قالْ
إنّك .. تانى لينا متيلْ ،
تقولى لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-13-
ونحن الحَجه والتوبه ،
ونحن الهِجره .. والأوبه ،
ونحن كُتَارْ
ونحن كُبَارْ ،
ونحن – يمين – جُمَال الشيلْ
ونحن – يمين –نَضِمنا قليلْ ،
-14-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-15-
ونحن مِحايه
نحن طِرايه
نحن فِدايه
نحن سِمايه
نحن حجاب
ونحن اللوحْ
ونحن شَرَافه فى الدنيا
ونحن كِتاب عِلمْ مفتوحْ
على كل البُلودات ..نُورْ ،
ونحن – يمين – مَداين نورْ ،
ووشنا نورْ ،
-16-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-17-
ونحن الحِنه والجرتقْ
ونحن الزفه والسيره ،
ونحن ..أبشرى والشبال ،
ونحن السَىْ
ونحن الوَىْ
ونحن الرقبه .. والتُمْ تُمْ
ونحن اللَمْ ..
يكون فى الدنيا ..متلنا ..لمْ
-18-
تقولى لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-19-
ونحن العَاجْ
ونحن الصَاجْ
ونحن البوشْ
ونحن الحوشْ
ونحن الناسْ
وكتين الديارا ..يباس
وإن درت العديل والزين
تعال يا زول ،
وإن كست الكعب والشين
أرح .. يا زول
-20-
تقولى لى شنو
وتقول لى منو ،
-21-
ونحن السورْ
ونحن الحُورْ ،
ونحن بناتنا محروساتْ
ونحن وِلادنا ضُلالاتْ
ونحن أُماتنا ياهِنْ ..ديلْ ،
وجِيب ورينى زيىِّ منو ،
وتقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-22-
ونحن فَزَعْ
ونحن وجَعْ
ونحن اليُمه ..واليَابَا
ونحن أريتو بالتَابَه ،
ونحن – يمين – إذا حَرّتْ ،
نخلى الواطه ..رُقَابه ،
-23-
تقولى لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-24-
ونحن زَغَاوه والعطرونْ
ونحن الدُونَا ..مافيشُ دونُ
ونحن وِلاد مَلك خِرتيتْ
وسَابَ الجرْ
وحجَر السِكه ،
والتاكا ،
وسيّدنا الفى الجبل ..دَاكَا
ونحن – يمين – نضِمنا كُتُرْ
وشيَتنا كُتُرْ
وأسعَل ناس كَرن والطُورْ ،
وأسعَل كَررى .. والعَتْمُورْ
وأسعل – يا جنَاَ – الخرتُومْ ،
وشوف كيفن زعلنا كُتُرْ ،
وشوف كيفن فرحنا كُتُرْ ،
أنحنا الـ للرجال خُوسَه ،
ونحن –يمين – جِنَات موسى ،
-25-
تقولى لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-26-
ونحن الدوكه
والضُلاله ، والدونكه ،
ونحن الدانقه ،
والراكوبه ، والواطه ،
ونحن الفَكَه
والشِبكَه
ونحن الحجزه .. والعكَه ،
ونحن الجُودْ ،
ونحن أسودْ ،
ونحن النَانْ ،
حديثنا إذا أرِدتو رُطَانْ
وحين دايرين ..نسوى بَيَانْ ،
-27-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-28-
ونحن الخَلوهَ والدايره ،
ونحن تَكيه العايره ،
ونحن الضُّلْ ،
ونحن الكُلْ ،
ونحن سبيل غريب الليلْ ،
ونحن صباح مسافر الليلْ ،
ونحن فَنَاجرةَ الدّنيا ،
ونحن حَبَابْ
حديثنا حَبَابْ
تعال شَرِف .. وشوفنى منو ،
وتقولِى شنو ،
وتقولِى منو ،
-29-
أقيف لِسَعْ
وأقيف وأسمعْ ،
ونحن صديرى منضوم ويلْ
ونحن القَرمصيص ..بلحيلْ ،
ونحن التوبْ
ونحن الووبْ
وناس حبوبْ
وناس حَرّمْ
ونحن إذا رأينا كبيرْ
نقيف طولنا ..ونقولْ لُه ..حَبَابْ
ونديه البُكَان ..ترحابْ
ونحن. اليَانَا ديل .. يا زولْ
وتسعلنى .. وتقول لِى منو
وتقولِى شنو ،
-30-
أقيف لسعْ
وأقيف .. وأسمعْ
ونحن التَايَهْ
والاندايَهْ
والزِريعهْ
والعيزومهْ
واتفضلْ ،
ونحن الرايَه مرفُوعه
ونحن الكُلفَه مرفُوعه
ونحن حلفتَ ... مدفوعه
-31-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-32-
وأما عجيبْ
وأما غريبْ ،
وأقيف لسعْ
وأقيف .. وأسمعْ ،
-33-
أنا الكَعَب البسوى الويلْ
وأنا الزول السَمِحْ ..بلحيل ،
وداير ..منَِّهُمْ .. يَاتُو ..،
تقولى لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-1-
تقول لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-2-
أنحنَا السَّاسْ
ونَحنا الرَّاسْ
ونحن الدّنيا جبناهَا
وبَنيناها..
بِويت ..فى بِويتْ
وأسْعل جدى ترهاقَا
وخلى الفَاقة .. والقَاقا
-3-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-4-
تَالا أبوى .. بعنخى لَزَمْ
وتَالا اللُمْ..أَبوىْ أوْلبَابْ
وأمى مهيرة بتْ عبودْ
وأخويا المهدى ..سيد السيفْ
والخلى النصارى تقيفْ
هناك ..فى القيفْ ،
-5-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-6-
ونحن الشينْ
ونحن الزينْ
ونحن العقبه والعتمور
ونحن القِبله .. والقرعانْ
ونحن الشانْ
ونحن النانْ
أتينا عشانْ
نسوى الدّنيا للإنسانْ
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-8-
ونحن الصّافى
والوَافى ،
ونحن الشّافى
والكافِى ،
ونحن الزادْ
ونحن العِينه
والزِيّنه ،
ونحن – يمين – أهالينا
أهلى سرورْ
ووكَتين ينزل المستورْ
تَرَانَه النور
-9-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-10-
ونحن الجبنه واللبريقْ
ونحن قداحنا سَاوات ضيقْ
ونحن بيوتنا مفتوحاتْ
مَسَاىْ .. وَصباحْ
ونحن وشُوشنا
مطروحاتْ
مَسَاىْ وصباحْ
ونحن السَمحه
والقَمحه
ونحن الطله .. واللمحه ،
ونحن الصِيدْ
ونحن العيدْ ،
-11-
تقولى لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-12-
ونحن عُزَازْ
ونحن حَرَازْ
ونحن هَشَابْ
ونحن قُمُوحْ
ونحن تُمُورْ
ونحن عُيُوشْ
ونحن النيلْ
وَكضَاب – يا زويل – منْ قالْ
إنّك .. تانى لينا متيلْ ،
تقولى لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-13-
ونحن الحَجه والتوبه ،
ونحن الهِجره .. والأوبه ،
ونحن كُتَارْ
ونحن كُبَارْ ،
ونحن – يمين – جُمَال الشيلْ
ونحن – يمين –نَضِمنا قليلْ ،
-14-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-15-
ونحن مِحايه
نحن طِرايه
نحن فِدايه
نحن سِمايه
نحن حجاب
ونحن اللوحْ
ونحن شَرَافه فى الدنيا
ونحن كِتاب عِلمْ مفتوحْ
على كل البُلودات ..نُورْ ،
ونحن – يمين – مَداين نورْ ،
ووشنا نورْ ،
-16-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-17-
ونحن الحِنه والجرتقْ
ونحن الزفه والسيره ،
ونحن ..أبشرى والشبال ،
ونحن السَىْ
ونحن الوَىْ
ونحن الرقبه .. والتُمْ تُمْ
ونحن اللَمْ ..
يكون فى الدنيا ..متلنا ..لمْ
-18-
تقولى لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-19-
ونحن العَاجْ
ونحن الصَاجْ
ونحن البوشْ
ونحن الحوشْ
ونحن الناسْ
وكتين الديارا ..يباس
وإن درت العديل والزين
تعال يا زول ،
وإن كست الكعب والشين
أرح .. يا زول
-20-
تقولى لى شنو
وتقول لى منو ،
-21-
ونحن السورْ
ونحن الحُورْ ،
ونحن بناتنا محروساتْ
ونحن وِلادنا ضُلالاتْ
ونحن أُماتنا ياهِنْ ..ديلْ ،
وجِيب ورينى زيىِّ منو ،
وتقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-22-
ونحن فَزَعْ
ونحن وجَعْ
ونحن اليُمه ..واليَابَا
ونحن أريتو بالتَابَه ،
ونحن – يمين – إذا حَرّتْ ،
نخلى الواطه ..رُقَابه ،
-23-
تقولى لِى شنو
وتقولى لِى منو ،
-24-
ونحن زَغَاوه والعطرونْ
ونحن الدُونَا ..مافيشُ دونُ
ونحن وِلاد مَلك خِرتيتْ
وسَابَ الجرْ
وحجَر السِكه ،
والتاكا ،
وسيّدنا الفى الجبل ..دَاكَا
ونحن – يمين – نضِمنا كُتُرْ
وشيَتنا كُتُرْ
وأسعَل ناس كَرن والطُورْ ،
وأسعَل كَررى .. والعَتْمُورْ
وأسعل – يا جنَاَ – الخرتُومْ ،
وشوف كيفن زعلنا كُتُرْ ،
وشوف كيفن فرحنا كُتُرْ ،
أنحنا الـ للرجال خُوسَه ،
ونحن –يمين – جِنَات موسى ،
-25-
تقولى لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-26-
ونحن الدوكه
والضُلاله ، والدونكه ،
ونحن الدانقه ،
والراكوبه ، والواطه ،
ونحن الفَكَه
والشِبكَه
ونحن الحجزه .. والعكَه ،
ونحن الجُودْ ،
ونحن أسودْ ،
ونحن النَانْ ،
حديثنا إذا أرِدتو رُطَانْ
وحين دايرين ..نسوى بَيَانْ ،
-27-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-28-
ونحن الخَلوهَ والدايره ،
ونحن تَكيه العايره ،
ونحن الضُّلْ ،
ونحن الكُلْ ،
ونحن سبيل غريب الليلْ ،
ونحن صباح مسافر الليلْ ،
ونحن فَنَاجرةَ الدّنيا ،
ونحن حَبَابْ
حديثنا حَبَابْ
تعال شَرِف .. وشوفنى منو ،
وتقولِى شنو ،
وتقولِى منو ،
-29-
أقيف لِسَعْ
وأقيف وأسمعْ ،
ونحن صديرى منضوم ويلْ
ونحن القَرمصيص ..بلحيلْ ،
ونحن التوبْ
ونحن الووبْ
وناس حبوبْ
وناس حَرّمْ
ونحن إذا رأينا كبيرْ
نقيف طولنا ..ونقولْ لُه ..حَبَابْ
ونديه البُكَان ..ترحابْ
ونحن. اليَانَا ديل .. يا زولْ
وتسعلنى .. وتقول لِى منو
وتقولِى شنو ،
-30-
أقيف لسعْ
وأقيف .. وأسمعْ
ونحن التَايَهْ
والاندايَهْ
والزِريعهْ
والعيزومهْ
واتفضلْ ،
ونحن الرايَه مرفُوعه
ونحن الكُلفَه مرفُوعه
ونحن حلفتَ ... مدفوعه
-31-
تقول لِى شنو
وتقول لِى منو ،
-32-
وأما عجيبْ
وأما غريبْ ،
وأقيف لسعْ
وأقيف .. وأسمعْ ،
-33-
أنا الكَعَب البسوى الويلْ
وأنا الزول السَمِحْ ..بلحيل ،
وداير ..منَِّهُمْ .. يَاتُو ..،
تقولى لِى شنو
وتقول لِى منو ،
علي كيفي
على كيفي ...
أرقع جبتي أولا أرقعها..
أطرزها من الالوب .. ألبسها على المقلوب.
أخلعها .. على كيفي .
أنا لم أنتخب أحدا...
وما بايعت بعد محمد رجلا .
ولا صفقت للزيف ..
لماذا أعلنوا صوري؟
لماذا صادروا سيفي..؟
أنا ما قلت شيئا بعد حتى الآن ..
حتى الآن أسلك أضعف الايمان..
ما أعلنت ما أسررت ما جاوزت في الأوبات ..
سرعة زورة الطيف
أهرول بين تحقيقين أصمت عن خراب الدار ..
عن غيظ مراجله تفك مراجل الجوف
سئمت هشاشة الترميز
ما بعد الزبى يا سيل من شيء ..
لمن يا طبل والخرطوم غائبة و أمدرمان والنيلان يختلفان ..
والأطفال في الخيران والحرب الدمار الجوع !
كيف الحال ؟ لا تسأل عن الكيف ..
حبيبي أنت يا وطن النجوم الزهر .. سلهم كيف ؟
سل عني ..
لماذا لم يخلوني على كيفي ..؟
أنا والله ضد نخاسة الأحرار باسم الدين ..
ضد الضد والضدين ...
ضد جهاز خوف الأمن .. ضد الأمن بالخوف ..
...
أنا في هذه الدنيا على كيفي ..
إلى أن تكمل الأشراط دورتها .
بمهدي حقيقي لينقذنا من الدجال والتمثال .
والإشراك والحيف
سأبقى ما حييت أنا على كيفي
إلى أن تطهر الدنيا وينزل سيدي عيسى
لأن طريقتي في الحب يا وطني
على كيفي
أرقع جبتي أولا أرقعها..
أطرزها من الالوب .. ألبسها على المقلوب.
أخلعها .. على كيفي .
أنا لم أنتخب أحدا...
وما بايعت بعد محمد رجلا .
ولا صفقت للزيف ..
لماذا أعلنوا صوري؟
لماذا صادروا سيفي..؟
أنا ما قلت شيئا بعد حتى الآن ..
حتى الآن أسلك أضعف الايمان..
ما أعلنت ما أسررت ما جاوزت في الأوبات ..
سرعة زورة الطيف
أهرول بين تحقيقين أصمت عن خراب الدار ..
عن غيظ مراجله تفك مراجل الجوف
سئمت هشاشة الترميز
ما بعد الزبى يا سيل من شيء ..
لمن يا طبل والخرطوم غائبة و أمدرمان والنيلان يختلفان ..
والأطفال في الخيران والحرب الدمار الجوع !
كيف الحال ؟ لا تسأل عن الكيف ..
حبيبي أنت يا وطن النجوم الزهر .. سلهم كيف ؟
سل عني ..
لماذا لم يخلوني على كيفي ..؟
أنا والله ضد نخاسة الأحرار باسم الدين ..
ضد الضد والضدين ...
ضد جهاز خوف الأمن .. ضد الأمن بالخوف ..
...
أنا في هذه الدنيا على كيفي ..
إلى أن تكمل الأشراط دورتها .
بمهدي حقيقي لينقذنا من الدجال والتمثال .
والإشراك والحيف
سأبقى ما حييت أنا على كيفي
إلى أن تطهر الدنيا وينزل سيدي عيسى
لأن طريقتي في الحب يا وطني
على كيفي
أتطلع لامرأة نخلة
الشاعر :محي الدين الفاتح
وأنا طفل يحبو
لا أذكر كنت أنا يوما طفلاً يحبو
لا أذكر كنت أنا شيئاً بل قل شبحا يمشي يكبو
قدأذكر لي سنوات ست
ولبضع شهور قد تربو
أتفاعل في كل الأشياء
أتساءل عن معنى الأسماء
والنفس الطفلة كم تشتط لما تصبو
في يوم ما ... إزدحمت فيه الأشياء
أدخلنا أذكر في غرفة
لا أعرف كنت لها إسماً
لكني أدركها وصفا
كبرت جسماً ... بهتت رسماً ... عظمت جوفاً... بعدت سقفاً
وعلى أدراج خشبية كنا نجلس صفاً صفا
والناظرُ جاء ... وتلى قائمة الأسماء
وأشار لأفخرنا جسداً أن كن ألفة ... كان الألفة
أتذكرهُ إن جلس فمجلسه أوسع
إن قام فقامته أرفع
إن فهم فأطولنا إصبع
ولذا فينا كان الألفة
كم كان كثيراً لا يفهم
لكن الناظر لا يرحم
من منا خطأهُ الألفة
كنا نهديه قطع العملة و الحلوى
لتقربنا منه زلفى
مضت الأيام ... و مضت تتبعها الأعوام
أرقاماً خطتها الأقلام
انفلتت بين أصابعنا
و سياط الناظر تتبعنا
و اللحم لكم و العظم لنا
و مخاوفنا تكبر معنا
السوط الهاوي في الأبدان ضرباً... رهباً ... رعباً ... عنفا
الباعث في كل جبان هلعاً ... وجعاً ... فزعاً ... خوفا
و الصوت الداوي في الآذان شتماً ... قذفا
نسيتنا الرحمة لو ننسى يوماً رقماً
أو نسقط في حين حرفا
و المشهد دوماً يتكرر
و تكاد سهامي تتكسر
لكأني أحرث إذ أبحر
لا شط أمامي لا مرفأ
و جراحي كمصاب السكر
لا تهدأ بالا لا تفتر
لا توقف نزفاً لا تشفى
**********
و غدت تُخرسنا الأجراس
و تكتم فينا الأنفاس
و تبعثرنا فكراً حائر
للناظر منا يترأى وهماً في العين له الناظر
في الفصل على الدرب و في البيت
يشقينا القول كمثل الصمت
الصوت إذا يعلو فالموت
فانفض بداخلنا السامر
و انحسرت آمال الآتي
من وطأة آلام الحاضر
لكني أذكر في مرة
من خلف عيون الرقباء
كنا ثلة ... قادتها الحيرة ذات مساء
للشاطئ في يوم ما
إذ قامت في الضفة نخلة
تتعالى رغم الأنواء
تتراقص في وجه الماء
فإذا من قلتنا قلة
ترمي الأحجار إلى الأعلى
نرمي حجراً ... تلقي ثمراً
نرمي حجراً ... تلقي ثمراً
حجراً ... ثمراً ... حجراً ... ثمراً
مقدار قساوتنا معطاء
يا روعة هاتيك النخلة
كنا نرنو كانت تدنو و بنا تحنو
تهتز و ما فتأت جزلى
من ذاك الحين و أنا مفتون بالنخلة
و الحب لها و ليوم الدين
مطبوع في النفس الطفلة
**********
مضت السنوات و لها في قلبي خطرات
صارت عندي مثلاً أعلى
يجذبني الدرس إذا دارت القصة فيه عن النخلة
و يظل بقلبيي يترنم
الوحي الهاتف يا مريم
أن هزي جزع النخلة
في أروع لحظة ميلاد
خُطت في الأرض لها دولة
و مضت الأيام ... جفت صحف رفعت أقلام
فإذا أيام الدرس المرة مقضية
و بدأنا نبحث ساعتها عن وهم يدعى الحرية
كانت حلم راودني و النفس صبية
تتعشق لو تغدو يوما نفساً راضية مرضية
تتنسم أرج الحرية
وكدت أساق إلى الإيمان
أن الإنسان قد أوجد داخل قضبان
و البعض على البعض السجان
في سجن يبدو أبديا
فالناظر موجود أبداً في كل زمان و مكان
فتهيأ لي أن الدنيا تتهيأ أخرى للطوفان
و أنا إذ أمشي أتعثر
لكأني أحرث إذ أبحر
لا شط أمامي لا مرفأ
و جراحي كمصاب السكر
لا تهدأ بالاً لا تفتر
لا توقف نزفاً لا تشفى
************
أعوام تغرب عن عمري و أنا أكبر
لأفتش عن ضلعي الأيسر
و تظل جراحي مبتلة
تتعهد قلبي بالسقيا
أتطلع لامرأة نخلة
تحمل عني ثقل الدنيا
تمنحني معنى أن أحيا
أتطلع لامرأة نخلة
لتجنب أقدامي الذلة
و ذات مساء و بلا ميعاد كان الميلاد
و تلاقينا ما طاب لنا من عرض الأرض تساقينا
و تعارفنا ... و تدانينا ... و تآلفنا ... و تحالفنا
لعيون الناس تراءينا
لا يُعرف من يدنو جفنا منا و من يعلو عينا
و تشاركنا ... و تشابكنا
كخطوط الطول إذا التفت بخطوط العرض
كوضوء سنته اندست في جوف الفرض
كانت قلباً و هوانا العرق فكنت الأرض
و أنا ظمأن جادتني حباً و حنان
اروتني دفاً و أمان
كانت نخلة تتعالى فوق الأحزان
وتطل على قلبي حبلى
بالأمل الغض الريان
و تظل بأعماقي قبلة
تدفعني نحوالإيمان
كانت لحناً عبر الأزمان
يأتيني من غور التاريخ
يستعلي فوق المريخ
صارت تملأني في صمتي
و إذا حدثت أحس لها ترنيمة سعد في صوتي
أتوجس فيها إكسيرا
أبداً يحيني من صمتي
و بذات مساء و بلا ميعاد أو عد
إذ كان لقاء الشوق يشد من الأيدي
فتوقف نبض السنوات
في أقسى أطول لحظات
تتساقط بعض الكلمات
تنفرط كحبات العقد
فكان وداع دون دموع كان بكاء
لا فارق أجمل ما عندي
و كان قضاء أن تمضي
أن أبقى وحدي
لكني باق في عهدي
فهواها قد أضحى قيدي
و بدت سنوات تلاقينا من قصر في عمرهلال
لقليل لوح في الآفاق
كظلال سحاب رحال
كندى الأشجار على الأوراق
يتلاشى عند الإشراق
لكنا رغم تفرقنا
يجمعنا شيءٌ في الأعماق
نتلاقى دوماً في استغراق
في كل حكايا الأبطال
نتلاقى مثل الأشواق
تستبق بليل العشاق
نتلاقى في كل سؤال يبدو بعيون الأطفال
و لئن ذهبت سأكون لها و كما قالت
فبقلبي أبداً ما زالت
ريحاً للغيمة تدفعها حتى تمطر
ماءً للحنطة تسقيها حتى تثمر
ريقاً للوردة ترعاها حتى تزهر
أمناً للخائف و المظلوم
عوناً للسائل والمحروم
فلن ذهبت فلقد صارت
عندي جرحاً يوري قدحاً
يفلق صبحاً يبني صرحاً
لأكون بها إيقاعاً من كل غناء
لو يصحو ليل الأحزان
و خشوعاً في كل دعاء
يسعى لعلو الإيمان
ترنيماً في كل حداء
من أجل نماء الإنسان
من أجل بقاء الإنسان
من أجل إخاء الإنسان
وأنا طفل يحبو
لا أذكر كنت أنا يوما طفلاً يحبو
لا أذكر كنت أنا شيئاً بل قل شبحا يمشي يكبو
قدأذكر لي سنوات ست
ولبضع شهور قد تربو
أتفاعل في كل الأشياء
أتساءل عن معنى الأسماء
والنفس الطفلة كم تشتط لما تصبو
في يوم ما ... إزدحمت فيه الأشياء
أدخلنا أذكر في غرفة
لا أعرف كنت لها إسماً
لكني أدركها وصفا
كبرت جسماً ... بهتت رسماً ... عظمت جوفاً... بعدت سقفاً
وعلى أدراج خشبية كنا نجلس صفاً صفا
والناظرُ جاء ... وتلى قائمة الأسماء
وأشار لأفخرنا جسداً أن كن ألفة ... كان الألفة
أتذكرهُ إن جلس فمجلسه أوسع
إن قام فقامته أرفع
إن فهم فأطولنا إصبع
ولذا فينا كان الألفة
كم كان كثيراً لا يفهم
لكن الناظر لا يرحم
من منا خطأهُ الألفة
كنا نهديه قطع العملة و الحلوى
لتقربنا منه زلفى
مضت الأيام ... و مضت تتبعها الأعوام
أرقاماً خطتها الأقلام
انفلتت بين أصابعنا
و سياط الناظر تتبعنا
و اللحم لكم و العظم لنا
و مخاوفنا تكبر معنا
السوط الهاوي في الأبدان ضرباً... رهباً ... رعباً ... عنفا
الباعث في كل جبان هلعاً ... وجعاً ... فزعاً ... خوفا
و الصوت الداوي في الآذان شتماً ... قذفا
نسيتنا الرحمة لو ننسى يوماً رقماً
أو نسقط في حين حرفا
و المشهد دوماً يتكرر
و تكاد سهامي تتكسر
لكأني أحرث إذ أبحر
لا شط أمامي لا مرفأ
و جراحي كمصاب السكر
لا تهدأ بالا لا تفتر
لا توقف نزفاً لا تشفى
**********
و غدت تُخرسنا الأجراس
و تكتم فينا الأنفاس
و تبعثرنا فكراً حائر
للناظر منا يترأى وهماً في العين له الناظر
في الفصل على الدرب و في البيت
يشقينا القول كمثل الصمت
الصوت إذا يعلو فالموت
فانفض بداخلنا السامر
و انحسرت آمال الآتي
من وطأة آلام الحاضر
لكني أذكر في مرة
من خلف عيون الرقباء
كنا ثلة ... قادتها الحيرة ذات مساء
للشاطئ في يوم ما
إذ قامت في الضفة نخلة
تتعالى رغم الأنواء
تتراقص في وجه الماء
فإذا من قلتنا قلة
ترمي الأحجار إلى الأعلى
نرمي حجراً ... تلقي ثمراً
نرمي حجراً ... تلقي ثمراً
حجراً ... ثمراً ... حجراً ... ثمراً
مقدار قساوتنا معطاء
يا روعة هاتيك النخلة
كنا نرنو كانت تدنو و بنا تحنو
تهتز و ما فتأت جزلى
من ذاك الحين و أنا مفتون بالنخلة
و الحب لها و ليوم الدين
مطبوع في النفس الطفلة
**********
مضت السنوات و لها في قلبي خطرات
صارت عندي مثلاً أعلى
يجذبني الدرس إذا دارت القصة فيه عن النخلة
و يظل بقلبيي يترنم
الوحي الهاتف يا مريم
أن هزي جزع النخلة
في أروع لحظة ميلاد
خُطت في الأرض لها دولة
و مضت الأيام ... جفت صحف رفعت أقلام
فإذا أيام الدرس المرة مقضية
و بدأنا نبحث ساعتها عن وهم يدعى الحرية
كانت حلم راودني و النفس صبية
تتعشق لو تغدو يوما نفساً راضية مرضية
تتنسم أرج الحرية
وكدت أساق إلى الإيمان
أن الإنسان قد أوجد داخل قضبان
و البعض على البعض السجان
في سجن يبدو أبديا
فالناظر موجود أبداً في كل زمان و مكان
فتهيأ لي أن الدنيا تتهيأ أخرى للطوفان
و أنا إذ أمشي أتعثر
لكأني أحرث إذ أبحر
لا شط أمامي لا مرفأ
و جراحي كمصاب السكر
لا تهدأ بالاً لا تفتر
لا توقف نزفاً لا تشفى
************
أعوام تغرب عن عمري و أنا أكبر
لأفتش عن ضلعي الأيسر
و تظل جراحي مبتلة
تتعهد قلبي بالسقيا
أتطلع لامرأة نخلة
تحمل عني ثقل الدنيا
تمنحني معنى أن أحيا
أتطلع لامرأة نخلة
لتجنب أقدامي الذلة
و ذات مساء و بلا ميعاد كان الميلاد
و تلاقينا ما طاب لنا من عرض الأرض تساقينا
و تعارفنا ... و تدانينا ... و تآلفنا ... و تحالفنا
لعيون الناس تراءينا
لا يُعرف من يدنو جفنا منا و من يعلو عينا
و تشاركنا ... و تشابكنا
كخطوط الطول إذا التفت بخطوط العرض
كوضوء سنته اندست في جوف الفرض
كانت قلباً و هوانا العرق فكنت الأرض
و أنا ظمأن جادتني حباً و حنان
اروتني دفاً و أمان
كانت نخلة تتعالى فوق الأحزان
وتطل على قلبي حبلى
بالأمل الغض الريان
و تظل بأعماقي قبلة
تدفعني نحوالإيمان
كانت لحناً عبر الأزمان
يأتيني من غور التاريخ
يستعلي فوق المريخ
صارت تملأني في صمتي
و إذا حدثت أحس لها ترنيمة سعد في صوتي
أتوجس فيها إكسيرا
أبداً يحيني من صمتي
و بذات مساء و بلا ميعاد أو عد
إذ كان لقاء الشوق يشد من الأيدي
فتوقف نبض السنوات
في أقسى أطول لحظات
تتساقط بعض الكلمات
تنفرط كحبات العقد
فكان وداع دون دموع كان بكاء
لا فارق أجمل ما عندي
و كان قضاء أن تمضي
أن أبقى وحدي
لكني باق في عهدي
فهواها قد أضحى قيدي
و بدت سنوات تلاقينا من قصر في عمرهلال
لقليل لوح في الآفاق
كظلال سحاب رحال
كندى الأشجار على الأوراق
يتلاشى عند الإشراق
لكنا رغم تفرقنا
يجمعنا شيءٌ في الأعماق
نتلاقى دوماً في استغراق
في كل حكايا الأبطال
نتلاقى مثل الأشواق
تستبق بليل العشاق
نتلاقى في كل سؤال يبدو بعيون الأطفال
و لئن ذهبت سأكون لها و كما قالت
فبقلبي أبداً ما زالت
ريحاً للغيمة تدفعها حتى تمطر
ماءً للحنطة تسقيها حتى تثمر
ريقاً للوردة ترعاها حتى تزهر
أمناً للخائف و المظلوم
عوناً للسائل والمحروم
فلن ذهبت فلقد صارت
عندي جرحاً يوري قدحاً
يفلق صبحاً يبني صرحاً
لأكون بها إيقاعاً من كل غناء
لو يصحو ليل الأحزان
و خشوعاً في كل دعاء
يسعى لعلو الإيمان
ترنيماً في كل حداء
من أجل نماء الإنسان
من أجل بقاء الإنسان
من أجل إخاء الإنسان
حوار مفتوح: نحو رؤي جديدة لتطوير وترقية مهنة المحاماة
بقلم:
محمد الزين محمد
المحامي، الخرطوم
awf_advocates@yahoo.co.uk
يقول بوشية دراجي في كتابه قواعد لتكوين المحامي الذي ظهر في باريس سنة 1778م: إن وظيفة المحامي أقدم كثيرا من لقبه، حيث نجد المحامين في أقدم الحضارات، ففي كل الأمم المتمدنة كان هناك علي الدوام رجال غيورون أفاضل ضليعون في مبادئ القانون وملتزمون بالاستقامة، ساعدوا الغير بما أسدوه من نصح ودافعوا عن أؤلئك الذين كانوا عاجزين في الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم. وأصدر نابليون بونابرت أول قانون لتنظيم مهنة المحاماة في عام 1810م بعد الثورة الفرنسية.
والمحاماة قديمة منذ أن أستعان سيدنا موسي عليه السلام بأخيه هارون، فجاء في قوله تعالي: ( رب أني قتلت منهم نفسا منهما، فاخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني لسانا، فارسله معي رداءا يصدقني، أني أخاف أن يكذبون، قال سنشد عضدك بأخيك). ويستنتج من هذه الاية أن طلب موسي الاستعانة بهارون ليس للقتال أو الحماية بل للدفاع عنه في التهمة الموجهة اليه نظرا لانه أفصح منه لسانا وأقوي منه حجة. كما يستفاد من هذه الاية، أنها أصل التفرقة بين محامي الاجراء ومحامي المرافعة والسائدة الان في بريطانيا ومازالت آثارها في فرنسا.
لم تعرف المحاماة كمهنة مستقلة أو كوظيفة إجتماعية منظمة في ظل الاسلام ولكنها عرفت كنظام وكالة عن المتقاضيين، يجيز لصاحب الدعوي أن يوكل عنه شخصا أخر للمطالبة بحقوقه أمام القضاء. وجاء قوله تعالي في سورة الحج ( إن الله يدافع عن الذين أمنوا) فكان هذا القول الكريم تشريف للمحامي وتكريما له لان الله سبحانه وتعالي هو المحامي الاول يدافع عن الذين أمنوا، ويقول عز وجل في سورة النساء ( إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله و لا تكن للخائنين خصيما، وأستغفر الله إن الله كان عفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما، يستخفون من الناس و لا يستخفون من).
والمحاماة في السودان ارتبطت بالحركة الوطنية ودورها المشهود في تأسيس مؤتمر الخريجين، حيث صدر أول قانون للمحاماة عام 1935م والذي كان في شكل لائحة تنظيمية، ثم صدر أول قانون متكامل لنقابة المحامين في 28 مارس 1970م، وعدل هذا القانون في عام 1983م وأصبح نقيب المحامين السودانيين عضوا في مجلس القضاء العالي، وتعديل ضرائب ودمغات المحامين الخ... وكان التعديل الاخير للقانون في العام 1993م. ومن رواد المحاماة أو من الرعيل الاول إبراهيم المفتي (تاريخ الترخيص 5 أبريل 1938م)، أميل قرنفلي(1939)، وهيب رفائيل زكي(1940)، عابدين إسماعيل(1943)، زيادة أرباب(1944)، مبارك زروق(1944)، مالك ابراهيم مالك(1944)، أحمد خير(1944)، جلبرت قرين وود(1947)، محمد أحمد محجوب(1947).
ومنذ نشأة نقابة المحامين السودانيين في العام 1952م تولي أول نقيب لها الاستاذ لبيب سوريال 1952-1953م، عابدين إسماعيل 1954-1955م ، محمد أحمد محجوب 1955-1957م، وتوالي علي النقابة أمين الشبلي، عقيل أحمد عقيل، ميرغني النصري، عبدالله الحسن، رمضان علي محمد، محمد زيادة حمور، أحمد علي النصري، وحاليا الاستاذ فتحي خليل منذ 1993- وحتي الان.
يهدف هذا المقال بتقديم رؤي جديدة لعلها تسهم وتدعم الحوار الجاد بين الزملاء المحامين والزميلات المحاميات لتطوير وترقية المهنة بعد أن إزداد أعدادهم الي أكثر من عشرة الف محامي ، خاصة بعد أن إستشرت فيها ظواهر سالبة أعاقة التطور الطبيعي للمهنة في ظل التطورات والتحولات الاقتصادية التي يشهدها السودان وفي ظل إنفتاح إقتصادي واسع وخصصة لمؤسسات الدولة وحرية إقتصادية تتطلب وعي قانوني وإقتصادي وإداري يواكب هذه التطورات الاقتصادية، وآثارها وعلاقتها بالتحولات الاجتماعية، وكل ذلك مصحوبا بتطور تشريعي في القوانين وخاصة الشركات والانشطة التجارية المختلفة زراعية، حيوانية، صناعية، خدمية. بالاضافة الي النوعية الجديدة في العقود وتوثيقاتها وخاصة المتعلقة بالبترول والطاقة والاتصالات وحقوق الملكية الفكرية ومنازعاتها واللجوء للتحكيم التجاري المحلي والدولي، لسرعته وسريته والثقة في المحكمين لمشاركة المحتكمين في إختيارهم، بالاضافة الي كل ذلك تنوع وتطور الجريمة وخاصة الجرائم الاقتصادية والعابرة للحدود منها، في ظل تعقيدات إجتماعية تحتاج الي معالجات جادة في إطار قوانين الاحوال الشخصية والمجتمعية. كما يستفاد في هذا المقال إستصحاب مناقشة ظهور رجال الاعمال الناجحين من الجيل الثاني لابناء الأسر الراسمالية الوطنية، وطفح الرأسمالية الطفيلية وجماعات الياقات البيضاء.
ساحاول في هذا المقال عكس تجربتي الشخصية المتواضعة في العمل في السودان والخليج وأوربا، سوف أضع تجربتي المتواضعة في خدمة أهداف تطوير وترقية المهنة، وذلك في ما يلي من قضايا ومقترحات تحتاج الي جراءة في الطرح وموضوعية في التناول وتهدف للمصلحة العامة وبإشراك القراء الكرام للاستفادة من الرأي في تطوير وترقية مهنة المحاماة (القضاء الواقف)، وذلك علي النحو التالي:
كيفية قبول طالب القانون، كيفية وشروط قبول المحامي تحت التمرين، كيفية وشروط قبول القاضي السابق( جميع القضاة ماعدا عضو مجلس القضاة غير القانوني أو عضو أي محكمة أدني من مجلس القضاة) أو الضابط القانوني ( الوكيل والمستشارين القانونيين بديوان النائب العام) ذوي الخبرة (إستقالة أم فصل ولماذا؟)، تقسيمات ودرجات المحامين أمام المحاكم ( الابتدائية، الاستئناف، العليا، الدستورية)، متطلبات المحامي الموثق، مؤهلات المحامي الاستاذ، حصانة المحامي، التأمين علي خدمات المحاماة والإستشارات القانونية، الاكاديمية العليا للمحاماة والاستشارات القانونية، دار القانون للطباعة والنشر، مجلة القانون (للبحوث والدراسات القانونية)، شركات أم شراكات أم أسماء أعمال، فيدرالية الاتحاد أو النقابة، مؤتمر القانونيين العاملين بالخارج، أبراج المحامين (سكن - مكاتب) وأخيرا حوسبة المحاماة.
في البدء أود أن أؤكد علي أن هدف هذا المقال هو البحث عن رؤي ومفاهيم وأطر ومقترحات مهنية محضة بهدف الارتقاء بمهنة المحاماة بعد ما ألمت بها ملمات جسيمة وعصيبة، ولولا دفع الله المحامين بعضهم ببعض لهدم القضاء الواقف، وما سنورده من تصورات قد لا تعجب البعض، ولكن قد تكون مثل الذي يلقي بحجر في ماء راكدة، وإن أصبنا فلنا أجرين الاجتهاد والاصابة وإن أخطاءنا فلنا أجر الاجتهاد. والله الموفق.
1. كيفية قبول طالب القانون:
لاشك أن هناك رغبة واسعة وسط طلاب وطالبات الشهادة الثانونية السودانية في التقديم للقبول في كليات القانون، وتجاه هذه الرغبة يجب أن تضع لجنة القانون بمجلس التعليم العالي سياسة واضحة علمية تجاه التدفق الطلابي في القبول لرفع المستوي العلمي لطالب القانون، وذلك من خلال رفع نسبة القبول أولا، ويتأتي ذلك من خلال محدودية فرص القبول لكليات القانون كما هو معمول به في كثير من كليات القانون في الجامعات المرموقة في العالم. وليس القبول فقط لكل ممتحن نجح في الحصول علي نسبة متواضعة. ومن جانب أخر يجب إغلاق فرص القبول الخاص لكليات القانون. كما يجب أن يفضل للقبول لكليات القانون من أكمل أي دراسة جامعية أخري في أي تخصص ، مثل الدراسات الاجتماعية كالآداب أو الاقتصاد، وتتحق الفوائد من حصيلة الطالب السابق بأي دراسة أخري توسع الافق المعرفي والحياتي المهني وبعدها يكون الطالب قد بلغ من السن ما يجعله أكثر نضجا بما هو قادم عليه كمحامي أو قاضي أو مستشار قانوني.
2. كيفية قبول المحامي تحت التمرين:
من البديهي وبعد الحصول علي شهادة النجاح في إمتحان المعادلة (إمتحان تنظيم مهنة القانون) أن يتقدم الناجح للحصول علي موافقة من لجنة قبول المحامين للتسجيل كمحامي تحت التمرين وبعد أن يكون سوداني الجنسية وأن يكون سليم العقل وأن يكون بالغا من العمر أحدي وعشرين سنة علي الاقل عند تقديم الطلب وأن يكون محمود السيرة حسن السمعة والا يكون قد حكم عليه بالسجن في جريمة تخل بالشرف أو الامانة ما لم يكن قد منح عفوا شاملا. ولا شك أن هذه شروط سهلة للقبول كمحامي تحت التمرين. ولضمان تمييز مقدم الطلب يجب أن تحدد عددية معينة (كوته) كل عام لقبول المحامين تحت التمرين ليتم قبول خيار من خيار في صفوف القضاء الواقف. خاصة والان يتم قبول المئات من المحامين تحت التمرين سنويا فهل هناك فرص تدريب جيد و وظائف عمل لكل هؤلاء مع مكافأة تدفع بغرض إعانة المحامي تحت التمرين وتكون لائقة بمهنته؟. ويتطلب أيضا معرفة النسبة المئوية أو الدرجة التي تحصل عليها الناجح في إمتحان المعادلة. كما يجب أن يتم القبول للمحامي تحت التمرين لمن تحصل كحد أدني علي نسبة نجاحه في إمتحان المعادلة علي 75% وذلك بالتنسيق مع وزارة العدل. وكخيار آخر يمكن وضع إمتحان شفهي وتحريري للمتقدمين للقبول كمحامين تحت التمرين. وتحسب نتيجة المعاينة كالقبول لمن تحصل علي نسبة نجاح 75%. وهذه إمتحانات مهنية معروفة في القضاء وزارة العدل والخارجية والقوات النظامية. والغرض من هذه الشروط هو قبول خيار من خيار للقضاء الواقف.
3. قبول المحامي ذوي الخبرة.(معاش، إستقالة أم فصل ولماذا؟):
مع التقدير والاحترام لكل من تقدم للالتحاق بمهنة المحاماة من من عملوا في السابق بمهن قانونية أخري كالقضاة أو المستشارين أو منسوبي القوات النظامية، أولا نود التأكيد علي الترحيب بدون مقدمات لاصحاب المعاشات فهم أصحاب الخبرة والبركة ولاخلاف حولهم. و ينحصر الخلاف فيمن أتي الي المحاماة بإستقالة لاسباب خاصة أو أجبر عليها، أم فصل لاسباب مهنية متعلقة بالشرف أو الامانة أو الرأي. وهنا يجب التأكد من خلال مكتب خاص للتحري عن من يريد الانتساب للمهنة وخاصة بعد زيادة الظواهر السالبة التي صاحبت المهنة موخرا، ولا نحملها جزافا علي زملاء المهنة من من من عملوا في مهن سابقة، وأنما تأتي في السياق العام وفي الهم العام، للبحث عن حلول تهدف لترقية المهنة وتطويرها ولا تهدف للتجريح أو التشكيك أو التقليل، فالجميع في حدقات العيون. خاصة والمقال يهدف للمسكوت عنه.
4. تقسيمات ودرجات المحامين أمام المحاكم ( الابتدائية، الاستئناف، العليا، الدستورية):
بكل تأكيد كلما إزدادت سنوات المحامي الممارس للمهنة كلما أزدادت سنوات خبرته وحصيلته المعرفية والقانونية وإزدادت قدراته في الكتابة والترافع أمام كافة المحاكم وبمختلف درجاتها. وبالرغم من ذلك و واقع المهنة يشهد بزيادة مضطردة في المرافعات والمذكرات والطعون أمام محاكم الاستئناف والعليا والدستورية، حيث إختلط الحابل بالنابل، وضاعت حقوق المتقاضيين، من ضعف المعرفة القانونية لبعض المحامين، ولذا يكون المقترح بان الظهور وتقديم المذكرات والطعون أمام المحاكم وفق الدرجات المسموح بها للسادة المحامين: مثال:
الظهور أمام المحكمة الدستورية والمحاكم العليا لمن تجاوز الخمسة عشر عاما في سجل المهنة.
الظهور أمام محاكم الاستئناف لمن تجاوز العشرة سنوات في سجل المهنة.
الظهور أمام المحاكم الابتدائية لمن له ترخيص بمزاولة المهنة.
وهذا معمول في كثير من الدول وخاصة في جارتنا جمهورية مصر العربية. ومن خلال هذه التقسيمات يمكن أن تكون مدخل لقانون عربي موحد بإعطاء المحامين العرب الفرصة في الظهور أمام المحاكم العربية.
5. متطلبات المحامي الموثق:
لوقف أزدياد حالات تجاوزات الالتزام بقواعد التوثيقات يجب التأكد من أن سلطة التوثيق الممنوحة للمحامي عمل أضافي مكمل لعمل المحاماة وليس أصل في المهنة وبالتالي يجب علي المحامي الالتزام بقواعد المهنة وأخلاقياتها والتفرغ للمحاماة والتركيز علي التكسب منها وليس الإعتماد علي إيرادات رسوم التوثيقات. وإن كانت هذه الفقرة من صميم إختصاص السيد رئيس القضاء، ولكن كلنا في الهم قانونيين. وعليه يجب زيادة مدة منح سلطة التوثيق الي 10 سنوات كحد أدني. والا يكون مقدم الطلب لسلطة التوثيق من وجهة اليه إدانة جنائية ماسة بالشرف أو الامانة أو مهنية متعلقة بعمل وممارسة المحامي. كما يقترح حصول المحامي خلال فترة العشرة سنوات من ممارسته للمهنة عل دبلوم أكاديمي من أي تخصص في الدراسات الاجتماعية من الجامعات المعترفة بها وذلك لرفع المستوي المهني والاكاديمي والمعرفي للمحامي الموثق. أما عن مستوي المكتب فلابد من التأكد من صلاحيته وأناقته لسلطة التوثيق من خلال مكتب تحريات يتبع لإتحاد المحامين.
6. مؤهلات المحامي الاستاذ:
الاستاذ المحامي وهو من يحق له الظهور أمام المحكمة الدستورية و المحاكم العليا والاستئناف والابتدائية و الذي يجب الا تقل خبرته عن 15 سنة وذلك لمزيد من مقدرته علي إستيعاب محاميين تحت التمرين والتأكد من تقديمه لهم من معرفة وخبرة القانونية، ومن جانب آخر مقدرته علي دفع رواتب شهرية لهم تساهم وترفع من قدر المهنة.
كما أن تلك الشروط يمكنها أن تحد من التدفق نحو المهنة من غير توفر مناخ صحي وسليم لرفع مستوي المهنة والمحامين . ومن ناحية مستوي المكتب يجب ايضا أن يكون بمواصفات وشروط أكثر. أما المؤهل العلمي وكما أشرنا الي أن المحامي الاستاذ يحمل درجة الدبلوم كحد أدني في مرحلة التوثيق، وهنا نال المحامي الاستاذ درجة الماجستير في العلوم الاجتماعية من أحدي الجامعات المعترف بها وبالتالي أصبح مؤهلا من الناحية الاكاديمية والمهنية للترافع أما المحاكم العليا والدستورية.
7. حصانة المحامي:
تأتي الحصانة لشرف المهنة وأخلاقياتها ورقيها وهي صمام أمان العدالة حيث أتفق القدامي والمحدثون أن المحاماة هي القضاء الواقف، وهذه الحصانة غير مطلقة إن كانت تتجاوز حدود الله، ولكنها دائما ما تثار في شكلها الاجرائي أو الموضوعي في مسائل بسيطة وعادية وأكثرها كيدية أو تتعلق بالرأي حيث يعتقل ويحبس المحامي مما يؤدي الي هبوط قدر المحامي الذي يجد التقدير والاحترام في كافة دول العالم الحديث. ونأخذ مثال في حوادث حركة المرور في غير الاذي الجسيم أو البسيط أو حتي إن كان التلف بسيط وتكون سيارة المحامي مؤمنة تأمين شامل وساري المفعول فحينما يخطئ أو يصيب المتحري في تحديد المتهم الاول أو الثاني يضع المحامي في الحراسة ولا تقبل ضمانة زميله المحامي، بالرغم من الامكان إطلاق سراح المحامي المتهم بضمان مهنته وبطاقته السارية المفعول والصادر من الاتحاد العام للمحامين إن كان لابد من القبض عليه، بالرغم من شركة التامين تقوم بسداد قيمة التلف للسيارتين. وهذا مدخل أيضا لتصحيح وتطوير قانون حركة المرور، ليس تجاه المحامي فحسب بل علي العامة.
ومن جانب أخر تعتبر الحصانات الاجرائية أو الموضوعية إستثاء من أصل المساواة بين الناس، وفي حالة المحامي والمتعلقة ببلاغات يجوز فيها القبض يثور التسأول عن مفهوم الاخطار أو أخذ الاذن، ونختصر الاجابة بطرح مقترح وجود إستمارة صادرة من النقابة العامة للمحامين بها البيانات المطلوبة وفقرة رئيسية هامة وهي: ماهي الوقائع المسندة الي المحامي المشكو ضده في البلاغ المذكور (ملخص الشكوي أو البلاغ) وخاصة في قضايا التزوير في التوثيقات أوالتهديد والاساءة وغالبها كيدية علي حسب ملفات أقسام الشرطة والنيابة والمحاكم وعليه يكون أخذ الاذن هو ما ذهب اليه الي المشرع وما تواتر عليه العمل في جميع الدول لاهمية عمل القضاء الواقف.كما أضيف لاهمية حصانة مكتب المحامي من عسف السلطة أو إستغلال البعض للسلطة حينما يفشلون في مواجهة المحامي في أروقة المحاكم بحثا للمستندات موضوع الدعاوي القانونية فيلجأون الي الدخول عنوة الي مكتب المحامي للبحث عن ما قد يستخدم ضده للوصول لتسوية في القضية المعروضة أمام المحاكم خاصة وأن يكون طرفا ما في الدعوي من ذوي النفوذ أو من يمثله. ليس هذا فحسب بل ومنزل المحامي وأسرته، فيجب أن تحمي وتحصن من العسف إذا ما كانت القضية متعلقة بعمله القانوني، فلا يجوز إقتحام منزله أو تفتيشه الا بقرار قضائي ولا يسري علي أسرته أو خصوصته التي أوجب القانون والدستور حمايتها وكرامتها.
8. التأمين علي خدمات المحاماة والإستشارات القانونية:
لحماية المواطن من أخطاء مهنة المحاماة سواء في الترافع أمام المحاكم أو في تقديم إستشارات قانونية، حيث يجب وضع مبلغ مالي علي مستوي درجة المحامي سواء أكان أمام المحاكم الابتدائية أو الاستئناف أو العليا أو الدستورية. ويوضع هذا المبلغ لدي الاتحاد العام للمحامين أو لدي شركة تأمين لاخطاء مهنة المحاماة.
9. الأكاديمية العليا للمحاماة والاستشارات القانونية:
لتطوير قدرات المحامين الاكاديمية يجب إقامات دورات تأهيلية لكافة الدرجات وطرح نظام دبلومات وماجستر مهني في مجالات القانون المختلفة والحديثة كالتحكيم التجاري والمحلي وحقوق الملكية الفكرية وحقوق الانسان وغيره. كما تفتح الاكاديمية أبوابها لطلاب الجامعات والعاملين في كافة المهن القانونية كالقضاة والمستشارين والقوات النظامية وهي أشبه بالاكاديمية العليا للشرطة والاكاديمية العليا للامن وأكاديمية نميري العسكرية.
10. دار القانون للطباعة والنشر:
لاشك من أهمية النشر في مهنة القانون وبالتالي تقوم دار القانون للنشر بتقديم خدمة للمحامين في مطبوعاتهم الخاصة بأسعار تشجيعية ومن جانب آخر تعتبر مصدر إيرادي للاتحاد.
11. مجلة القانون (للبحوث والدراسات القانونية):
مجلة القانون أو دورية القانون هي روح المهنة في إعداد البحوث والدراسات القانونية نحو مشاريع لتعديل القوانين، وإثراء الثقافة القانونية في المكتبة السودانية خاصة والعربية والعالمية بصفة عامة.
12. شركات أم شراكات أم أسماء أعمال:
شركات أم شراكات أم أسماء أعمال، هذا الموضوع يعتبر من الموضوعات الشائكة في السودان والتي نالت جدلا وسط المحامين، وفي رأي المتواضع ومن خلال التجربة أري أن يظل الباب مفتوحا لتطبيق نظام الشركات وخاصة شركات التضامن والشراكات وأسماء الاعمال وخلال العشرة سنوات القادمة ستكتشف أيهما أصلح للمهنة وماهي الضوابط التي ستفرز خلال الممارسة العملية في السودان. خاصة وإن نقابات أوأتحادات المحامين في العالم لا تجد ضررا من كون مكاتب المحامين شركات أم شراكات أم أسماء أعمال، فالضابط هو الالتزام بقواعد المهنة وقوانينها و تحمل المسئولية القانونية التي تعود لملاك الشركة أم الشراكات أم أسماء أعمال فالمسئولية محدودة وتضامنية وفقا للنظام الاساسي، سوي في شقها الجنائي أو المدني أو التعويضي أو المهني عند سحب رخصة المحاماة أو سلطة التوثيق.
13. فيدرالية الاتحاد أو النقابة(التنظيم النقابي):
لتوسيع المشاركة من كافة المحامين في إدارة شؤن الاتحاد أو النقابة العامة في إتخاذ القرارات المتصلة بالمهنة أو الوطنية وتكريسا لوحدة الوطن تكون المسؤلية ملقاة علي عاتق حماة الدستور والقانون فكان قدرنا كمحامين العمل الجماعي في وطن واحد موحد، مع إلتزام قيادة الاتحاد أو النقابة العامة في أن تكون الوعاء الجامع للتيار الاساسي الفاعل، حيث لا مجال لتهميش عضو أو جماعة علي أساس الرأي أو المعتقد أو المنطقة الجغرافية، ولذا يكون الحديث حول كيفية توسيع مواعين هياكل الاتحاد العام أو النقابة العامة للمحامين السودانيين من خلال طرح فكرة فيدالية النقابة، وذلك بتكوين إتحادات فرعية تمثل 27 ولاية، وفقا لعددية متفق عليها مثلا: كل إتحاد فرعي عضوية هيئته التنفيذية مكونة من 15 عضوا وأمين عام للاتحاد الفرعي. أما الاتحاد العام أو النقابة العامة للمحامين للسودانيين فتتكون من تصعيد 27 عضوا يمثلون 27 ولاية بالاضافة الي تمثيل نسبي بحجم المحامين في كل ولايات السودان في مايسمي المجلس العام للمحاميين وتكون عضويته (مثلا) 100محامي ويتم إنتخاب الهئية المركزية وعضويتها 20 محامي لتشكيل الامانات التنفيذية، أما منصب السيد النقيب فيكون إختياره مباشرة من الجمعية العمومية للمحامين الذين يحق لهم بالتصويت والمسددين للاشتراكات. كما يجب الاشارة الي ضرورة توزيع إختصاصات وسلطات الاتحاد الفرعي والاتحاد العام للمحامين السودانين بصورة دقيقة و واضحة حتي لا تتضارب الاختصاصات والسلطات.
كما يمكن وضع مقترح آخر في أن ينتخب المحامين بالولايات إتحاداتهم الفرعية بما فيها رئيس الاتحاد، أو الموافقة علي وكيل النقابة المعين من نقيب المحامين السودانين في الولاية المعنية. بالاضافة الي مشاركة محامي الولايات في الترشيح والتصويت علي إختيار أعضاء النقابة العامة ونقيب المحامين السودانيين، مع ضرورة الاشارة الي أهمية زيادة عضوية اللجنة المركزية لتستوعب تمثيل الالاف المحامين وحل مشاكلهم بتشكيل أمانات جديدة وأكثر تخصصا تواكب التطورات الجديدة في المهنة.
14. مؤتمر القانونيين العاملين بالخارج:
تقدر أعداد المحامين السودانيين والمشتغلين بالمهن القانونية في دول الخليج والسعودية وأوربا وأمريكا وأستراليا بالالاف، فلحصر هذه الاعداد قيمة وطنية، وذلك من خلال ربط العاملين في الخارج بالوطن وثانيا الاستفادة من ما نالوه من علم وخبرة، نحن في أمس الحاجة اليها، فالمهنة كائن حي تحي وتنمو وتترعرع في المناخ الملائم الصحي أو المناخ الفاسد، فلذا أن نحسن المناخ الصحي والمتعافي لنمو راقي ومفيد للمهنة. وعليه تكون فائدة مشاركة القانونيين العاملين بالخارج من خلال أوراق عمل تناقش التطورات في التشريعات الاقليمية والدولية أو شراكات أستراتيجية مع مكاتب محاماة عاملة بالسودان.
15. أبراج المحامين (تمليك سكن - مكاتب):
لا شك أن أعداد كبير من المحامين تعاني من أزمة في السكن المريح أو مكاتب مملوكة لهم، ومن خلال ميزانية الاتحاد العام يمكن قيام مشاريع أستراتيجية تحل أزمة السكن والمكتب الملائم للمحامين، سواء تحمل الاتحاد تكاليف الارض أوالمباني أوالاثنين معا وتم بيعها بأقساط مريحة أو من خلال بنوك أو شركات تمويل أو شراكات. ويمكن تسمي هذه الابراج بأسماء مستوحية من ديننا وقيمنا وأرثنا القانوني (العدالة- القانون- عمربن الخطاب – عمر بن عبدالعزيز- حمورابي).
16. حوسبة المحاماة:
تظل الحوسبة كأعظم إختراعات القرن العشرين، ولتطوير وترقية المهنة لابد من حوسبتها وأرشفت كل ملفات المحامين ولسهولة تدولها بين الاتحاد والمحامين أو من خلال موقع إلكتروني يستطيع طالب الخدمة القانونية أن يتصل بالمتخصصين في مجالات القانون المختلفة كالمدني أو الشرعي أو الجنائي.
خاتمة:
كما أشرت الي أن هذه المقالة تهدف لتحريك بركة مستقبل مهنة المحاماة والتحديات التي تواجها في سبيل التطوير والرقي، سواء كانت المناقشات داخل المحيط القانوني أو تلك التي تنداح لتشمل كل أهل السودان الذين حملوا الكثير من الرعيل الاول وما بعده من المحامين علي أعناقهم في سبيل الحرية والاستقلال وسيادة حكم القانون وإستقلال القضاء. فالحرص من الجميع علي مهنة المحاماة هي ما دفعني للكتابة العلنية لفتح الباب لكل من لديه آراء أو أفكار أو ملاحظات حول مهنة المحاماة. والله والوطن من وراء قصد السبيل.
محمد الزين محمد
المحامي، الخرطوم
awf_advocates@yahoo.co.uk
يقول بوشية دراجي في كتابه قواعد لتكوين المحامي الذي ظهر في باريس سنة 1778م: إن وظيفة المحامي أقدم كثيرا من لقبه، حيث نجد المحامين في أقدم الحضارات، ففي كل الأمم المتمدنة كان هناك علي الدوام رجال غيورون أفاضل ضليعون في مبادئ القانون وملتزمون بالاستقامة، ساعدوا الغير بما أسدوه من نصح ودافعوا عن أؤلئك الذين كانوا عاجزين في الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم. وأصدر نابليون بونابرت أول قانون لتنظيم مهنة المحاماة في عام 1810م بعد الثورة الفرنسية.
والمحاماة قديمة منذ أن أستعان سيدنا موسي عليه السلام بأخيه هارون، فجاء في قوله تعالي: ( رب أني قتلت منهم نفسا منهما، فاخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني لسانا، فارسله معي رداءا يصدقني، أني أخاف أن يكذبون، قال سنشد عضدك بأخيك). ويستنتج من هذه الاية أن طلب موسي الاستعانة بهارون ليس للقتال أو الحماية بل للدفاع عنه في التهمة الموجهة اليه نظرا لانه أفصح منه لسانا وأقوي منه حجة. كما يستفاد من هذه الاية، أنها أصل التفرقة بين محامي الاجراء ومحامي المرافعة والسائدة الان في بريطانيا ومازالت آثارها في فرنسا.
لم تعرف المحاماة كمهنة مستقلة أو كوظيفة إجتماعية منظمة في ظل الاسلام ولكنها عرفت كنظام وكالة عن المتقاضيين، يجيز لصاحب الدعوي أن يوكل عنه شخصا أخر للمطالبة بحقوقه أمام القضاء. وجاء قوله تعالي في سورة الحج ( إن الله يدافع عن الذين أمنوا) فكان هذا القول الكريم تشريف للمحامي وتكريما له لان الله سبحانه وتعالي هو المحامي الاول يدافع عن الذين أمنوا، ويقول عز وجل في سورة النساء ( إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله و لا تكن للخائنين خصيما، وأستغفر الله إن الله كان عفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما، يستخفون من الناس و لا يستخفون من).
والمحاماة في السودان ارتبطت بالحركة الوطنية ودورها المشهود في تأسيس مؤتمر الخريجين، حيث صدر أول قانون للمحاماة عام 1935م والذي كان في شكل لائحة تنظيمية، ثم صدر أول قانون متكامل لنقابة المحامين في 28 مارس 1970م، وعدل هذا القانون في عام 1983م وأصبح نقيب المحامين السودانيين عضوا في مجلس القضاء العالي، وتعديل ضرائب ودمغات المحامين الخ... وكان التعديل الاخير للقانون في العام 1993م. ومن رواد المحاماة أو من الرعيل الاول إبراهيم المفتي (تاريخ الترخيص 5 أبريل 1938م)، أميل قرنفلي(1939)، وهيب رفائيل زكي(1940)، عابدين إسماعيل(1943)، زيادة أرباب(1944)، مبارك زروق(1944)، مالك ابراهيم مالك(1944)، أحمد خير(1944)، جلبرت قرين وود(1947)، محمد أحمد محجوب(1947).
ومنذ نشأة نقابة المحامين السودانيين في العام 1952م تولي أول نقيب لها الاستاذ لبيب سوريال 1952-1953م، عابدين إسماعيل 1954-1955م ، محمد أحمد محجوب 1955-1957م، وتوالي علي النقابة أمين الشبلي، عقيل أحمد عقيل، ميرغني النصري، عبدالله الحسن، رمضان علي محمد، محمد زيادة حمور، أحمد علي النصري، وحاليا الاستاذ فتحي خليل منذ 1993- وحتي الان.
يهدف هذا المقال بتقديم رؤي جديدة لعلها تسهم وتدعم الحوار الجاد بين الزملاء المحامين والزميلات المحاميات لتطوير وترقية المهنة بعد أن إزداد أعدادهم الي أكثر من عشرة الف محامي ، خاصة بعد أن إستشرت فيها ظواهر سالبة أعاقة التطور الطبيعي للمهنة في ظل التطورات والتحولات الاقتصادية التي يشهدها السودان وفي ظل إنفتاح إقتصادي واسع وخصصة لمؤسسات الدولة وحرية إقتصادية تتطلب وعي قانوني وإقتصادي وإداري يواكب هذه التطورات الاقتصادية، وآثارها وعلاقتها بالتحولات الاجتماعية، وكل ذلك مصحوبا بتطور تشريعي في القوانين وخاصة الشركات والانشطة التجارية المختلفة زراعية، حيوانية، صناعية، خدمية. بالاضافة الي النوعية الجديدة في العقود وتوثيقاتها وخاصة المتعلقة بالبترول والطاقة والاتصالات وحقوق الملكية الفكرية ومنازعاتها واللجوء للتحكيم التجاري المحلي والدولي، لسرعته وسريته والثقة في المحكمين لمشاركة المحتكمين في إختيارهم، بالاضافة الي كل ذلك تنوع وتطور الجريمة وخاصة الجرائم الاقتصادية والعابرة للحدود منها، في ظل تعقيدات إجتماعية تحتاج الي معالجات جادة في إطار قوانين الاحوال الشخصية والمجتمعية. كما يستفاد في هذا المقال إستصحاب مناقشة ظهور رجال الاعمال الناجحين من الجيل الثاني لابناء الأسر الراسمالية الوطنية، وطفح الرأسمالية الطفيلية وجماعات الياقات البيضاء.
ساحاول في هذا المقال عكس تجربتي الشخصية المتواضعة في العمل في السودان والخليج وأوربا، سوف أضع تجربتي المتواضعة في خدمة أهداف تطوير وترقية المهنة، وذلك في ما يلي من قضايا ومقترحات تحتاج الي جراءة في الطرح وموضوعية في التناول وتهدف للمصلحة العامة وبإشراك القراء الكرام للاستفادة من الرأي في تطوير وترقية مهنة المحاماة (القضاء الواقف)، وذلك علي النحو التالي:
كيفية قبول طالب القانون، كيفية وشروط قبول المحامي تحت التمرين، كيفية وشروط قبول القاضي السابق( جميع القضاة ماعدا عضو مجلس القضاة غير القانوني أو عضو أي محكمة أدني من مجلس القضاة) أو الضابط القانوني ( الوكيل والمستشارين القانونيين بديوان النائب العام) ذوي الخبرة (إستقالة أم فصل ولماذا؟)، تقسيمات ودرجات المحامين أمام المحاكم ( الابتدائية، الاستئناف، العليا، الدستورية)، متطلبات المحامي الموثق، مؤهلات المحامي الاستاذ، حصانة المحامي، التأمين علي خدمات المحاماة والإستشارات القانونية، الاكاديمية العليا للمحاماة والاستشارات القانونية، دار القانون للطباعة والنشر، مجلة القانون (للبحوث والدراسات القانونية)، شركات أم شراكات أم أسماء أعمال، فيدرالية الاتحاد أو النقابة، مؤتمر القانونيين العاملين بالخارج، أبراج المحامين (سكن - مكاتب) وأخيرا حوسبة المحاماة.
في البدء أود أن أؤكد علي أن هدف هذا المقال هو البحث عن رؤي ومفاهيم وأطر ومقترحات مهنية محضة بهدف الارتقاء بمهنة المحاماة بعد ما ألمت بها ملمات جسيمة وعصيبة، ولولا دفع الله المحامين بعضهم ببعض لهدم القضاء الواقف، وما سنورده من تصورات قد لا تعجب البعض، ولكن قد تكون مثل الذي يلقي بحجر في ماء راكدة، وإن أصبنا فلنا أجرين الاجتهاد والاصابة وإن أخطاءنا فلنا أجر الاجتهاد. والله الموفق.
1. كيفية قبول طالب القانون:
لاشك أن هناك رغبة واسعة وسط طلاب وطالبات الشهادة الثانونية السودانية في التقديم للقبول في كليات القانون، وتجاه هذه الرغبة يجب أن تضع لجنة القانون بمجلس التعليم العالي سياسة واضحة علمية تجاه التدفق الطلابي في القبول لرفع المستوي العلمي لطالب القانون، وذلك من خلال رفع نسبة القبول أولا، ويتأتي ذلك من خلال محدودية فرص القبول لكليات القانون كما هو معمول به في كثير من كليات القانون في الجامعات المرموقة في العالم. وليس القبول فقط لكل ممتحن نجح في الحصول علي نسبة متواضعة. ومن جانب أخر يجب إغلاق فرص القبول الخاص لكليات القانون. كما يجب أن يفضل للقبول لكليات القانون من أكمل أي دراسة جامعية أخري في أي تخصص ، مثل الدراسات الاجتماعية كالآداب أو الاقتصاد، وتتحق الفوائد من حصيلة الطالب السابق بأي دراسة أخري توسع الافق المعرفي والحياتي المهني وبعدها يكون الطالب قد بلغ من السن ما يجعله أكثر نضجا بما هو قادم عليه كمحامي أو قاضي أو مستشار قانوني.
2. كيفية قبول المحامي تحت التمرين:
من البديهي وبعد الحصول علي شهادة النجاح في إمتحان المعادلة (إمتحان تنظيم مهنة القانون) أن يتقدم الناجح للحصول علي موافقة من لجنة قبول المحامين للتسجيل كمحامي تحت التمرين وبعد أن يكون سوداني الجنسية وأن يكون سليم العقل وأن يكون بالغا من العمر أحدي وعشرين سنة علي الاقل عند تقديم الطلب وأن يكون محمود السيرة حسن السمعة والا يكون قد حكم عليه بالسجن في جريمة تخل بالشرف أو الامانة ما لم يكن قد منح عفوا شاملا. ولا شك أن هذه شروط سهلة للقبول كمحامي تحت التمرين. ولضمان تمييز مقدم الطلب يجب أن تحدد عددية معينة (كوته) كل عام لقبول المحامين تحت التمرين ليتم قبول خيار من خيار في صفوف القضاء الواقف. خاصة والان يتم قبول المئات من المحامين تحت التمرين سنويا فهل هناك فرص تدريب جيد و وظائف عمل لكل هؤلاء مع مكافأة تدفع بغرض إعانة المحامي تحت التمرين وتكون لائقة بمهنته؟. ويتطلب أيضا معرفة النسبة المئوية أو الدرجة التي تحصل عليها الناجح في إمتحان المعادلة. كما يجب أن يتم القبول للمحامي تحت التمرين لمن تحصل كحد أدني علي نسبة نجاحه في إمتحان المعادلة علي 75% وذلك بالتنسيق مع وزارة العدل. وكخيار آخر يمكن وضع إمتحان شفهي وتحريري للمتقدمين للقبول كمحامين تحت التمرين. وتحسب نتيجة المعاينة كالقبول لمن تحصل علي نسبة نجاح 75%. وهذه إمتحانات مهنية معروفة في القضاء وزارة العدل والخارجية والقوات النظامية. والغرض من هذه الشروط هو قبول خيار من خيار للقضاء الواقف.
3. قبول المحامي ذوي الخبرة.(معاش، إستقالة أم فصل ولماذا؟):
مع التقدير والاحترام لكل من تقدم للالتحاق بمهنة المحاماة من من عملوا في السابق بمهن قانونية أخري كالقضاة أو المستشارين أو منسوبي القوات النظامية، أولا نود التأكيد علي الترحيب بدون مقدمات لاصحاب المعاشات فهم أصحاب الخبرة والبركة ولاخلاف حولهم. و ينحصر الخلاف فيمن أتي الي المحاماة بإستقالة لاسباب خاصة أو أجبر عليها، أم فصل لاسباب مهنية متعلقة بالشرف أو الامانة أو الرأي. وهنا يجب التأكد من خلال مكتب خاص للتحري عن من يريد الانتساب للمهنة وخاصة بعد زيادة الظواهر السالبة التي صاحبت المهنة موخرا، ولا نحملها جزافا علي زملاء المهنة من من من عملوا في مهن سابقة، وأنما تأتي في السياق العام وفي الهم العام، للبحث عن حلول تهدف لترقية المهنة وتطويرها ولا تهدف للتجريح أو التشكيك أو التقليل، فالجميع في حدقات العيون. خاصة والمقال يهدف للمسكوت عنه.
4. تقسيمات ودرجات المحامين أمام المحاكم ( الابتدائية، الاستئناف، العليا، الدستورية):
بكل تأكيد كلما إزدادت سنوات المحامي الممارس للمهنة كلما أزدادت سنوات خبرته وحصيلته المعرفية والقانونية وإزدادت قدراته في الكتابة والترافع أمام كافة المحاكم وبمختلف درجاتها. وبالرغم من ذلك و واقع المهنة يشهد بزيادة مضطردة في المرافعات والمذكرات والطعون أمام محاكم الاستئناف والعليا والدستورية، حيث إختلط الحابل بالنابل، وضاعت حقوق المتقاضيين، من ضعف المعرفة القانونية لبعض المحامين، ولذا يكون المقترح بان الظهور وتقديم المذكرات والطعون أمام المحاكم وفق الدرجات المسموح بها للسادة المحامين: مثال:
الظهور أمام المحكمة الدستورية والمحاكم العليا لمن تجاوز الخمسة عشر عاما في سجل المهنة.
الظهور أمام محاكم الاستئناف لمن تجاوز العشرة سنوات في سجل المهنة.
الظهور أمام المحاكم الابتدائية لمن له ترخيص بمزاولة المهنة.
وهذا معمول في كثير من الدول وخاصة في جارتنا جمهورية مصر العربية. ومن خلال هذه التقسيمات يمكن أن تكون مدخل لقانون عربي موحد بإعطاء المحامين العرب الفرصة في الظهور أمام المحاكم العربية.
5. متطلبات المحامي الموثق:
لوقف أزدياد حالات تجاوزات الالتزام بقواعد التوثيقات يجب التأكد من أن سلطة التوثيق الممنوحة للمحامي عمل أضافي مكمل لعمل المحاماة وليس أصل في المهنة وبالتالي يجب علي المحامي الالتزام بقواعد المهنة وأخلاقياتها والتفرغ للمحاماة والتركيز علي التكسب منها وليس الإعتماد علي إيرادات رسوم التوثيقات. وإن كانت هذه الفقرة من صميم إختصاص السيد رئيس القضاء، ولكن كلنا في الهم قانونيين. وعليه يجب زيادة مدة منح سلطة التوثيق الي 10 سنوات كحد أدني. والا يكون مقدم الطلب لسلطة التوثيق من وجهة اليه إدانة جنائية ماسة بالشرف أو الامانة أو مهنية متعلقة بعمل وممارسة المحامي. كما يقترح حصول المحامي خلال فترة العشرة سنوات من ممارسته للمهنة عل دبلوم أكاديمي من أي تخصص في الدراسات الاجتماعية من الجامعات المعترفة بها وذلك لرفع المستوي المهني والاكاديمي والمعرفي للمحامي الموثق. أما عن مستوي المكتب فلابد من التأكد من صلاحيته وأناقته لسلطة التوثيق من خلال مكتب تحريات يتبع لإتحاد المحامين.
6. مؤهلات المحامي الاستاذ:
الاستاذ المحامي وهو من يحق له الظهور أمام المحكمة الدستورية و المحاكم العليا والاستئناف والابتدائية و الذي يجب الا تقل خبرته عن 15 سنة وذلك لمزيد من مقدرته علي إستيعاب محاميين تحت التمرين والتأكد من تقديمه لهم من معرفة وخبرة القانونية، ومن جانب آخر مقدرته علي دفع رواتب شهرية لهم تساهم وترفع من قدر المهنة.
كما أن تلك الشروط يمكنها أن تحد من التدفق نحو المهنة من غير توفر مناخ صحي وسليم لرفع مستوي المهنة والمحامين . ومن ناحية مستوي المكتب يجب ايضا أن يكون بمواصفات وشروط أكثر. أما المؤهل العلمي وكما أشرنا الي أن المحامي الاستاذ يحمل درجة الدبلوم كحد أدني في مرحلة التوثيق، وهنا نال المحامي الاستاذ درجة الماجستير في العلوم الاجتماعية من أحدي الجامعات المعترف بها وبالتالي أصبح مؤهلا من الناحية الاكاديمية والمهنية للترافع أما المحاكم العليا والدستورية.
7. حصانة المحامي:
تأتي الحصانة لشرف المهنة وأخلاقياتها ورقيها وهي صمام أمان العدالة حيث أتفق القدامي والمحدثون أن المحاماة هي القضاء الواقف، وهذه الحصانة غير مطلقة إن كانت تتجاوز حدود الله، ولكنها دائما ما تثار في شكلها الاجرائي أو الموضوعي في مسائل بسيطة وعادية وأكثرها كيدية أو تتعلق بالرأي حيث يعتقل ويحبس المحامي مما يؤدي الي هبوط قدر المحامي الذي يجد التقدير والاحترام في كافة دول العالم الحديث. ونأخذ مثال في حوادث حركة المرور في غير الاذي الجسيم أو البسيط أو حتي إن كان التلف بسيط وتكون سيارة المحامي مؤمنة تأمين شامل وساري المفعول فحينما يخطئ أو يصيب المتحري في تحديد المتهم الاول أو الثاني يضع المحامي في الحراسة ولا تقبل ضمانة زميله المحامي، بالرغم من الامكان إطلاق سراح المحامي المتهم بضمان مهنته وبطاقته السارية المفعول والصادر من الاتحاد العام للمحامين إن كان لابد من القبض عليه، بالرغم من شركة التامين تقوم بسداد قيمة التلف للسيارتين. وهذا مدخل أيضا لتصحيح وتطوير قانون حركة المرور، ليس تجاه المحامي فحسب بل علي العامة.
ومن جانب أخر تعتبر الحصانات الاجرائية أو الموضوعية إستثاء من أصل المساواة بين الناس، وفي حالة المحامي والمتعلقة ببلاغات يجوز فيها القبض يثور التسأول عن مفهوم الاخطار أو أخذ الاذن، ونختصر الاجابة بطرح مقترح وجود إستمارة صادرة من النقابة العامة للمحامين بها البيانات المطلوبة وفقرة رئيسية هامة وهي: ماهي الوقائع المسندة الي المحامي المشكو ضده في البلاغ المذكور (ملخص الشكوي أو البلاغ) وخاصة في قضايا التزوير في التوثيقات أوالتهديد والاساءة وغالبها كيدية علي حسب ملفات أقسام الشرطة والنيابة والمحاكم وعليه يكون أخذ الاذن هو ما ذهب اليه الي المشرع وما تواتر عليه العمل في جميع الدول لاهمية عمل القضاء الواقف.كما أضيف لاهمية حصانة مكتب المحامي من عسف السلطة أو إستغلال البعض للسلطة حينما يفشلون في مواجهة المحامي في أروقة المحاكم بحثا للمستندات موضوع الدعاوي القانونية فيلجأون الي الدخول عنوة الي مكتب المحامي للبحث عن ما قد يستخدم ضده للوصول لتسوية في القضية المعروضة أمام المحاكم خاصة وأن يكون طرفا ما في الدعوي من ذوي النفوذ أو من يمثله. ليس هذا فحسب بل ومنزل المحامي وأسرته، فيجب أن تحمي وتحصن من العسف إذا ما كانت القضية متعلقة بعمله القانوني، فلا يجوز إقتحام منزله أو تفتيشه الا بقرار قضائي ولا يسري علي أسرته أو خصوصته التي أوجب القانون والدستور حمايتها وكرامتها.
8. التأمين علي خدمات المحاماة والإستشارات القانونية:
لحماية المواطن من أخطاء مهنة المحاماة سواء في الترافع أمام المحاكم أو في تقديم إستشارات قانونية، حيث يجب وضع مبلغ مالي علي مستوي درجة المحامي سواء أكان أمام المحاكم الابتدائية أو الاستئناف أو العليا أو الدستورية. ويوضع هذا المبلغ لدي الاتحاد العام للمحامين أو لدي شركة تأمين لاخطاء مهنة المحاماة.
9. الأكاديمية العليا للمحاماة والاستشارات القانونية:
لتطوير قدرات المحامين الاكاديمية يجب إقامات دورات تأهيلية لكافة الدرجات وطرح نظام دبلومات وماجستر مهني في مجالات القانون المختلفة والحديثة كالتحكيم التجاري والمحلي وحقوق الملكية الفكرية وحقوق الانسان وغيره. كما تفتح الاكاديمية أبوابها لطلاب الجامعات والعاملين في كافة المهن القانونية كالقضاة والمستشارين والقوات النظامية وهي أشبه بالاكاديمية العليا للشرطة والاكاديمية العليا للامن وأكاديمية نميري العسكرية.
10. دار القانون للطباعة والنشر:
لاشك من أهمية النشر في مهنة القانون وبالتالي تقوم دار القانون للنشر بتقديم خدمة للمحامين في مطبوعاتهم الخاصة بأسعار تشجيعية ومن جانب آخر تعتبر مصدر إيرادي للاتحاد.
11. مجلة القانون (للبحوث والدراسات القانونية):
مجلة القانون أو دورية القانون هي روح المهنة في إعداد البحوث والدراسات القانونية نحو مشاريع لتعديل القوانين، وإثراء الثقافة القانونية في المكتبة السودانية خاصة والعربية والعالمية بصفة عامة.
12. شركات أم شراكات أم أسماء أعمال:
شركات أم شراكات أم أسماء أعمال، هذا الموضوع يعتبر من الموضوعات الشائكة في السودان والتي نالت جدلا وسط المحامين، وفي رأي المتواضع ومن خلال التجربة أري أن يظل الباب مفتوحا لتطبيق نظام الشركات وخاصة شركات التضامن والشراكات وأسماء الاعمال وخلال العشرة سنوات القادمة ستكتشف أيهما أصلح للمهنة وماهي الضوابط التي ستفرز خلال الممارسة العملية في السودان. خاصة وإن نقابات أوأتحادات المحامين في العالم لا تجد ضررا من كون مكاتب المحامين شركات أم شراكات أم أسماء أعمال، فالضابط هو الالتزام بقواعد المهنة وقوانينها و تحمل المسئولية القانونية التي تعود لملاك الشركة أم الشراكات أم أسماء أعمال فالمسئولية محدودة وتضامنية وفقا للنظام الاساسي، سوي في شقها الجنائي أو المدني أو التعويضي أو المهني عند سحب رخصة المحاماة أو سلطة التوثيق.
13. فيدرالية الاتحاد أو النقابة(التنظيم النقابي):
لتوسيع المشاركة من كافة المحامين في إدارة شؤن الاتحاد أو النقابة العامة في إتخاذ القرارات المتصلة بالمهنة أو الوطنية وتكريسا لوحدة الوطن تكون المسؤلية ملقاة علي عاتق حماة الدستور والقانون فكان قدرنا كمحامين العمل الجماعي في وطن واحد موحد، مع إلتزام قيادة الاتحاد أو النقابة العامة في أن تكون الوعاء الجامع للتيار الاساسي الفاعل، حيث لا مجال لتهميش عضو أو جماعة علي أساس الرأي أو المعتقد أو المنطقة الجغرافية، ولذا يكون الحديث حول كيفية توسيع مواعين هياكل الاتحاد العام أو النقابة العامة للمحامين السودانيين من خلال طرح فكرة فيدالية النقابة، وذلك بتكوين إتحادات فرعية تمثل 27 ولاية، وفقا لعددية متفق عليها مثلا: كل إتحاد فرعي عضوية هيئته التنفيذية مكونة من 15 عضوا وأمين عام للاتحاد الفرعي. أما الاتحاد العام أو النقابة العامة للمحامين للسودانيين فتتكون من تصعيد 27 عضوا يمثلون 27 ولاية بالاضافة الي تمثيل نسبي بحجم المحامين في كل ولايات السودان في مايسمي المجلس العام للمحاميين وتكون عضويته (مثلا) 100محامي ويتم إنتخاب الهئية المركزية وعضويتها 20 محامي لتشكيل الامانات التنفيذية، أما منصب السيد النقيب فيكون إختياره مباشرة من الجمعية العمومية للمحامين الذين يحق لهم بالتصويت والمسددين للاشتراكات. كما يجب الاشارة الي ضرورة توزيع إختصاصات وسلطات الاتحاد الفرعي والاتحاد العام للمحامين السودانين بصورة دقيقة و واضحة حتي لا تتضارب الاختصاصات والسلطات.
كما يمكن وضع مقترح آخر في أن ينتخب المحامين بالولايات إتحاداتهم الفرعية بما فيها رئيس الاتحاد، أو الموافقة علي وكيل النقابة المعين من نقيب المحامين السودانين في الولاية المعنية. بالاضافة الي مشاركة محامي الولايات في الترشيح والتصويت علي إختيار أعضاء النقابة العامة ونقيب المحامين السودانيين، مع ضرورة الاشارة الي أهمية زيادة عضوية اللجنة المركزية لتستوعب تمثيل الالاف المحامين وحل مشاكلهم بتشكيل أمانات جديدة وأكثر تخصصا تواكب التطورات الجديدة في المهنة.
14. مؤتمر القانونيين العاملين بالخارج:
تقدر أعداد المحامين السودانيين والمشتغلين بالمهن القانونية في دول الخليج والسعودية وأوربا وأمريكا وأستراليا بالالاف، فلحصر هذه الاعداد قيمة وطنية، وذلك من خلال ربط العاملين في الخارج بالوطن وثانيا الاستفادة من ما نالوه من علم وخبرة، نحن في أمس الحاجة اليها، فالمهنة كائن حي تحي وتنمو وتترعرع في المناخ الملائم الصحي أو المناخ الفاسد، فلذا أن نحسن المناخ الصحي والمتعافي لنمو راقي ومفيد للمهنة. وعليه تكون فائدة مشاركة القانونيين العاملين بالخارج من خلال أوراق عمل تناقش التطورات في التشريعات الاقليمية والدولية أو شراكات أستراتيجية مع مكاتب محاماة عاملة بالسودان.
15. أبراج المحامين (تمليك سكن - مكاتب):
لا شك أن أعداد كبير من المحامين تعاني من أزمة في السكن المريح أو مكاتب مملوكة لهم، ومن خلال ميزانية الاتحاد العام يمكن قيام مشاريع أستراتيجية تحل أزمة السكن والمكتب الملائم للمحامين، سواء تحمل الاتحاد تكاليف الارض أوالمباني أوالاثنين معا وتم بيعها بأقساط مريحة أو من خلال بنوك أو شركات تمويل أو شراكات. ويمكن تسمي هذه الابراج بأسماء مستوحية من ديننا وقيمنا وأرثنا القانوني (العدالة- القانون- عمربن الخطاب – عمر بن عبدالعزيز- حمورابي).
16. حوسبة المحاماة:
تظل الحوسبة كأعظم إختراعات القرن العشرين، ولتطوير وترقية المهنة لابد من حوسبتها وأرشفت كل ملفات المحامين ولسهولة تدولها بين الاتحاد والمحامين أو من خلال موقع إلكتروني يستطيع طالب الخدمة القانونية أن يتصل بالمتخصصين في مجالات القانون المختلفة كالمدني أو الشرعي أو الجنائي.
خاتمة:
كما أشرت الي أن هذه المقالة تهدف لتحريك بركة مستقبل مهنة المحاماة والتحديات التي تواجها في سبيل التطوير والرقي، سواء كانت المناقشات داخل المحيط القانوني أو تلك التي تنداح لتشمل كل أهل السودان الذين حملوا الكثير من الرعيل الاول وما بعده من المحامين علي أعناقهم في سبيل الحرية والاستقلال وسيادة حكم القانون وإستقلال القضاء. فالحرص من الجميع علي مهنة المحاماة هي ما دفعني للكتابة العلنية لفتح الباب لكل من لديه آراء أو أفكار أو ملاحظات حول مهنة المحاماة. والله والوطن من وراء قصد السبيل.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
