" الإجراءات التي أتخذها ليست إلا تدبيرا جذريا للإسراع في تفجير الحقيقة والوصول للعدالة".ولكن لدي شغف واحد: تنوير الذين تم حجبهم في الظلام، وباسم الإنسانية معاونة هؤلاء الذي عانوا الكثير ولهم حق التمتع بالسعادة.رسالتي رسالة احتجاج نارية وما هي الا مجرد صرخة روحي.دعوهم يتجرؤن ويجلبونني أمام محكمة قانونية، وليتم التحقيق معي في وضح النهار! " إميل زولا ،"إنى أتهم! "(1898)

الثلاثاء، يوليو 21، 2009

المسكوت عنه -1 - بقلم شوقي بدري -نقلا عن سودانيزون لاين

+الزعيم السياسى بيكو فى جنوب افريقيا والذى قتلته السلطه البيضاء فى السجن تحت التعذيب. قُدم للمحاكمه فى احدى المرات وإتهمه القاضى بأنه يدعو الى العنف. فأنكر الزعيم الافريقى التهمه وقال بأنه يدعو الى المواجهه فرد القاضى (هذا هو نفس الشئ) فقال الزعيم الافريقى ( إن ما يدور بيننا الآن هو نوع من المواجهه ولكنى لا أرى اى نوع من العنف ) .

فى السودان انتقاض بعض الشخصيات او حتى مجرد الكلام عنها يعتبر جريمه حتى اذا أخطأوا . عند موت العميد يوسف بدرى كتب الدكتور عمر نور الدائم رحمه الله عليه مقالاً ينعى فيه العميد يوسف بدرى وقال ان العميد هو الانسان الوحيد فى الشرق الاوسط الذى عرف باسم العميد وان يوسف بدرى هو إبن بابكر بدرى قد انشاء مدرسه الاحفاد تحت رعايه السيد عبد الرحمن المهدى الماديه والمعنويه وإن يوسف بدرى انصارى صميم ..... الخ .

فكتبت موضوعاً نشر فى جريده الخرطوم بعنوان عفواً الدكتور عمر نور الدائم وقلت انه قبل يوسف بدرى عُرف عمنا محمد مرغنى شكاك بلقب العميد لانه كان عميداً لمدرسه التجاره وكان قبلها مدرساً فى نايجيريا وإن السيد عبد الرحمن ليس له اى صله بتأسيس مدارس الاحفاد. لانها أسست بعيداً عن الخرطوم فى رفاعه والسيد عبد الرحمن وقتها كان محدود الحركه يتقاضى خمسه جنيهات كمرتب من الحكومه البريطانيه لاعاله والدته واسرته ويرتدى ثياب رثه ويركب حماراً ويسكن فى العباسيه . ولم يكن فى امكانيته ان يقدم اى دعم مادى او ادبى .

والسيد يوسف بدرى لم يكن انصارياً بل كان متأثراً بافكار غاندى وكذلك كان صديقه وزميله فى الدراسه سيد احمد غاندى من سكان توتى. وكان أول دفعتهم طيله الدراسه فى امدرمان الأميريه وكان مدرساً للفنون فى مدارس الاحفاد وكذلك كان الامير نقد الله متأثراً بافكار غاندى ولذا لم يكن يشرب السكر طيله حياته لان ضرائبه تزهب للحكومه الانجليزيه وكان يقاطع البضائع البريطانيه ويلبس الدمور والمركوب.

وكما ذكرت ان الساره بابكر بدرى وُلدت فى يوم 20 رمضان 1312 هجريه الموافق 17 مارس 1895 , وولدت امنه فى يوم 25 ديسمبر 1896 , والسهوه ولدت فى ابريل 1898 . اذا الفرق بين كبرى بنات بابكر بدرى والسيد عبد الرحمن الذى ولد بعد موت ابيه اقل من عشر سنوات اى ان عمره كان 16 سنه عندما بداء تعليم البنات .

بالرغم من هذه المعلومات البسيطه فتح الجحيم ابوابه وكانت الردود والشتائم والتحرشات. وسمعت ( انت قايل شنو ما عكاز واحد برموك ناشف ) واذكر اننى نشرت مجموعه من المقالات كرد وقصيده اقول فيها
يا بشر مافى حجر قوملو شدر
وعكولا متين لحقها دشر
سيف العُشر ما بكتل بكتل قدر
والسنيف فى اللغُد شيتاً بحير
انا ابو فقوق ما ببدا الشر
اكان حصل بنشف محل ما مطر
لما الرجال تشيل المُر برجا الامر
وما بحمل الذل حتى اللكان عسلاً مقطر
الى آخر القصيده .

عكولا ام تشر .... الارنب البرى .
الدشر .... الكلب الغير أصيل .
السنيف .... غرز اغصان فى الرمال لوقف تحرك الرمال لا لزوم لها فى حاله اللغُد وهو اجود الطين الصلصالى . بمعنى ان التهديد لا يؤثر على الجميع .

ما سمعته من الاعمام وما قرأته فى ديوان خليل فرح الذى حققه دكتور على المك فأنه بالرغم من أن خليل فرح قد شتم الانجليز فى اغانيه وابدى امتعاضاً للتعامل معهم كفنى تلفونات وتغيبه الكثير من العمل بسبب المرض او بلا سبب فانهم لم يستطيعوا طرده من الخدمه لان القوانين واللوائح لا تسمح وكل هذه المده لم يزد العقاب عن ثلاثه ايام قطع ماهيه.
عندما عُقد مؤتمر جوبا رفض السكرتير الادارى السير جيمس روبرتسون تمثيل الصحافه السودانيه ولكن وعد بعقد مؤتمر صحفى بعد المؤتمر .
ولما عاد عقد مؤتمراً صحفياً لرؤساء تحرير الصحف وعندما واجه اسئله استفزازيه رمى بقلمه غاضباً فخرج الصحفيون غاضبين وكتبت ثلاثه صحف مقالات ناريه هى السودان الجديد والرأى العام وصوت السودان بينما تريثت النيل والامه لاسباب حزبيه
وفى نفس اليوم اصدر السكرتير الادارى حسب قانون الصحافه 1931 بتعطيل الجرائد الثلاث .
واجتمع الصحفيون فى اطار ( اتحاد الصحافه ) بدار جريده النيل وقرروا ان تكتب كل صحيفه مقالاً تهاجم فيه تصرف السكرتير الادارى ثم تتوقف عن الصدور وقد حدث . وضطر السكرتير الادارى ان يعتزر للصحافه السودانيه فعادت للصدور . هذا فى زمن الاستعمار والبطش ( آل استعمار آل ) .
هذا الكلام استقيته من كتاب عبد الله رجب مزكرات اغبش. وعبد الله رجب اكثر صحافى تضرر فى ايام الحكم الوطنى فلقد تعرض للسجن مرتين والتعطيل لمده سته شهور والتعزير بواسطه السيد بابكر عوض الله رئيس مجلس النواب امام البرلمان وهو واقف تحت الحراسه وكان معه محمود مصطفى الطاهر فى قضيه مشابهه . وتعرض للوم بطريقه رسميه من جانب السيد اسماعيل الازهرى .
ثم تعرض عبد الله رجب للضرب لانه كتب الصديق افندى المهدى . وهذا هو اللقب الرسمى لكل خريجى او الذين درسوا بكليه غردون . حتى والدى كان يُعرف بابراهيم افندى بدرى . وعندما لم يرعوى عبد الله رجب قُرر قتله وهاجمه مجموعه من اولاد الانصار من امدرمان بقياده صديقى الدين وفى المره الثانيه كان المفروض ان يُقتل عبد الله رجب وكما عرفت من الدين فانهم قد حسبوه ميتاً وذهب الدين الى السجن وخرج من السجن وفى بدايه الستينات كانت بيننا صداقه وكنت اجالسه بانتظام فى قهوه مهدى حامد فى سوق المويه . اسم الدين هو ياء الدين اي نهايه الدين ولكن صارت الياء حرف منادى والدين هو اسمه وكان بناءاً ويسكن ود نوباوى ولم يكن متديناً وكان يمارس كل النشاطات البعيده عن الاسلام من خمر وميسر وبنقو ولكن كان له ولاء اعمى للانصار وفى آخر ايامه صار له دكان فى ود نوباوى لبيع اللبن وكان ينادى على لبنه ( علينا جاى علينا جاى سكر النبى سكر النبى ) ثم افلس الدكان لانه كان يرفض ان يأخذ من نساء الحى نقوداً وقضى آخر ايامه فى فقر ومسغبه ولم يهتم به اى من اغنياء الانصار .

وبسبب هذا الاعتداء الاخير كان استاذنا عبد الله رجب يحمل عصا فى يده بقيه حياته متخوفاً من هجوم جديد . قال عبد الرحيم كدوده فى رثائه ..
رغم طول النضال عشت فقيراً
دون بيت سياره كالرجال
تجرى للبص والعصا فى يمين
تحمل الزاد ممسكاً بالشمال

وقال التجانى عامر ...
صراع مع الدنيا مرير وعارم
وعين كخرط الشوك صعب وصارم
وكانت شواظاً للطوائف كلها
تهاب عواديها اللحى والعمائم

فى سنه 1977 كنت وزيراً لامين مبارك مرغنى فى زواجه من نسيبه حفيده شيخ السراج . وكان عجاج فنان الحفل . ولان الجو كان بارداً فقد كان كمال سينا رحمه الله عليه يجلس مع الخال عبد الرحيم عثمان صالح خال امين فى الجزء المسقوف بدون حائط فى حوش المنزل كقراش. وكان سينا يستفزنى كلما ظهرت قائلاً يا ولد دى طربيظه خال العريس انت خدمتك بطاله ثم يضيف لو شيخ السراج كان لسه فى ما كان بتحوم فى البيت ده بشنباتك دى . فلقد كان وقتها لى شنب طويل يشابه شنب المكسيكيين يتدلى تحت حنكى .

شيخ السراج كان فارساً مشهور له بالقوه والصرامه وكان يركب حصاناً فى امدرمان . وعندما شاهد احد بناته تطل من على الحائط لمشاهده الزفه قام بحلق رأسها . ولقد جلد انجليزياً بالسوط لاساءته لسودانى حتى بكى الانجليزى . كما تعرض الى العم منور الذى كان يسوق الطرام لان الطرام يصدر صريراً عندما يمر امام دار السراج . وهو شاعر وخير من تكلم العربيه وعضواً فى المجمع اللغوى كما درس كثير من ابناء وبنات الاسر الكبيره فى امدرمان خاصه اسره المهدى .

وكما ذكر الصادق المهدى بانه رجع من كليه فكتوريا لانه كره اسلوب المدرسه وإرغامهم بالتحدث باللغه الانجليزيه داخل المدرسه .... الخ . ولذا ترك المدرسه لكى يدرس على يد الشيخ السراج . والذى عرفناه قديماً ان الصادق المهدى هرب من منزل اللواء البنا فى مصر الذى كان صارماً ولم يعجبه وقوف الصادق المهدى امام المرآه والخطبه امام جماهير وهميه . فحزره وعندما تكرر الامر وجد الصادق المهدى نفسه تحت رحمه خيزرانه اللواء البنا .

عندما ظهر الصادق فى امدرمان كان اغلبيه اهل امدرمان ولا يزالوا يعارضون الانصار وحزب الامه . وانا قد خضت معارك مع زملائى فى مدرسه بيت الامانه الاوليه خاصه ابناء اشلاق البوليس مثل الفاتح لانه بعد حوادث اول مارس كانوا يقفون امام القبه ويقولون ( شن القبه والراس فى اوربا ) . والحقيقه ان كتشنر قد نبش قبر المهدى وبعثر عظامه وارسل راسه الى المكه فكتوريا التى استاءت للامر. ووبخ كتشنر لان انجلترا قبل كل شئ تحكمها القوانين .

وبعد انتصارات عثمان دقنه فى معركه التيب التى حدثت فى نفس اليوم والسنه 5 نوفمبر كمعركه شيكان. فأن الضابط هيوت البريطانى أعلن عن جائزه خمسه الف ريال لمن يأتيه برأس عثمان دقنه الا انه عاد بعد ثلاثه ايام وسحب الجائزه لان حكومه الاحرار فى لندن لم تقبل بهذه السياسه البربريه . وبعد 130 عاماً يمارس الامريكان نفس الغلطه .

فى الستينات ظهرت اشاعه او نوع من حب الانتقام او التشهير بالانصار وتردد فى كل المجالس بأن الصادق المهدى هو ابن الشيخ السراج وفى بدايه سنه 1963 وفى منتدى ابروف وسط بعض رجال ابروف تطرق البعض لهذا الموضوع كنوع من الدعابه فرد شيخ السراج قائلاً الانف انفى واللسان لسانى . ومن الممكن ان شيخ السراج كان يقصد انه قد علم الصادق المهدى وهو بمثابه ابنه . وشيخ السراج فى آخر ايامه كانت تصدر منه بعض التصرفات الغريبه والنتيجه ان شيخ السراج قُطع قطعاً صغيره ويقال انه قُطع وانه لا يزال على قيد الحياه وهذه المره اراد منفذى العمليه من التأكد انه مات وليس كما حدث مع عبد الله رجب . صديقى الدين كان يبدو سعيداً ومنتشياً ويقول ان ما حدث لشيخ السراج هو اقل مما يستحق . ولكن لم يعترف ابداً بانه احد المنفذين ولكنه كان يلمح بان اللذين قاموا بهذه العمليه رجال .

وعندما طلب مرغنى حمزه من ازهرى ان يقدم السيد الصديق للمحاكمه بسبب حوادث اول مارس رفض الازهرى حتى الكلام عن ذلك الاحتمال . مرغنى حمزه كان يكن كراهيه للانصار لان والدته بعد كتله الجعليين ولدته تحت ظل شجره فى العراء.

وفى سنه 1963 لم يجرؤ احد ان يوجه اى تهمه للانصار بل قُبض بعض الجزارين احدهم مصطفي عثمان الجاك صهر حديد ابن شيخ السراج ووضع فى الحراسه كتحصيل حاصل او لتحويل نظره الناس من الواقع . وكعاده الجزارين عندما يكون لهم احد فى السجن فلقد كانت كراتين الشرى والسجائر والشواء تتدافع فى المساء فى مركز البوليس وعندما طال مكوث محمد فى الحبس والقانون وقتها لا يسمح باعتقال اى انسان اكثر من اسبوعين بدونه تقديمه للمحاكمه سأل الامباشا سيد احمد الرجل الطيب والذى كان يحفظ النظام امام سنما الوطنيه وبعض كبار رجال البوليس الذين لا يهتمون بالشرى والشواء سألوا محمد اذا كان يريد ان يخرج من الحبس وعندما اجاب بنعم قالوا له وقف الشرى والشيه دى .

الشئ الغريب ان السيد الصادق وآل المهدى والانصار لم يبدوا فى اى يوم من الايام تأسفاً على مقتل الشيخ السراج رحمه الله عليه . السؤال عندما نرجع للسودان ويكون هنالك ما لا نحب وننتقده هل سنواجه مصير السراج او عبد الله رجب.

‏ليست هناك تعليقات: